في الحاجة إلى ميثاق جامع

Cover Image for في الحاجة إلى ميثاق جامع
نشر بتاريخ
خالد العسري
خالد العسري

في الحاجة إلى ميثاق جامع 1

تعيش النخب في البلاد العربية مفارقة قاتلة بين الخطاب والممارسة. فحين يتحدث الديمقراطيون على أن مبتدأ الديمقراطية رفض للإقصاء وتنظيم للاختلاف بالحوار، يؤكد الإسلاميون من جانبهم أن الشريعة دعوة إلى الجدال بالتي هي أحسن، حتى ينقلب الأعداء إلى أولياء. لكن الواقع يثبت في أكثر من قُطر عجز مختلف الفرقاء -حتى المنتمين إلى نفس المرجعية- على تجسير الهوة بينهم، والانتقال من حقل الخصومة إلى أرضية التوافق عبر ميثاق مشترك، يكون من أهدافه تغيير موازين القوى لصالح الشعب، وبناء تكتل يقود معركة التغيير، وتحقيق التكامل بين مختلف مكوناته، وتجسيد إرادة التغيير الجماعي نحو نموذج انتقالي ينتصر لقيم الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

في اللغة، الميثاق هو “العهد المحكم” كما قال ابن فارس، وفي “معجم مفردات القرآن الكريم” للراغب الأصفهاني فهو: عَقْدٌ مؤكد بيمين وعَهْد. وقد ورد لفظ الميثاق (موثقا، موثقهم، ميثاق، ميثاقا، ميثاقكم، ميثاقِه، ميثاقهم، واثقكم) تسعة وعشرين مرة في عشر سور من القرآن الكريم، منها المكي وأكثرها مدني، ومن أهم الدلالات التي أحال عليها:

‌أ.      عهد أخذه الله من النبيين “على الوفاء بما حمّلوا، وأن يبشر بعضهم ببعض، ويصدّق بعضهم بعض” وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً (الأحزاب: 7). أو هو العهد الذي أخذه من بني إسرائيل لتحكيم ما أنزل إليهم من التوراة، وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ (البقرة: من الآية 83)، أو هو العهد الذي أخذه الله مطلقا من عباده للإيمان به وبما أوحى إلى رسله وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (الحديد: 8).

‌ب.   أو هو عقد البيعة بين الإمام والمسلمين، قال تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا (المائدة: من الآية 7)، وقد قال القرطبي في تفسير الآية “والذي عليه الجمهور من المفسرين كابن عباس والسُّدّي هو العهد والميثاق الذي جرى لهم مع النبيّ صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المَنْشَط والمَكْرَه إذ قالوا: سمعنا وأطعنا، كما جرى ليلة العقبة وتحت الشجرة”.

‌ج.   أو هو كناية على العقود التي يبرمها المسلمون مع غيرهم، قال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ (النساء: 90)، وقوله تعالى: وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ (النساء: 92).

‌د.     أو هو العهد والعقد بين أفراد المجتمع حيث يكون الله شهيد عليه، ومنه العهد الذي كان بين يعقوب وبنيه قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (يوسف: 66)، أو هو عقد النكاح كما ذهب المفسرون في تفسير الميثاق الغليظ في قوله تعالى: وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً (النساء: 21).

وما يهمنا في هذا الباب هو ما تعلق منه بالاجتماع السياسي الممكن تحققه في بنية الدولة الحديثة، بالنظر إلى الميثاق بكونه تعاقد بين مختلف الأطياف للانتقال من وضعية “الإجماع القسري” إلى التعاقد الحر على مبادئ يقع الإجماع عليها، وتتحول إلى معايير للاحتكام ما قبل التغيير وعند تدبير مرحلة الانتقال.

 إن الميثاق لا يبنى على وهم التاريخ وشرعية بناءاته المقدسة، ولا هو يعارض الانتماء والولاء الوطنيين، كما لا يمكن تأسيسه على التفرقة بين أبناء الوطن الواحد، وهو لا يتماهى ولا يتناقض مع المسطرة الديمقراطية، كما أنه يعانق الإسلام بقراءة اجتهادية تحفظ ثوابته وتجتهد في متغيراته.

إن الحديث عن الميثاق هو حديث عن مأسسةٍ للحوار بين مختلف مكونات المجتمع لوضع تصور حول ما ينبغي أن يكون بعد حصول التحول، ولا بد أن يسبقه الحديث عن كيفية حصول هذا التغيير عند المؤمنين بحصوله، حتى تكون الحركية متوافقة مع الأهداف الكبرى التي تريد تغييرا للنسق المجتمعي القائم.

لعل من أهم الإشكالات التي يسعى الميثاق إلى تحقيقها بعد تجاوز عقبة قبول مختلف الأطياف الجلوس إلى مائدة الحوار، هو الحسم في البعدين: المرجعي الفكري السلوكي، ثم السياسي التنظيمي التدبيري المسطري.

إن الحل الذي يرفع شعار حاكمية الشرع صامتا على كيفية استلام الحكم وكيفية تدبيره إنما يريد بناء نموذج الدولة السلطانية الناسفة والناقضة للشورى أو الديمقراطية، كما أن المناداة ببناء الدولة المتماهية مع فلسفة النموذج الغربي إنما يسعى إلى القضاء على الروح الإيمانية للشعب المسلم.

إن الميثاق من أولى أولوياته السعي إلى بناء نسق مجتمعي يحفظ للشعب هويته ويحفظه من الاستبداد، وهذه المعادلة قد تشكل مفتاحا مركزيا لوضع أرضية ميثاق جامع لكل القوى السياسية والاجتماعية التي تنبت من رحم الأمة.

من المؤكد أن تغيير النظام السياسي، أو تغيير قواعد النظام السياسي ليست غاية في حد ذاتها، بل القصد في مرحلة لاحقة هو النجاح في تحقيق انتقال ديمقراطي يتمكن من تجاوز تهديدات ثلاثة 2:

§      أولا: تهديد إصدار القوانين التي لا تعترف بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تحد من المشاركة السياسية، أو تقوم بتزوير الانتخابات التي تهدر اختيارات أغلبية المنتخِبين؛ وتحرر النخبة الحاكمة من أي رقابة أو مساءلة من قِبل الناخب.

§      ثانيا: تهديد فشل النظام الديمقراطي الوليد في الحفاظ على التعبير عن النزاعات السياسية بطرق سلمية، وبالتالي يتم اللجوء إلى العنف السياسي المتكرر والمتسع النطاق ليصبح ذلك دليلا على عدم الاستقرار.

§      وثالثا: تهديد قوى الثورات المضادة التي السعي إلى إسقاط النظام من خلال دعم انقلاب أو تمرد جماعي، وهو ما يهدد بوضوح استقرار النظام الديمقراطي.

إن كل هذه العاهات قد عاشت تجاربها المريرة دول الربيع العربي المجهض، لذلك يصبح مطلوبا من كل القوى السياسية أن تقدم على مراجعات ذاتية، تسعف في الانتقال من منطق التعارضات السرمدية في الفكر العربي إلى منطق البناء التشاركي غير الملغي للاختلافات، والمرسخ لقيم التنافس الشريف الساعي إلى خدمة الصالح العام بكل تجرد، قربى من الله عز وجل في حق الإسلاميين، أو مروءة ونزعة وطنية وقومية في حق غيرهم. 

تثبت دراسة التجارب المقارنة أن تاريخا ممتدا من التفاوض ومد الجسور بين القوى المتعارضة يسهم بفعالية في تدبير الانتقال وترسيخ مساره الديمقراطي، وتُستحضر في هذا الباب تجربة جنوب إفريقيا حيث كان السعي مبكرا إلى تجميع مختلف المكونات التي تعارض نظام الميز العنصري على أرضية مشروع مجتمعي واحد اتتخذ مسمى: “ميثاق الحرية”.

لقد انطلق مشروع توحيد مختلف مكونات المعارضة على ميثاق جامع، “ودعونا مائتي تنظيم من تنظيمات السود والبيض والهنود والملونين لإرسال ممثلين عنها لمؤتمر تحضيري في تونغات بالقرب من ديربان في مارس 1954” 3، وكانت الحصيلة توحيد التصور لمستقبل دولة ديمقراطية في جنوب إفريقيا من خلال إصدار “ميثاق الحرية” الذي أصبح “نورا جديدا تهتدي به حركة النضال من أجل التحرير، وكان الميثاق مزيجا من الأهداف العملية والمبادئ والشعارات صيغت في لغة أدبية منمقة، مثله مثل إعلان الاستقلال الأمريكي، وإعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي، والبيان الشيوعي. وهو يضع في المقام الأسمى إبطال التمييز العنصري وتحقيق المساواة في الحقوق بين الجميع، ويرحب بجهود جميع أنصار الحرية للمشاركة في بناء مجتمع ديمقراطي لا عنصري في جنوب إفريقيا. لقد عبر الميثاق عن آمال وطموحات الشعب، وأصبح الوثيقة الرئيسية لحركة النضال ومستقبل الأمة” 4.

إن الميثاق حصيلة حوار ممأسس طويل النفس، والبديل عنه إنما مقاتلة عاجلة أو آجلة. لذلك وجب جعل آكد مقدماته حرمة الدم وقدسيته. وترسيخ مبدأ اللاعنف في الممارسة السياسية، وسعي جميع مكوناته إلى تبديد كل أمل في أن يراهم أعداؤهم يرتكبون يوما الخطأ السياسي الذي يعتبر خطيئة أخلاقية، خطأ التمكين لحرب أهلية تأتي على الأخضر واليابس كما هي المأساة اليوم في أكثر من دولة عربية.


[1] للإشارة، فهذا المبحث مُضمَّن في مؤلَّف تم الانتهاء منه منذ مدة، ولم يطبع بعد، وعنوان المؤلف: “الانتقال الديمقراطي: مسارات ومتاهات”.
[2] Michael Burton, Richard Gunther, and Jhon Higley, Elite Transformations and Democratic regimes, in « Elites and Democratic Consolidation in Latin America and Southern Europe », Editerd by: Jhon Higley and Richard Gunther,p 3
[3] نيلسون مانديلا، رحلتي الطويلة من أجل الحرية، ص 165.
[4] المرجع نفسه، ص 167- 168.