عندما يعطف ثدي الأم

Cover Image for عندما يعطف ثدي الأم
نشر بتاريخ
مومنات نت
مومنات نت

عندما يعطف ثدي الأم

لأول مرة أسمع هذا التعبير من إحدى السيدات وهي تتحدث عن رضيعها، كيف لم تفطمه بعد وقد تجاوز العام والنصف، لأن ثديها لازال يعطف عليه، فرنت العبارة في عقلي وقلبي رنينا خاصا، وفهمتها رغم أنها جديدة على مسامعي وليست من التعابير الألوفة المتداولة، لكنني أحسست بها تعبيرا دقيقا عن العلاقة بين الأم ورضيعها، تلك العلاقة الوثيقة الغامضة، التي لايزال العلماء يحاولون سبر أغوارها، ألا وكلها مبنية على العطف والحنان، كيف يحن قلب على رضيعها حين تحس بحاجته إلى دفء حضنها أو زاد حليبها، فيرجف القلب عطفا، وينضح دمه الدافئ في العروق الرقيقة الحساسة، فتشتد لها عضلات الصدر متوترة، ليرجف الثدي عاطفا وينضح عبره الحليب خالصا سائغا، كما تنضح عبرات الأم الرحيمة بولدها العاطفة عليه.

ألازلت تلك الأم؟ ماالذي تغير؟

ألازلت أنت الرحيمة العاطفة أيتها الأم؟ أم أن ثديك أسبق في عطفه على رضيعك من القلب الجامد وراء ضلوعك؟

ألازلت تحسين بتلك الرجفة مع حاجة طفلك للرضاعة؟ أم أن هوس الحياة المعاصرة قد شغلك عن الإحساس بخلجات جسمك وقلبك؟

ألازلت أنت نفس الأم التي كانت تحضن وليدها وترضعه حولين كاملين، وقد تزيد، إن زيادة عطف ورحمة أو عن جهل؟ أم أن الأمومة أيضا قد سايرت العصر في تطوره وتدهوره، فأصبحت خصال الأم الناجحة تقاس بعدد الزجاجات ونوعية الحليب المصنع والأغذية المعبأة التي تملئين بها عربات التسوق لوليدك الحديث؟

ألازال حليبك خالصا سائغا أم أن صغيرك أصبح يرشف مع قطراته نكهة حنان متعبة من كد النهار وسهر الليل، لم يعد يستسيغ طعمه، حين اختلط في بطنه بأدخنة البيئة الملوثة مع أخلاط الحليب الصناعي؟

لا أريد هنا إلقاء اللوم على أمهاتنا الحبيبات، المكدودات في سوق العمل مضطرات أو مختارات، على حساب قليل أو كثير من أمومتهن ومسؤولية بيوتهن، وسكينة استقرارهن فيها، لكني أتأمل متغيرات واقعة حولي، في هذه العلاقة الفطرية الأزلية بين الأم ورضيعها، ولربما أكون مخطئة في تحميلي الأمهات ما لا يطقن، فقد يكون التطور الملحوظ قد مس الرضع من قبل، فأصبحوا لا يقبلون بأكثر مما ينكب عليه أقرانهم من هذه الزجاجات المعبأة بأخلاط الحليب والأطعمة الجاهزة.

أسئلة متأملة سعادتها أن تقف كل أم مع هذه المرحلة السعيدة من حياتها، وقفة فطرية تتجاهل فيها النداءات التجارية المغرية، ملتفتتة بقلبها وصدرها إلى هذا المولود على الفطرة القيمة، ترضعه مع قطرات الحليب المباركة بعظمة النية، مودة ودعاء بالحفظ والهداية والصلاح، ليكون من بناة هذه الأمة القائمين بالقسط، العلماء العالمين.

حقائق علمية

غير بعيد عن أسئلتي العاطفية تلك، أود بسط غيض من فيض ما توصل إليه علماء الطب بأسئلتهم العلمية حول خصائص الرضاعة الطبيعية وحليب الأم، لتكتمل الصورة، ويلتئم النداء القلبي الفطري بالنداء العلمي التجريبي، لعلهما يسلكا في آذان وقلوب أمهاتنا الحبيبات.

ولعل من أهم ما صدر عن منظمة الصحة العالمية بخصوص تغذية الطفل:

” توصيتها بشدة بالرضاعة الطبيعية الحصرية طيلة الأشهر الستة الأولى قبل إدخال الأطعمة الأخرى، مع الاستمرار في الرضاعة الطبيعية لمدة سنتين”

وذلك لوقوفها على المزايا الجمة لحليب الأم ، نذكر منها في عناوين مختصرة، كل نقطة منها تحيل على أبحاث علمية طويلة، لا مجال هنا للاستفاضة فيها:

*حليب جاهز دائما، وفي حرارة ملائمة.

*خال من الميكروبات وغير قابل للتعفن ولو ترك أربع إلى ثمان ساعات خارج الثلاجة، بالنسبة للأمهات العاملات يمكن لهن عصر الحليب وتركه لأبنائهن في الزجاجة.

*يتكيف مع حاجيات الرضيع حسب سنه ونمو جهازه الهضمي.

*غني بالفيتامينات واالمعادن الأساسية بما فيها الحديد.

*غني بالهرمونات وعوامل النمو بنسب أكثر مما في دم الأم نفسها، لمسايرة مرحلة النمو عند الطفل.

*يتوفر على نوعية ممتازة من البروتينات والأملاح المعدنية، أقل من حليب البقر، لكن سهولة جذبها وتمثلها والاستفادة منها مع قلة تسببها في الحساسية الجلدية والمعوية.

*ينمي نسبة الذكاء، حيث أثبتت دراسة أن معامل الذكاء لدى الأطفال الذين يرضعون حليب الأم أكبر مقارنة مع الرضع الذين يستهلكون الحليب الصناعي.

*يقي من الإسهال ويمنع تكاثر الجراثيم بفضل محافظته على المحيط الحمضي داخل المعدة.

*يقي من مجموعة من الأمراض كالحساسية والربو والتهاب الأذن الوسطى والسمنة والسكري وأمراض القلب والشرايين.

*يقي من الاضطرابات النفسية والعاطفية ويساعد على النمو النفسي السليم.

*يقي الأم نفسها من مجموعة من الأمراض أخطرها سرطان الثدي ، حيث أثبتت الدراسات قلة الإصابة بهذا الداء الفتاك في صفوف الأمهات اللواتي يرضعن بالثدي.

*يساعد على رجوع الرحم إلى وضعه الطبيعي بعد الولادة والحفاظ على تقلصه لتجنيب الأم خطر النزيف الذي لازال يحصد الكثير من أرواح أمهاتنا البريئات.

تصحيحات لإشاعات خاطئة

كثيرة هي الآراء المغلوطة والإشاعات الخاطئة عن رضاعة الثدي، والتي تؤدي إلى ممارسات غير صائبة للأم ، نورد هنا بعض التوجيهات العملية لتلافي أهم هذه الأخطاء:

*جميع النساء يتوفرن على كمية كافية من الحليب تزيد بفعل عملية المص لدى الرضع، لذا يجب الإرضاع حسب طلب الرضيع دون تحديد مواعيد مضبوطة، خاصة في الأشهر الأولى. وهذا يخالف الإشاعة التي تتحدث عن عدم كفاية الحليب واللجوء للحليب الاصطناعي، مما ينقص إدرار حليب الأم فعلا، لانعدام المص المنشط لخلايا الثدي، وكذا إقبال الرضيع على الزجاجة بدل الثدي.

*تساعد الرضاعة الطبيعية على استرجاع الأم لوزنها الطبيعي خلافا للإشاعة التي تتحدث عن السمنة خلال فترة الرضاعة، فالمرأة المرضعة تستهلك كل يوم 700 سعرة حرارية مقارنة مع باقي النساء.

*كمية الحليب لا تتعلق بحجم الثدي، بل بتكرار المص من طرف الرضيع الذي ينشط الغدد المفرزة للحليب.

*لا يجب إيقاف الرضاعة الطبيعية عند إصابة الرضيع بالإسهال ولا عند تعرض الأم لنزلات البرد، لأن ذلك لا يؤثر على صحة الطفل، بل بالعكس، يتوفر حليب الأم على مواد مناعية ضد الإسهال وفيروس البرد.

نداء علوي معجز

وختاما، نرجع إلى الدستور الرباني الشامل لجميع مناحي الحياة، المنظم المؤطر لكل المراحل العمرية للإنسان، حيث يؤكد الله عز وجل من علياء عرشه العظيم، وفي سابق علمه الأزلي، ما توصلت إليه الأبحاث البشرية، في قوله عز وجل، وهو في معرض الحديث عن أحكام الطلاق:

وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعة 1

فالله سبحانه وتعالى أولى بالناس من أنفسهم، وأبر منهم وأرحم من والديهم، فلم يترك هذه الأجيال المتراكمة من الأطفال يضيعون، حتى يثبت العلم تجاربه، ويصدر توصياته بالرضاعة الطبيعية، كما لم يكل أمر الرضاعة لفطرة الأمومة وحدها، فقد تفسدها الخلافات الزوجية، وتجني عليها الحسابات العائلية، بل جعل على الأم الوالدة واجب الرضاعة لطفلها، حتى وهي تنفصل عن زوجها، لكيلا يحرم هذا الصغير البريء من شيء أساسي لنموه، ضروري لسلامة جسمه، إذا فرضت قوانين المعاشرة، طلاق والديه، فكان لابد من هذا النداء الرباني في هذه الظروف المضطربة المتوترة، وإلا فهو آكد في ظل الأسرة المجتمعة المستقرة.


[1] سورة البقرة، الآية 233