عاشوراء اليوم المشهود

Cover Image for عاشوراء اليوم المشهود
نشر بتاريخ

عاشوراء يوم من أيام الله تعالى المشهودة انتصر فيها الحق على الباطل، والعدل على الظلم، والإيمان على الكفر، والخير على الشر، والدم على السيف. ولا يزال الصراع مستمرًّا على هذه الأرض الفانية، بين هذه الثنائيات حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ما دام عدونا وعدو الإنسانية وعدو الله تعالى إبليس اللعين يتحرك ويجري في عوالمنا وأجسادنا وأشباحنا وأرواحنا مجرى الدم في العروق، قال ربِّ أَنظِرْنِي إلى يوم يُبْعَثُون، قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم، قال فبعزتك لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إلا عبادك منهم المُخْلَصِينَ (طه آية 79). وقال أَرَأَيْتَكَ هذا الذي كرَّمتَ عليَّ لئن أَخَّرْتَنِ إلى يوم القيامة لأَحْتَنِكَنَّ ذريته إلا قليلًا (الإسراء آية 62).

1- الأمة المحمدية أحق بالأنبياء والرسل

يوم عاشوراء يوم مشهود، أعزَّ ونصر الله تبارك وتعالى فيه سيدنا موسى عليه السلام، رمز الحرية والعدالة والإيمان والحق والصلاح والخير، على الطغمة الفاسدة المفسدة: فرعون وحاشيته وعسكره، رمز الاستبداد والفساد والظلم والاستعلاء والكفر والشر والاستكبار والطغيان. حيث أهلك الله تعالى هذا الطاغية الذي ادعى الألوهية: فقال أنا ربكم الأعلى (النازعات آية 24). ووقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري (القصص آية 38) بالماء غرقًا في البحر. لذلك اتخذ اليهود من هذا اليوم عيدًا لهم يصومونه، ويرشون الماء على أي شيء موجود عندهم تبركًا، فقد أصبح الماء شيئًا مقدسًا عندهم، كيف لا، والله تعالى نجاهم من إبادة جماعية لسلالتهم، إبادة كانت مؤكدة على يد الطاغية فرعون وجنوده.

أخرج الإمام مسلم رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله عليه الصلاة والسلام لما قدم يثرب، وجد اليهود يحتفلون بيوم عاشوراء ويصومونه، فقال عليه الصلاة والسلام: (ما هذا اليوم الذي تصومونه؟) قالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فنحن أحق وأولى بموسى منكم) فصامه، وأمر بصيامه صلى الله عليه وسلم.

قلت: سبحان الله، سنة الله وقدره وقضاؤه في كل طاغية متألِّه، مستكبر، مستعلٍ؛ هو الفناء، والرمي في مزبلة التاريخ. يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في ظلال القرآن شارحًا لهذا الحديث في سياق تفسيره لآيات سورة الحجر: (يرد الحديث على ادعاءات اليهود بأنهم أصحاب الحق الحصري في موسى عليه السلام، ويثبت أن المسلمين هم الأحق به لأنهم آمنوا به، واتبعوا ما جاء به من الهدى، وأن الإسلام دين شامل يضم كل الأنبياء والرسل، وأن المسلمين هم الورثة الحقيقيون لرسالات الأنبياء السابقين).

قلت: نعم، أمة رسول الله عليه الصلاة والسلام أحق وأولى بسيدنا موسى عليه السلام من هؤلاء اليهود الصهاينة الجاحدين لِنِعَم الله تعالى عليهم، وإيمانهم بسيدنا موسى عليه السلام واتباعهم لتعاليمه ادّعاء وكذب، فقد حرّفوا، وغيّروا، وبدّلوا، ونسبوا لله الابن: وقالت اليهود عُزَيْرٌ ابنُ الله (التوبة آية 30)، والكثير من الافتراءات والمغالطات والادعاءات.

فمتدبر القرآن الكريم يجد أن أكثر الأمم ذكرًا فيه هم اليهود (34 سورة)، وأكثر الأنبياء ذكرًا فيه سيدنا موسى عليه السلام (136 مرة)، مما يفسر حجم المعاناة لهذا الرسول عليه السلام مع هؤلاء اليهود الجاحدين والناكرين لنِعَم الله تعالى عليهم.

نعم، الأمة المحمدية أحق وأولى بسيدنا موسى عليه السلام منهم. فهل في تعاليمه في التوراة الإبادة الجماعية للأمم الأخرى، خصوصًا النساء والأطفال منهم؟ وهو عليه السلام الذي انتفض في وجه سيدنا الخضر عليه السلام، لما قتل غلامًا أمام عينيه، يقول الله تعالى واصفًا انتفاضة سيدنا موسى عليه السلام: حتى إذا لقيا غلامًا فقتله، قال أقتلت نفسًا زاكية بغير نفس لقد جئت شيئًا نكرًا (الكهف آية 74).

انظر ما يفعله صهاينة اليهود في فلسطين، وفي غزة اليوم ومنذ عقود، يتلذذون في ذبح وقتل الأبرياء المستضعفين المسلمين: صبية رُضَّعًا، ونساءً سُجَّدًا، وشيوخًا رُكَّعًا، وبهائم لُثْعًا، يُهلكون الحرث والنسل، يُفسدون في الأرض ولا يُصلحون. فقد قتلوا في غزة وحدها 18 ألف طفل، من بينهم 937 رضيعًا لم يتجاوز عامه الأول.

وزِد إلى هذا العدد الأطفال الذين أصبحوا ذوي إعاقة، إما مقطوعي أطراف اليد والرجل، وإما إعاقة البصر (العمى). وقد برّر هؤلاء اليهود الصهاينة وشرّعوا لإرهابهم ولفظائعهم المتوحشة والبربرية في غزة العزة، بنصوص من الثوراة محرّفة ومزوّرة، منتسبة إلى نبي الله يوشع بن نون عليه السلام، واعتبروها كمصدر وحي وشريعة مقدسة لاستئناف إرهابهم في غزة وفلسطين، على أساس أن كل فعل إرهابي بربري ومتوحش في حق المستضعفين الفلسطينيين يصبح شريعة وشرعًا وقانونًا، من أجل تحقيق وعد الرب.

ففي سفر يشوع، يعتقد هؤلاء اليهود الصهاينة أن نبي الله يوشع بن نون عليه السلام، لما اقتحم فلسطين مع عسكره، ارتكبوا إبادة جماعية، أهلكوا فيها الحرث والنسل، لم يتركوا عِرقًا ينبض بالحياة، دمّروا، وأحرقوا مدينة القدس، وقتلوا أهلها عن بكرة أبيهم، ونسبوا لنبي الله يوشع هذا القول المفترى الكذب: (حرّموا (بمعنى: أبادوا) كل ما في المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف… وأحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها) 1.

وهذا ما يفسر خطاب الكراهية والعنصرية والإبادة الجماعية الدموية للصهيوني اليهودي الحاخام فريدمان، حيث يقول: (إنني لا أؤمن بالأخلاقيات الغربية، بمعنى: ألا تقتل المدنيين، أو الأطفال، وألا تدمّر الأماكن المقدسة، وألا تقاتل في المناسبات الدينية، وألا تقصف المقابر… إن الطريقة الوحيدة لخوض حرب أخلاقية هي الطريقة اليهودية: دمّر أماكنهم المقدسة، واقتل رجالهم ونساءهم وأطفالهم ومواشيهم) 2.

قلت: سبحان الله، ما فعله ويفعله اليهود الصهاينة اليوم في غزة العزة، هو استنساخ لما فعله الصليبيون عند حملتهم الصليبية البربرية المتوحشة على القدس باسم تعاليم الإنجيل المزوَّر والمنسوب لسيدنا عيسى عليه السلام، فقد أبادوا ودمروا كل شيء موجود في القدس، حتى الأماكن التعبدية المقدسة لدى المسلمين واليهود، من مساجد وكنائس، حيث حوّلوا المسجد الأقصى إلى مزبلة وإسطبل لحميرهم وخيولهم، والمسجد قبة الصخرة إلى كنيسة، وخلّفوا بحرًا من دماء المسلمين المستضعفين.

وانظر ما فعله الصليبيون أيضًا في الأندلس، من وضع محاكم التفتيش لاستئصال المسلمين وإبادتهم باسم الإنجيل والمسيح عيسى عليه السلام، والله تعالى ورسوله عليه السلام بريئان من أفعالهم الوحشية الفظيعة.

نعم، الأمة المحمدية أحق بموسى وعيسى وجميع الأنبياء والرسل من أُممهم، فهذا رسول الله ‏عليه الصلاة والسلام نبي الرحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم، لما فتح مكة قال لقريش: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) 3رغم أنهم نصبوا له العداوة والعداء، ‏وحاصروه، وعذّبوا، وقتلوا أصحابه، وأخرجوه منها، وكادوا أن يقتلوه، وحاربوه، ومع ذلك عفا ‏عنهم، ولم ينتقم منهم، ولم يشرّع القتل في أطفالهم ونسائهم، بل سامحهم، وحرص عليه الصلاة ‏والسلام على تجنب إراقة الدماء والقتل.‏

ولم يثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام في جميع مغازيه وسراياه أنه قتل أو أمر بقتل ‏الأطفال والنساء والشيوخ والمرضى والرهبان والدواب، أو تدمير المدن، أو استئصال الحرث، ‏وقطع الأشجار، أو حرق النخيل.

من وصايا الرسول عليه الصلاة والسلام للجيوش: (لا تقتلوا ‏شيخًا فانيًا، ولا طفلًا صغيرًا، ولا تحرقوا نخلًا، ولا تقطعوا شجرة مثمرة) 4

ومن تجليات وصايا الرسول عليه الصلاة والسلام لأصحابه وأُمته، ما ورد في وصية أبي بكر ‏الصديق رضي الله عنه لجيش أسامة بن زيد رضي الله عنه: (لا تخونوا، ولا تغلّوا، ولا تغدروا، ‏ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا طفلًا صغيرًا، أو شيخًا كبيرًا، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلًا، ولا تحرقوه، ولا ‏تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة، ولا بقرة، ولا بعيرًا، إلا لمأكلة).

وأيضًا من تجليات وصايا ‏الرسول عليه الصلاة والسلام، ما فعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما فتح ‏بيت المقدس، حيث أمَّن أهلها النصارى الصليبيين على كل ما يملكون، على أرواحهم وأموالهم ‏وممتلكاتهم وكنائسهم.‏ وحقن الدماء، وتجنب الإيغال في القتل. انظر العهدة العمرية.
ثم إنه رضي الله عنه، لما دعاه ‏البطريرك صفرونيوس إلى كنيسة القيامة وأدركته الصلاة، قال له البطريرك: صلِّ داخلها. قال ‏سيدنا عمر رضي الله عنه: (ما كان لعمر أن يُصلي في كنيسة، فيأتي المسلمون من بعدي ‏ويقولون: هنا صلى عمر، فيبنون عليه مسجدًا). فصلّى خارجها مفترشًا عباءته، وجاء المسلمون ‏من بعده وبنوا مسجدًا في المكان الذي صلى فيه، وسمي بمسجد عمر. بل إن عمر بن الخطاب ‏رضي الله عنه سمح لليهود بحرية ممارسة شعائرهم التعبدية في القدس، وفتح الكنيس بعد ما ‏يقرب من 500 سنة من طردهم من الأراضي المقدسة من قبل الرومان.

قلت: سبحان الله، ‏هؤلاء اليهود الصهاينة اليوم في غزة العزة يتفننون في تدمير المساجد على رؤوس مصلّيها، ‏والأدهى والأمر أنهم يريدون تدمير المسجد الأقصى لاستخراج هيكلهم المزعوم. حسبنا الله ونعم ‏الوكيل فيهم.

ومن تجليات وصايا الرسول عليه الصلاة والسلام، ما فعله صلاح الدين الأيوبي ‏رحمه الله، لما حرّر القدس والمسجد الأقصى، فقد حقن الدماء، ولم يُوغِل في القتل أو الانتقام، ‏وكان رؤوفًا رحيمًا بالصليبيين الفرنجة، رغم المذابح التي ارتكبوها في حق المسلمين. وطهّر ‏القدس والمسجد الأقصى من الصليبيين وزبالتهم ونجاستهم وقذارتهم ودنسهم، وخرجوا من ‏القدس صاغرين مذلولين بعد 90 سنة من الاحتلال والعدوان الدموي.

وإن شاء الله، اقترب ‏موعد كنس اليهود الصهاينة من فلسطين، والقدس، والمسجد الأقصى، وتطهير البلاد والعباد من ‏نجاستهم ودنسهم وقذارتهم، على يد عمر وصلاح هذا الزمان، زمان الخلافة على منهاج النبوة ‏الموعودة بإذن الواحد الأحد.

2- الخُرْم العظيم
يوم عاشوراء يوم مشهود في تاريخ المسلمين والبشرية جمعاء، حينما انتصر الدم على السيف، ‏والحق على الباطل، والعدل على الظلم، والخير على الشر، عندما قام فلذة كبدي العترة النبوية، ‏الإمام الحسين رضي الله عنه، قومة لله تعالى ضد الفساد والاستبداد، ولإصلاح المنكر السياسي، ‏وتغيير البدعة المصيبة العظمى التي أحدثها بنو أمية: الحكم الوراثي العاض (هكذا سماه ‏الرسول عليه الصلاة والسلام، انظر حديث الخلافة، مسند الإمام أحمد رحمه الله)، الظالم المستبد ‏للشعب، كأنه يعضهم بأسنانه عَضًّا، فسقط شهيدًا رضي الله عنه.

يقول ابن حزم رحمه الله: (خُرُوم الإسلام – يعني موبقات الإسلام – أربعة: قتل عثمان، وقتل الحسين، ويوم الحرة، وقتل ‏الزبير) – الشذرات. فأصبح الإمام الحسين رضي الله عنه بعد استشهاده يمثل رمز الفداء ‏والتضحية، من أجل رجوع الأمة والعلماء والساسة إلى دين الله الذي جاء به جده الرسول ‏الكريم عليه الصلاة والسلام، والاستقامة عليه، ولإحياء قيم الإسلام الحقيقية، تُذكّر بأهمية الأمر ‏بالمعروف والنهي عن المنكر.

استشهاده رضي الله عنه في هذا اليوم الأغر، يوم عاشوراء، كان ‏لعنة على دولة بني أمية، فقد جرى دمه في عروق الأمة، ونفذت روحه في جسدها، فقامت ‏قومات اجتثّت جذور بني أمية من أديم هذه الأرض، فلم يدم عمرها إلا 70 سنة.

وأفتح قوسًا، لا ‏لأفصّل فيما هو مفصّل في تاريخ الأمة المنكسِر، ولكن لأشير إلى آفة الساسة وحكام المسلمين ‏بعد حكم النبوة، والخلافة على منهاج النبوة، التي كانت الشورى هي آلة الحكم والتحكيم، وكان ‏الصالحون من الأمة هم المستشارون الأوفياء الأتقياء المؤمنون على مصالحها الدينية ‏والدنيوية، وهم من كانوا يختارون الأصلح لحكم هذه الأمة.

فبعد الانقلاب على السلطة، والمنكر ‏السياسي في الحكم، بظهور البدعة الضلالة: الملك الوراثي الذي أحدثه بنو أمية، تغيّرت قواعد ‏السياسة وآليات الحكم، باستبعاد المستشارين ذوي الفضل والصلاح والكفاءة، واستبدالهم بوزراء ‏ومستشارين نافذين في الدولة، وفي أعلى هرم السلطة، يعتبرون الصندوق الأسود ومستودع ‏أسرار الساسة والحكام، فكانوا معول هدم لهم، وسقوط دولهم، ودقوا آخر مسمار في نعوشهم.

فالطاغية العربيد يزيد ورث الملك وإمبراطورية ضخمة، تمتد من خراسان بإيران إلى أدغال ‏أفريقيا، ومن بلاد السند والهند إلى تخوم إسطنبول بأوروبا، كان مستشاره المفضل هو النصراني ‏الحاقد على الإسلام والمسلمين سرجون بن منصور الرومي. والده هو منصور، كان نصرانيًا ‏متطرفًا، روميًّا، حاكمًا لدمشق، ورئيسًا لديوان الجباية المالية في حكم إمبراطور الروم هرقل، ‏والذي سلّم مدينة دمشق للمسلمين الفاتحين. وابنه هو يوحنا الدمشقي، الذي سيصبح من بعد ‏القديس يوحنا الدمشقي، ويعلن حرب تشكيك كلامية لديننا، والعداء لرسولنا الكريم عليه الصلاة ‏والسلام، وعلى الإسلام والمسلمين. أما حفيده، فهو بطريك القدس الأرثوذكسي الياس الثالث ‏المقدسي، مما يفسّر حجم الاختراق الصليبي المتطرف والعدواني الحاقد لدواليب الحكم في ‏الدولة الأموية.

هذا الوزير الحاقد، المستشار النافذ، الداهية في حكم الطاغية العربيد يزيد، لعب ‏دورًا استشاريًا في استشهاد الإمام الحسين رضي الله عنه، فهو من اختار السفّاك السفّاح ‏المجرم عبيد الله بن زياد لقتل الإمام الحسين رضي الله عنه. فقد قال ليزيد: (أرأيتَ إنْ معاوية ‏لو نُشر، أكنت آخذًا رأيه؟)
فقال يزيد: نعم. فأخرج سرجون عهد معاوية لعبيد الله بن زياد على ‏الكوفة، وقال: هذا رأي معاوية وقد مات، وقد أمر بهذا الكتاب. 5

عن أنس رضي الله ‏عنه، لما أُتي عبيد الله بن زياد برأس الإمام الحسين رضي الله عنه، (جعل ينكُت بالقضيب ثناياه، ‏يقول: لقد كان جميلًا. فقلت: والله لأسوءنك، إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَلثم – أي يُقبّل – ‏حيث يقع قضيبك). قال: فانقبض. وفي رواية أخرى، قال أنس رضي الله عنه: (إنه كان أشبههم ‏برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مخضوبًا بالوسمة) 6

وأنا أكتب هذا المشهد ‏المؤلم الحزين، الذي رواه سيدنا أنس رضي الله عنه، غمّ قلبي، ونزلت دمعات على خدي. رضي ‏الله عن الحسين، وعترة نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام، وعند الله تجتمع الخصوم.

هؤلاء ‏المستشارون الفاسدون هم من شرعنوا للقادة السفاحين والسفاكين المتعطشين للدماء حمل ‏السيف على رقاب العباد. كقول السفاح الحجاج بن يوسف الثقفي: (إني لأرى رؤوسًا قد أينعت، ‏وحان قطافها، وإني لصاحبها، وإني أرى الدم يترقرق بين العمائم واللحى). 7

ولا زلنا ‏نعاني من اختراق هؤلاء الوزراء المستشارين الحاقدين، العدوانيين، النافذين في أعالي هرم ‏سلطة حكام المسلمين اليوم، والله المستعان.

إن الإمام الحسين رضي الله عنه أصبح رمزًا وأُسوة، ‏وقدوة للمضطهدين المستضعفين القائمين في وجه الاستبداد والفساد عبر تاريخ البشرية، وعلى ‏وجه البسيطة. وهو رضي الله عنه، يتمثّل ويتحقق فيه قول جده رسولنا الحبيب عليه الصلاة ‏والسلام: (إذا ظهرت البدع، فعلى العالم أن يُظهر علمه، وإلا فعليه لعنة الله) 8
وفي رواية ‏معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ظهرت الفتن، أو قال ‏البدع، وسُبّ أصحابي، فليُظهر العالم علمه، فمن لم يفعل ذلك، فعليه لعنة الله والملائكة والناس ‏أجمعين، لا يقبل الله له صرفًا ولا عدلًا). 9

إلا أن بعض المعاصرين من أمتنا ‏الثائرين في وجه الظلم والاستبداد والفساد، لا يلتفتون إلى رموزهم التاريخيين المشرّفة، ليتخذوا ‏منهم الأُسوة والقدوة والخبرة في التغيير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقومة ضد ‏الفساد والاستبداد. بل انبهروا، وأُعجبوا بالثورات العالمية، واتخذوا من ثوارها رموزًا لهم في ‏التغيير.

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: (لا بد من قطع رباط الإعجاب والانبهار ‏بنماذج الثورات العالمية الجاهلية، لنعيد الوصلة بالسيرة النبوية المجيدة، منها نستمد الخبرة، ‏والأُسوة، منها نستقي الرحمة والحكمة. قد تكون سطحية المتمرس بفكر الجاهلية المندمج في ‏حضارتها، وغشاوة القلب، وعماية الفكر، المانعة من إدراك عمق التجربة التاريخية المحمدية، ‏وسُموّها) 10

 


[1] سفر يشوع
[2] مجلة مومنت
[3] السيرة النبوية لابن إسحاق.
[4]  رواه أبو داود والترمذي.
[5] ابن الأثير.
[6] البخاري.
[7] العقد الفريد.
[8] الكافي.
[9] الخطيب البغدادي.
[10] رجال القومة والإصلاح، ص 29.