كلما اقترب موسم الانتخابات عاد السؤال نفسه في صيغته الاتهامية: لماذا تقاطعون؟ ويُلحَق بالسؤال ما يغني عن جوابه: عدميون، وسلبيون، وانتظاريون، وهلم جرا.
ويصاغ هذا السؤال دائما في اتجاه واحد: على المقاطع أن يبرر امتناعه عن التصويت، بينما يغفل الناس أو يتغافلون عن مساءلة الداعي إلى التصويت -والمزيد من التصويت- عن حصيلة هذا النهج وجدواه.
وهذا المقال محاولة لمناقشة الحجج في ذاتها، كما يطرحها الداعون إلى المشاركة والانخراط في المسلسل الانتخابي والمساهمة في «التغيير من الداخل» كما يسمونه: من يحاج منهم بالقواعد الأصولية والمقاصد، ومن يحاج بالتجربة السياسية والقانون الدستوري.
ما نسلم به قبل الخلاف
من الإنصاف أن نبدأ بما هو صحيح في كلام مخالفينا، فأربعة أمور نسلم بها ولا نجادل فيها:
الأول: يقولون إن من الخطأ أن تُحوَّل المقاطعة من اختيار سياسي لتنظيم معين إلى حكم شرعي عام يلزم الناس جميعا، بحيث يُصوَّر المشارك في الانتخابات كأنه واقع في معصية أو مداهن للفساد. ونحن نسلم بهذا تسليما تاما. فالخطاب التعبوي عند كل الأحزاب والتنظيمات -مقاطعها ومشاركها- قد ينزلق فعلا إلى وصم المخالف في دينه وأمانته، وهذا نقد يستحق أن يُسمع لا أن يُردّ. غير أن هذا المأخذ لا يخص جهة بعينها، وسيأتي بيان أنه يقع من الجهة المقابلة بصورة أوسع وأشد أثرا، حين تتجاوز التعبئة الخطاب الحزبي إلى منابر يُفترض فيها الحياد.
الثاني: يقولون إن من دعا إلى المقاطعة لزمه أن يبين ما البديل، وأن الاكتفاء بالرفض دون تقديم طريق آخر موقف ناقص. وهذه مطالبة مشروعة تماما، بل واجبة. فمن احتكم إلى النتائج والمآلات في نقد غيره، لزمه أن يعرض نتائجه ومآلاته هو.
الثالث: يقولون إن الادعاء بأن الفاعلين السياسيين كلهم سواء قول غير موضوعي، يظلم من كان فيهم جادا نزيها، ويحرم المواطن من التمييز بين من يستحق الثقة ومن لا يستحقها. ونحن نوافق على هذا ولا نقول بخلافه: فالفرق بين النزيه والفاسد قائم ومعتبر، والتسوية بينهما ظلم.
الرابع: يقولون إن الانتخابات وسيلة من الوسائل، والقاعدة الفقهية أن «للوسائل أحكام المقاصد»: فتصح إن أفضت إلى مصلحة، وتفسد إن أفضت إلى مفسدة، ولا حكم لها ثابتا في ذاتها. وهذه قاعدة صحيحة لا ينازع فيها أحد.
وخلاصة الأمر أن الخلاف بيننا وبينهم -كما ترى- ليس في هذه المقدمات الأربع. إنما الخلاف كله في البناء الذي أقيم عليها، وفي النتائج التي استخرجت منها. وإلى بيان هذا ننتقل.
تحرير محل النزاع
وقبل الشروع، لا بد من تحديد موضع الخلاف، فإن كثيرا من الجهد يُنفَق في غير محله.
فالخلاف ليس في الاقتراع بوصفه وسيلة من الوسائل -وقد سلمنا بذلك في المقدمة- وإنما في مصدر الشرعية وطبيعة العقد السياسي: هل تتحدد السلطة الفعلية بالصندوق، أم يتحدد به ما هو دون ذلك؟
وهذا سؤال في بنية الحكم وفي موقع القرار، لا سؤال في حكم الوسائل. وما لم يُجَب عنه، فكل ما بُني بعده بناء على غير أساس.
والجواب الذي ينتهي إليه هذا المقال أن العطب مضاعف: صندوق لا ينقل إرادة المصوتين أنفسهم، ومؤسسات منتخبة لا تملك القرار.
1) الحجة الكبرى: «لا تحول ديمقراطيا إلا بالانتخابات، وبالتدرج والتراكم»
يستدعي المدافعون عن المشاركة هذه الحجة بوصفها فاصلة، ويسندونها بالتجارب الدولية. وهي فعلا أقوى ما لديهم، لذلك تستحق تفكيكا مفصلا. وهي في الحقيقة ثلاث دعاوى مندمجة، يُستفاد من اندماجها ما لا يثبت لكل منها منفردة، فلنفصلها:
– الدعوى الأولى: الانتخابات شرط لازم لكل تحول ديمقراطي.
– الدعوى الثانية: الانتخابات شرط كاف، بمعنى أن الاستمرار فيها يُفضي إلى التحول.
– الدعوى الثالثة: التدرج يوجب البقاء في المسار مهما طال ومهما كانت الحصيلة.
أ) الخلط بين الشرط اللازم والشرط الكافي
الدعوى الأولى صحيحة في الجملة: لا نعرف نظاما ديمقراطيا مستقرا بلا انتخابات. لكنها لا تُنتج المطلوب، لأن كون الشيء لازما لا يجعله كافيا. والانتقال من «لا ديمقراطية بلا انتخابات» إلى «الانتخابات تنتج الديمقراطية» قلب للشرط، وهي مغالطة منطقية معروفة.
والدليل على بطلان هذه الملازمة أن العالم مليء بأنظمة تجري انتخابات منتظمة منذ عقود دون أن تتحول قيد أنملة. بل إن الأدبيات المقارنة في العلوم السياسية أفردت لهذه الظاهرة تصنيفا قائما بذاته: السلطوية الانتخابية (electoral authoritarianism)، أي أنظمة تستعمل الانتخابات لا من أجل التداول على السلطة، بل كأداة لإدارة التداول وضبطه ومنعه؛ فهي تُنتج تجديدا دوريا للنخب دون مس بمركز القرار.
فالانتخابات ليست في ذاتها اتجاها. هي آلة نقل محايدة: تنقل إلى حيث توجهها بنية السلطة. والسؤال ليس «هل نركبها؟»، بل السؤال الحقيقي: «إلى أين تتجه بنا؟».
يلخّص أندرياس شيدلر المسألة بقوله: «إنّ الانتخابات تفقد وظيفتها في المحاسبة حين تكون نتائجها محكومةً بمهارات التلاعب لا بتفضيلات الناخبين.» 1
ب) التجارب الدولية تقول عكس ما يُنسب إليها
عادة ما يستدل الدعاة إلى المشاركة بـ«التجارب الدولية» على وجه الإجمال، بينما التفصيل يقلب الاستدلال.
ففي إسبانيا والبرتغال وتشيلي وبولندا وجنوب إفريقيا -وهي من أشهر التحولات- لم تكن الانتخابات هي العامل الحاسم في التحول، بل سبقها في كل حالة تعاقد جديد على قواعد اللعبة: ميثاق بين القوى، أو دستور تأسيسي جديد، أو استفتاء على المسار الذي ينبغي الاستمرار فيه. ثم جاءت الانتخابات لتترجم ما استقر، لا لتصنعه.
ولو أردنا تفصيل مسار كل تجربة من هذه التجارب لطال بنا المقال. ولكن الخلاصة أن الانتخابات كانت ثمرة التحول لا سببه. وما مكن لها هو ما سبقها: ضغط مجتمعي متراكم، وانقسام داخل تحالف الحكم، وتعاقد صريح على نقل السلطة.
وحيث جرت الانتخابات بدون هذا التعاقد السابق -كما في كثير من التجارب العربية والإفريقية- أنتجت في الغالب استقرارا للوضع القائم، لا تغييرا وتحولا عنه.
فالاستدلال بالتجارب الدولية، إذا حُقِّق، يقود إلى نتيجة معاكسة: الأولوية للتعاقد على القواعد، لا للتنافس داخل قواعد لم يُتعاقَد عليها.
ج) التدرج: ما العلامة التي بها نعرف أنه يدفع المسار إلى الأمام؟
يُقال إن الحكم على المشاركة لا يصح بنتيجة موسم أو ولاية، لأن العمل السياسي تراكمي بطبعه، وثمرته لا تُقطف في أجل قصير. فالمطلوب هو الصبر ومواصلة الطريق.
والتدرج قاعدة صحيحة معتبرة، لكنها تفترض شرطا لا تصح بدونه: تراكما في اتجاه معلوم. فالتدرج حركة ذات وجهة، وإذا انعدمت الوجهة لم يبق منه إلا الحركة. والحركة بلا وجهة دوران لا تدرج.
فما هي علامات التراكم؟ عندنا معيار واحد لا يقبل المراوغة: هل اتسع عبر الزمن مجال ما يقرره المنتخَبون فعلا، أم ضاق؟ فالسؤال ليس عن عدد المقاعد ولا عن حرارة الحملات، بل عن ميزان القرار: ما الذي تغير فيه؟
فإذا كانت الحصيلة بعد عقود من المشاركة -بشهادة المدافعين عنها أنفسهم- تجمعات مصالح، واختلاط الموقع بالمصلحة الشخصية، وتعطيل مداخل مجابهة الفساد، وزواج المال بالسياسة، ونظاما انتخابيا لا يعكس الإرادة الشعبية، فما تَراكَمَ ليس مكاسب، بل نقيضها.
على أن الأمر لا يقف عند الحصيلة، بل يتعداه إلى طريقة استعمال الحجة نفسها. فلنتأمل كيف تُستعمل في الواقع لا في التنظير:
– فإذا تحسن الوضع، قيل: هذه ثمرة المشاركة، فلنواصل.
– وإذا ساء الوضع، قيل: هذا لأن الانخراط لم يكن كافيا، فلنواصل بقوة أكبر ولِنَزِدْ في الجرعة.
– وإذا مضت العقود بلا تقدم ملموس، قيل: التراكم يحتاج وقتا أطول، فلنواصل.
فتصير كل نتيجة، مهما كانت، تأييدا للأطروحة نفسها.
وهنا يظهر إشكال منهجي قبل أن يكون سياسيا: الدعوى التي تفسر النجاح والفشل معا لا تفسر شيئا. وما لا يمكن أن تكذبه واقعة، لا يمكن أن تصدقه واقعة. وهذه قاعدة أولية في كل نظر رصين، معلومة عند أهل العلوم السياسية. فما لا يقبل الاختبار يخرج من باب الفرضية إلى باب الاعتقاد غير القابل للمراجعة.
وهذا هو بعينه ما يُؤخذ على المقاطعين حين يُقال إنهم ينتظرون لحظة لا تجيء. والمأخذ صحيح في الحالين، فلا يصح أن يُوجَّه في اتجاه واحد.
ولذلك ينبغي طرح السؤال في صيغة إجرائية تقبل الجواب، لا في صيغة اتهام:
ما هي العلامة التي لو ظهرت، لأقررتم بأن هذا المسار لا يوصل؟
وما هو الأجل الذي لو انقضى دون تقدم ملموس، لأعدتم النظر في هذا الاختيار؟
فإن وُجد جواب محدد واضح، فنحن أمام تقدير سياسي عقلاني يستحق الاحترام والمناقشة، اتفقنا معه أم اختلفنا. وإن لم تكن ثمة علامة ولا أجل، فنحن حينئذ بصدد موقف لا يُراجَع مهما كانت النتائج، فتصير القضية قضية إيمان لا قضية تقدير سياسي. وذلك هو التحكم بعينه: التمسك بالدعوى من غير دليل يسندها، والجمود لازم له.
2) هل يُصلح النظامُ نفسَه بنفسِه؟
يقول الداعون إلى المشاركة إن الامتناع عن التصويت يخدم من يشترون الأصوات، ويترك الساحة فارغة لأصحاب المال والنفوذ، فيغدو المقاطِع -من حيث لا يشعر- سببا في تمكين الفساد الذي يرفع شعار مناهضته. ويضيفون أن الطريق إلى إصلاح اختلالات النظام الانتخابي يمر عبر الدخول إليه والعمل على تعديله من الداخل، لا عبر الانسحاب منه.
وكلتا الشبهتين تفترض أن الصندوق هو مفتاح التغيير. فلننظر في هذا الافتراض.
أما القول بأن المقاطعة تخدم الفاسدين فيقوم على تصور حسابي غير دقيق، مفاده أن صوتا نظيفا واحدا يُبطل صوتا مُشترى واحدا. والواقع أن من يملك المال يملك أن يشتري ألفا مقابل صوتك الواحد، وأن ارتفاع نسبة الإقبال لا يغير النسبة بين الطرفين ما دامت آلة الشراء تعمل بلا رادع.
وهنا يُلاحَظ أن الداعين إلى المشاركة أنفسهم يقرون بأن مداخل مجابهة الفساد معطلة، وأن المال قد تزوج بالسياسة، وأن من يدخل البرلمان بتزكية بمئات الملايين لا يُنتظر منه دفاع عن مصلحة عامة. فإذا كان هذا هو الواقع بشهادتهم، فإن ارتفاع المشاركة لا يُبطل الشراء، وإنما يمنح نتيجته مشروعية أوسع.
بل إن الحجة تنطوي على مصادرة أعمق: فهي لا تستقيم إلا بالتسليم مسبقا بأن الصندوق هو الذي يوزع السلطة، وهو عين ما نتنازع فيه. فصارت النتيجة المطلوب إثباتها مقدمة في الاستدلال عليها.
وأما القول بأن الإصلاح يأتي من الداخل فيصطدم بجملة يقولها الداعون إلى المشاركة أنفسهم: إن النضال قائم اليوم من أجل تصحيح النظام الانتخابي، «الذي لا يعكس الإرادة الشعبية حقيقة».
ولْيُتأمَّل ما ينبني على هذا الإقرار: النظام معطوب في تصميمه لا في سوء استعماله فحسب. وتصحيحه يمر عبر أغلبية برلمانية. وهذه الأغلبية يُنتجها النظام المعطوب نفسه، فتكون في الغالب أغلبيةَ المستفيدين من بقائه على حاله.
فمن يُصلح الأداة بالأداة المعطوبة؟ ومتى تنكسر هذه الدائرة إذا كانت شروط الخروج منها بيد من لا مصلحة له في الخروج؟
وقد يُقال إن الضغط يمكن أن يأتي من خارج البرلمان فيُترجَم داخله. وهو جواب وجيه، ونحن نوافق عليه، بل هو عين ما نقول. فإن كان الضغط المجتمعي هو الذي يُحدث التغيير، وما الصندوق إلا أثر لاَحِقٌ له، فقد اتفقنا على الأصل واختلفنا في الترتيب فحسب: أيهما يسبق الآخر.
3) ليس الفاعلون سواء: الأشخاص والمؤسسة
يُقال إن تصوير الفاعلين السياسيين على أنهم كلهم سواء تعميم غير موضوعي، يظلم الجادين النزهاء منهم، ويحرم المواطن من التمييز بين من يستحق الثقة ومن لا يستحقها.
وهذا مقبول تماما، ولا نقول بخلافه، وقد سلمنا به في مطلع المقال. لكن الحجة تخلط بين مستويين لا رابط ضروري بينهما: صدق الأشخاص، وقدرة المؤسسة.
فنحن لا نتحدث عن نيات المرشحين ولا عن نزاهتهم -وفيهم النزيه الجاد بلا ريب- بل عن صلاحيات المقعد. وأنزه الناس في مؤسسة محدودة الصلاحية لا يُنتج أثرا يتجاوز حدودها. فالنقاش ليس في الرجال، بل في المدى.
4) حين يلبس الخيار السياسي ثوبا شرعيا
يُقال من جهة إن المقاطعين يمارسون وصاية دينية، إذ يحولون اختيارا تنظيميا إلى حكم شرعي يلزم الناس كافة، فيُصوَّر المشارك في الانتخابات كأنه واقع في معصية أو مداهن للفساد. ويُقال من جهة أخرى، استنادا إلى قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، إن التصويت ينزع نحو الوجوب المقاصدي ما دام وسيلة إلى دفع مفسدة أو ترجيح الأصلح.
أما الشبهة الأولى فنقبلها ونوافق عليها دون تحفظ: الموقف اجتهادي، ولا يُفسَّق به مخالف ولا يُوصَم. من شارك عن قناعة فله أجر اجتهاده، ومن امتنع فكذلك. ولا يصح أن يتحول صندوق الاقتراع إلى محكمة نيات يُوزَن بها إيمان الناس وأمانتهم.
لكن الملاحظة الواجبة أن هذه التهمة لا تسير في اتجاه واحد. فمن يحذر من إسباغ الحكم الشرعي على خيار سياسي، ثم يستدعي أشرف قواعد الأصول ليدفع الخيار المقابل نحو الوجوب، يمارس عين ما أنكره في الاتجاه المضاد. والميزان الذي وزن به غيره كفيل بأن يزنه.
بل إن هذا المأخذ يقع من الجهة المقابلة على وجه أوسع أثرا وأبعد مدى. فالمقاطِع لا يُتَّهم في اجتهاده السياسي فحسب، بل يُلمز أحيانا حتى في وطنيته. خاصة عندما تتجاوز التعبئة للتصويت الخطاب الحزبي إلى منابر يُفترض فيها الحياد، فيُقدَّم الاقتراع بوصفه واجبا وطنيا ودينيا يأثم تاركه.
وأما القاعدة الأصولية نفسها، فهي مشروطة بشرطين لا تصح بدونهما: أن يتم الواجب بها فعلا، وألا تكون ثمة وسيلة سواها. والشرط الأول هو محل الخلاف بعينه. فهل ثبت بالاستقراء أن الصندوق يُنتج المصلحة المرجوة؟ هذا ما يُطلب إثباته، لا ما يصح البناء عليه.
ويتصل بهذا خلل منهجي يسري في هذه الشبه جميعا: غياب تحقيق المناط. فهي قواعد كلية صحيحة، لكنها تُطلَق بلا نزول على الواقع المخصوص: لا ذكر لصلاحيات المؤسسة التشريعية وحدودها، ولا لنمط الاقتراع وأثره في ترجمة الأصوات، ولا لحصيلة مدروسة لعقود من التجربة. والقاعدة عند أهل الأصول أن الحكم لا يثبت بالمناط المفترَض بل بالمناط المحقَّق؛ وفقه المآلات إذا لم يستقرئ المآلات الواقعة صار فقها افتراضيا لا فقه نوازل.
5) ماذا يقدم المقاطعون؟
يقولون إن المقاطعة موقف سلبي لا ينتج شيئا. فأصحابها ينتظرون لحظة موعودة لا يملكون تعيينها، ويتركون الميدان لغيرهم، ثم ينتقدون من نزل إليه. والانتقاد سهل، والبناء عسير.
وفي هذا شق صحيح: فمن رفض طريقا لزمه أن يبين طريقه، ومن اكتفى بالنقد دون أن يعرض بديله فموقفه ناقص. ونحن نقبل هذه المطالبة ولا نتهرب منها.
غير أن هذه الشبهة تقوم على مقدمة مضمرة تحتاج إلى تحرير: أن العمل السياسي يبدأ من الصندوق وينتهي إليه، فمن لم يدخله فهو قاعد. وهذه المقدمة هي محل النزاع، لا مسلمة يبنى عليها.
فالمقاطعة كما نفهمها ليست امتناعا وعزوفا عن الفعل، بل اختيارا لميدان فعل آخر: بناء تربوي يصنع الإنسان قبل المؤسسة، وحضور نقابي وحقوقي وجمعوي، وعمل على تكوين جسم مجتمعي منظم قادر على أن يكون طرفا في أي تعاقد قادم. وهذا يتطلب حضورا وعملا لا يقل كلفة وجهدا عن الحملات الانتخابية، وإن كان أقل ظهورا منها.
والفارق بين الطريقين ليس أن أحدهما يعمل والآخر يقعد، بل أن أحدهما يراهن على الصندوق والآخر على المجتمع. وهذا خلاف في تقدير الوسيلة، يُناقَش بميزان الجدوى لا بتهمة السلبية والانتظارية.
ويبقى للمخالف أن يقول: وهل أثمر بديلكم؟ وهو سؤال مشروع نقبله بشرط واحد: أن يُوجَّه إلى الطرفين بالميزان نفسه. فمن طالبنا بحصيلة عقود من البناء، فليعرض حصيلة عقود من المشاركة. ونحن أول من يرحب بهذه المقارنة، لأنها وحدها تنقل النقاش من التخوين إلى التقويم.
تحرير موقفنا
بعد هذا كله، يحسن أن نجمل ما نقول لئلا يُحمَّل كلامنا ما لا يحتمل.
لسنا نقول إن الانتخابات لا تنفع في كل حال، ولا نقول إن التدرج باطل. إنما نؤكد على ثلاث قضايا:
الأولى: أن الانتخابات في أصلها آلة نقل لا آلة توليد؛ فهي تنقل موازين قوى قائمة، ولا تُنشئها. ولذلك تصلح حيث استقر ميزان عادل، وتعجز حيث لم يستقر. بل إن الأمر عندنا أبعد من ذلك: فالنظام -بإقرار المدافعين عنه- لا ينقل حتى إرادة المصوتين أنفسهم، لما يعتوره من اختلال في التصميم، وشراء للذمم، وتدخل للأجهزة. فالعطب إذن مضاعف: صندوق لا يترجم، ومقعد لا يقرر.
والثانية: أن الأولوية لبناء الميزان لا للتنافس داخل نتيجته. والميزان يبنى بأمرين متلازمين: تعاقد جديد على قواعد اللعبة، وجسم مجتمعي منظم قادر على فرضه.
والثالثة: أن التدرج يبقى قاعدة معتبرة بشرطين: أن تُعرَّف علامات التقدم سلفا، وأن يقبل صاحبه المراجعة إذا تخلفت. فإن سقط الشرطان، لم يبق من التدرج إلا اسمه.
خاتمة
نتفق مع الداعين إلى المشاركة في كثير: في أن الفساد آفة، وأن زواج المال بالسياسة خطر، وأن منطق الأعيان بلاء، وأن التعميم ظلم لمن فيهم جاد نزيه، وأن المواطن يستحق مشروعا سياسيا قائما على الأفكار لا على المصالح.
ونفترق عنهم في مسألة واحدة: هل الصندوق -بتصميمه الذي يقرون هم بأنه لا يعكس الإرادة الشعبية- هو المدخل إلى ذلك؟
وهذا خلاف في تقدير الوسيلة لا في المقصد، يتسع له العقل والشرع معا، ولا يخون فيه أحد ولا يفسق.
لكن شرط بقائه على وجهه أن يُوزَن الطرفان بميزان واحد. ذلك أن عبء الإثبات في هذا الباب مقلوب: يُطالَب المقاطعون في كل موسم بإثبات جدوى امتناعهم، ولا يُطالَب المشاركون بإثبات الأثر المحقَّق. والأصل عكس ذلك؛ فمن ادعى تحصيل المصلحة فعليه البيان، لأن الدعوى الإيجابية هي التي تقام عليها البينة، لا الامتناع.
فليُسأل المشارِك ما يُسأل به المقاطِع: عن الأثر الناجز المحقق، وعن العلامة التي بها يُعرَف أن التراكم يسير في اتجاهه، وعن الضمانة التي تمنع أن يكون هو الآخر سببا في تمكين المفسدة من حيث لا يشعر. فإن لم يُطلب الجواب من الجهتين معا، فليس ما يجري نقاشا في الجدوى، بل مطالبة طرف بالبينة وإعفاء الآخر منها.
وما دام الصندوق لا ينقل إرادة الناخبين، والمنتخَبون لا يملكون القدرة على صنع القرار، فالدعوة إلى المشاركة دعوة إلى وسيلة لم يثبت أنها توصل. والبينة على من ادعى.
ويقابله عند ليفيتسكي وواي مصطلح «السلطوية التنافسية» في كتابهما الصادر عن مطبعة كامبريدج سنة 2010.