صناعة الحرية (59).. مؤلفات في سجن الحصار (1999-2000م) 2/2

Cover Image for صناعة الحرية (59).. مؤلفات في سجن الحصار (1999-2000م) 2/2
نشر بتاريخ

ثالثا: مؤلفات في سجن الحصار (1999-2000م) 2/2

1. كتاب “الشورى والديمقراطية”

صدر الكتاب سنة 1996م متمما وموضحا مضامين كتاب “حوار مع الفضلاء الديموقراطيين” الذي صدر قبله بسنتين، والذي أثار نقاشا كبيرا بين المثقفين، وأسيئ فهم بعض عباراته. وقد صرح المؤلف في مقدمته بالغرض من تأليفه قائلا: “في هذا الكتاب نتحدث عن المذهبية والمبادئ، وعن تحديد المصطلحات والكلمات والمفاهيم والدَّلالات. ذلك لنُسمِع الناس، ونحاوِر الناس، من شاء من الناس” 1.

وفي جميع فقرات الكتاب تجده معولا على الحوار والاحتكام إلى العقل للتواصل والتفاهم مع النخب المثقفة اللائيكية التي تبنت مفاهيم واختارت شعارات مستوردة من الخارج؛ ماركسية كانت أو ليبرالية، وأقصت كل ما يتعلق بالإسلام وشعاراته ومفاهيمه، مبينا مواطن الالتقاء وأسس البناء، ومنتقدا آفات كل من التغريب والإقصاء في آن واحد، بوضوح الواثق بالحل المشترك، ومن غير استجداء للطرف الآخر، فيقول: “لاَ نهرُبُ مِن الواقِع المأْسَاوِيِّ لعقُولِ أبنائنا وبناتنا الذين غُرِّبوا عن دينِهم فتغَرّبوا، وجُهِّلُوهُ فجهِلوا. ولا نلعَبُ بالكلمات لنُلقِيَ جِسراً وهميا نعبر عليه ويعبرون لنلتقي على أرضية «عقلانية» مشترَكة، ولا نطرحُ بمقتضى آداب العقلانية لُغَةَ السِّجالِ لنُلاطِف حتى نُستلطَف.

إن الخروج من سراديب التعتيم “الثقافي”، ومن شعوذة السُّلطة المتمسلمة بالإسلام الرسمي، ومن جحور التعاطف والتآلف والتحالف في الظلام بين المعَتّمين والمشعوذين، يقتضي منا الوضوح والتوضيح. خَلُّونا من الهالة المصطَنعة حول هامة الديمقراطية المزيَّفة الرسمية، وخلّونا من أحلام الديمقراطيين المخلصين لصريح الديمقراطية، ذلك الصريحِ المليحِ في عين عُشاقه، المرغوبَ المطلوب، الممتنِع بعدُ في بلادنا.

وتعالوا نطرحْ في صفحات هذا الكتاب أسئلةَ الصدق على الشورى والديمقراطية، ونتأملْ ونحتكمْ إلى العقل المنصف. تعالوا نُنصفْ الديمقراطية: لا نغْمِطُها حقّها ولا نستهينُ بمزاياها. تعالوا ننظُرْ في حقيقة الشورى المطلوبة المرغوبة أيضا، الممتنِعة أيضا في بلادنا. أيُّهما أشبهُ أن يتبناها المسلمون والمسلمات في هذا البلد، وأيهما أجدر أن يتعبّأ لها وبها المسلمون والمسلمات” 2.

بمنهجية “خلُّونا، وتعالوا نحتكم إلى العقل المنصف” يعرج في الكتاب عن التقاءات الشورى مع الديموقراطية وافتراقاتها معها. مبرزا مآخذه الجوهرية على المفهوم والفلسفة وخطاب دعاة الديموقراطية بالموازاة مع إبرازه لمزايا الآلية الديموقراطية والفضلاء الديموقراطيين.

2. كتاب “المنظومة الوعظية”

الكتاب عبارة عن ديوان شعري كتب سنة 1996م، وطُبع في السنة نفسها، وقد سبق أن كتب قبلها وفي السنة التي فرضت عليه في آخرها الإقامة الإجبارية ديوان شذرات وديوان قطوف، وتتكون “المنظومة الوعظية” من مقدمة في معنى الأدب الإسلامي عموما، وأكثر من 220 بيتا في خصال الإيمان وشُعبه. ففي المقدمة ركز على مواصفات الأدب الإسلامي الرفيع الذي يحافظ على أصالته وعمق رسالته وفصاحة لغته وجمال ذوقه وحسن أدائه، حيث قال: “ينبغي أن يكون الأدب الإسلامي وسيلة من وسائل التربية، كلمة لها مغزى، تحمل معنى، تبلغ رسالة. لا أداة تسلية وبضاعة استهلاك. وسيلة تربية وكلمة هادفة تأخذ من العصر وسائله، وتروضها وتتزين بزينة الله، وتتلطف بأشكال المقبول شرعا من أدوات التعبير العصرية كما تلطَّفَ مبعوث أصحاب الكهف ليقضي حاجة أصحاب الكهف من سوق كانوا يخشون غائلة أهلها.

تربية ومساهمة في تربية ينبغي للخطاب الإسلامي عامة وللأدب الإسلامي خاصة أن يتحلى لها وفيها بجمالية المبنى ولين القول لفرعون العصر دون أن يخضع بالقول لاستكبار العصر، دون أن يتبنى نغمة الثقافة العالمية الأمريكية الهوليودية. تربية بالكلمة والشعر والخطبة والمقروء والمرئي والمسموع تقرع آذان المتمرد على الله بقوارع الزجر وبالقول البليغ في نفسه” 3.

 أما عن النظم الذي يلي المقدمة التي يمكن وصفها بمثابة دستور الأدب في الإسلام، فهو إبداع في الوعظ شعرا في شُعب الإيمان مختصرة في الخصال العشر كما دونتها باقي كتبه طيلة 41 سنة، نسجا على منوال بيتين من الشعر للإمام البخاري رحمه الله، ويقول بهذا الصدد: “هذه منظومة وعظية حذَوتُ فيها حذْو بيتين عثرت عليهما، نسبهما أبو العباس المقرى للإمام البخاري رحمه الله. ذكر ذلك المحبي في “خلاصة الأثر”.

قال الإمام البخاري:

اغتنم في الفراغ فَضْلَ ركوع ** فعسى أن يكون موتُك بغته

كمْ صحيحٍ قد مات قبل سقيم ** ذهبت نفسه النفيسة فلته

فقلتُ ناسجا على المنوال:

وعزيز في سربه مطمئن ** سلتته منه المنية سلته

كم خطيبٍ فوق المنابر يشدو ** أسكتته الآجال أيّة سَكْتَه 4.

فالرجل لا يهمه من الشعر والنثر إلا ما يعبر عن مشروعه التربوي والفكري والسياسي، الذي يقصد إلى تجديد الإيمان وتحسين الأخلاق وإصلاح الأحوال وتغيير الواقع، وكتاب “المنظومة الوعظية نواة مشروع للأدب الإسلامي، وليست مشروعا للأدب الإسلامي” 5.

3. كتاب “حوار الماضي والمستقبل”

كُتب سنة 1996م لكنه صدر بعد سنة من سابقه، أي في سنة 1997م، ويتوزع على تسعة فصول، في مجموع 348 صفحة، مع مقدمة ومدخل وخاتمة، ويعالج مسألة ماضي الأحزاب السياسية وحاضرها والمستقبل المنشود، وقد بين في مقدمته الغرض من تأليفه، فقال: “يطرح هذا الكتاب، إن شاء الله، سؤال المستقبل الإسلامي على حاضر الأحزاب الوطنية ليُعرَفَ من أيْنَ جاءت، وإلى أي مستقبل يؤهلها ماضي جهاد رواد الحركة الوطنية إن هي سلكت مسلَكهم -وكانوا أهلَ إيمان- أو تنكَّبتْ طريقهم وتخاذلت عن نصرة الإسلام.

سؤال مِحوريٌّ نكون عجَلَة مُفْلِتَة تدور في الفراغ إن لم نطرحه.

سؤال مِجهري بدون التبصُّر في الجواب عنه نوشك أن نعْمَهَ في دروب السياسة مع الكادحين في الأرض بلا وضوح ولا هُدىً ولا كتاب منير.

سؤال لكيلا يَطوِيَ عن الشعب الغشاشون ما في ملفات التاريخ القريب من حقائقَ تكشف زَيْفَ زَبَدٍ يطفو اليومَ على سطح الأحداث، واثقا بنفسه، جرِّيئا متزعّماً، منتصِبَ القامة في الساحة العامة، يزعم أنه وريث الكفاح الوطني، وأنه الذكي وغيرُه بلادة، وأنه الوفي وغيرُه الخائنون، وأنه النور والإسلاميون الظلام، وأنه الانفتاح والحريةُ وغيرُه التزمت والانغلاق، وأنه المستقبل المشرق الواعد بصفاء نظرته، وقوة تركيبه، وجماهيرية طرْحه، وغيره الخواء الفكري، والارتجال، والعجز، والجهلُ بآلياتِ الحركة العالمية” 6. ليبين باقتدار أصالة القول الإسلامي في الميدان، ويدفع شبهة الطروء على الساحة التي ادعت عمرانها نخبة تنكرت بعقلانيتها لماضيها المؤمن، ومحذرا من التنكر لجهود الحركة الوطنية المسلمة والتحول عن المسار الذي رسمته قوى المقاومة والتحرير لطبيعة الاستقلال الذي كانت تجاهد من أجله دون أن يكتمل، فسماه الخطابي بـ”الاحتقلال”، وهو عنوان الفصل الأخير من الكتاب.

4. كتاب “حوار مع صديق أمازيغي”

كُتب هو الآخر سنة 1996م، وصدر سنة 1997م، وهو أحد الكتب الحوارية الذي خصصه للمسألة الأمازيغية، ويحتوي على 304 صفحة في سبعة فصول، والكتاب في أصله مراسلات جرت بينه وبين صديقه محمد شفيق، واستأذنه في نشرها فتحولت إلى كتاب مرجع في موضوعه، ناقش فيه المسألة اللغوية في المغرب وعلاقتها بالهوية والإسلام والسياسة والثقافة والمستقبل.

وقد ذكر أيضا بأمجاد العلماء الأمازيغ في خدمة الدين والوطن، من أمثال العلامة المختار السوسي 7 والعلامة الحسن اليوسي، محذرا من مخاطر التفرقة وفتنة العداء بين الأمازيغ والعرب التي لا فائدة منها سوى تمزيق الوطن وإضعافه. وقد جاءت عناوين فصوله كالآتي: مدخل- المدخل السياسي إلى القضية الأمازيغية- اللغة والهوية- لغة القرآن نسيج وحدتنا- ما هو العلم؟ ما هو الإسلام؟ – هوية وتاريخ- تمزيغ المغرب وتمزيقه.

ويتضمن الكتاب وجهتي نظر مختلفتين في مجموعة من القضايا. لكن الاختلاف لم يمنع من الحوار العاقل لتوضيح المواقف وإسنادها، ولم يمنع من تبادل الاحترام والتقدير مع تبادل الأفكار والاعتراض.

جاء في رسالة الأستاذ شفيق:

” إلى أخ لي في الإسلام…

الشيخ الجليل عبد السلام ياسين،

أخي في الإسلام والمواطنة والإنسانية، السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد،

ها قد تطوعت أنت منذ ثلاثة عقود من الأعوام ونيّف للدفاع عن حرمة الإسلام، وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وها قد ذقت الأمرين، وقاسيت ما لا يطاق، فتجلدت وصبرت. لقد كنت -شهد الله- أعلم أنك ستصابر وتواجه وتجاهد، لأني رأيتك تبحث عن طريقك متجها هذه الوجهة، مصمما العزم مستهينا للعقبات والصعوبات. فبادلتني الرأي وحاورتني وحاورتك ساعات وساعات. فكنت في الغالب أفهم عنك، ولكني لم أكن أقتنع بكل ما كنت أنت مقتنعا به. وكنت تألم لذلك، وكنت أنا آلم لكونك تلومني على اعتمادي العقل وميلي إلى نبذ ما قد يشابه الخرافة… أو الشعوذة. وها أنت اليوم مسموع الصوت، بعيد الصيت يحسب لك حساب ويُرهب لك جانب. ولو لم أكن أعرفك حق المعرفة لأيقنت أنك صرت تنظر في عطفيك وتطلب الطعان والنزال، وتصول وتجول في “قفصك” الذي يُراد منه أن يُخمد شعلة توقدك وتلألئك، ويَحد من مدى ندائك، فأضفى عليك وجودك في قفصك صفات الأسد المأسور، الذي يهز زئيره جدران سجنه، ويُبلغُ عنه من سمع من لم يسمع. اعلم، أخي، أني واثق بصدق مسعاك وبخير مبتغاك، وحسن نيّتك ورسوخ إيمانك، ليس لك من أغراض الدنيا ما يمكن أن تلام عليه” 8.  قبل أن يؤاخذ صاحبه على تسمية “الظهير البربري” فيقول: ” (ظهير 16 ماي 1930م) بـ”الظهير البربري”! هنا تظهر عصبيتك للعروبة بصفتك (شريفا إدريسيّا). بأيّ مبرِّر يُنسَبُ ذلك الظهير إلى (البربر)؟ هل حرّروه وكتبوه؟ هل استصدروه؟ هل قبِلُوا فحواه وَمضمونه؟ لقد كانَ أكثرُ رجالهم إذ صدر ذلك الظهير إمّا في خنادق الجهاد، وإمَّا في غيابات السجون الاستعماريّة، وإمّا في أقصى المنافي” 9.

كما تجد نظرة الرجل لمسألة الانخراط في النادي الإنساني العالمي، وبناء المشترك الإنساني، نظرة خبير وصاحب رسالة، فيقول: “أسئلتنا الإسلامية على شروط “العناق”، ومضمون اللقاء، وغنيمة الإقبال، وجائزة الوفادة على النادي الإنساني هو: من نحن في الإنسانية، وما رسالتنا إلى الإنسان، وما وظيفتنا في هذه الدنيا نحن الأمة الإسلامية بشعوبها العربية والفارسية والتركية والهندية والأمازيغية والصينية وسائر شعوب الإسلام؟” 10.

وفي الكتاب تعثر على نموذج راقي للتحاور العاقل والمحاججة القاصدة بين مثقفَين من مرجعيتين مختلفتين. أحدهما إسلامي-أمازيغي في سجن الإقامة الإجبارية بسلا، والآخر أمازيغي لائيكي مبتلى بتسيير المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بالرباط 11.

5. كتاب “الرسالة العلمية”

كُتبت هذه الرسالة الفريدة في فلسفة العلم سنة 1997م، على شكل فقرات أو شذرات مرقمة من 1 إلى 233، بلا فصول ولا محاور، ولم تطبع في كتاب إلا سنة 2001م، وتتوجه بالدرجة الأولى إلى المهتمين بالشأن العلمي والفكري، إذ قال المؤلف: “قصدي من رسالتي إليكم هذه أن أشارككم في الاهتمام بالبحث عن أقوم السبل لأداء وظائفنا التعليمية التربوية الدعوية البنائية” 12، وعن أهداف الرسالة يقول العلامة عبد العلي المسؤول 13:

“إن من بين ما تهدف إليه الرسالة أساسا:

–  توجيه العناية للاهتمام بالقرآن الكريم حفظا وفهما وسلوكا، وبكلام النبوة رواية ودراية وتأسيا، وباللغة العربية كتابة ونطقا.

– إيجاد عالم المسجد: واعظ الحلق ومربي الناشئة، الراسخ القدم في علوم الشريعة، العالم بعلوم عصره ومقتضيات واقعه، الحاضر في مجالس الناس ومنتدياتهم، الزاهد في الدنيا، الفقيه في مصالح الخلق، المريد بفقهه وجه الله تعالى.

-استفراغ الوسع للارتفاع عن حضيض الفقه التجزيئي الموروث، إلى يفاع الفقه الجامع الشامل.

– التصدي للفكر الإلحادي، وإزاحته بالحجة الدامغة.

– السعي نحو تجديد الفكر الإسلامي.

– تبيين أن العلم ليس بكثرة المسائل والروايات، إنما العلم والحكمة نور يضعه الله في القلب، ويهدي به الله من يشاء من عباده.

– سلوك سبيل العلم الداعي إلى مخالطة الناس والصبر على أذاهم، لا العلم الداعي إلى الانزواء والتفرغ المميت للقلب، العلم المحرض على الجهاد، العلم الراسم معالم السلوك إلى الله تعالى عبر محطات الجهاد.

– التنبيه على أن الإيمان ليس مدركه الكلام والأدلة المحررة والتقسيمات، إنما الإيمان نور يقذفه الله في قلب العبد، وهو محتاج إلى تجديد كي لا يخلق، وإلى تنمية كي لا ينقص، وكل ذلك موقوف على صحبة من يقيك عثرات الطريق، ومؤمنين يشاركونك في مشروعك الجهادي، حيث يؤلف الله بين الجميع، ويجمعهم عليه، إنه عزيز حكيم.

– التذكير بأن الموعد الله والدار الآخرة، إذ العلم الذي لا يتطلع به القلب إلى النبإ العظيم خداج، والمعرفة التي لا تفتح البصيرة للقاء الله شوهاء” 14.

فكان المضمون الإجمالي للكتاب هو المسألة العلمية في شموليتها، فغير خافٍ على أحد أمر الحاجة إلى الجرأة في المنهجية العلمية والاجتهاد بمعناه الشامل. بدءا بتجديد العناية بالقرآن الكريم حفظا وتدبرا وتخلقا، وبالسنة النبوية دراية واتباعا، وتكوين علماء ربانيين مجددين يحيَون وسط الناس ويخالطونهم، يجمعون من العلوم أصيلها ومعاصرها، وتوطين علوم الكون والتصنيع والتقانة.

ومما حذر من خطورته كبرياء العلم والمتاجرة به، بقوله: “كُن عالم مسجد وواعظ حلقة وجليس عامة، ومربي ناشئة. لا تكن عالم نخبة مسترسلا في كبرياء مكانته. نعوذ بالله من شيطنة الكبرياء” 15، كما دعا العلماء إلى معرفة الواقع كما هو والسعي إلى تغييره بالتي هي أحسن، وعدم الاكتفاء بفقه النصوص، فـ”بين مَقْعد الفقيه البصير بالنصوص، الحسير عن درك ما بين يديه من تضاريس الواقع ومهاويه، وبين العالم المربي الداعي إلى كلمة القرآن، الباذر الغارس، فرق بين مانح الأمل وزارع اليأس. هذا في بَوْحِه بانقطاع أمله، ونَوْحه على بعد أجله. ضَجِرٌ من الواقع فلا صبر له، واستعجَلَ الرحيل من دار البلاء. وذاك يبسم في وجه قدر الله وعجيب صُنْعه” 16.

6. كتاب “Islamiser la modernité”

صدر الكتاب في أصله باللغة الفرنسية منتصف سنة 1998م، قبل ترجمته إلى اللغة العربية من طرف مجموعة من الأساتذة، وقد راجعه المؤلف قبل طبعه. ويقع الكتاب في 366 صفحة موزعة على ثمانية فصول بعد توطئة ومقدمة، وجاءت عناوين فصوله منبئة عن فحوى متنه كالآتي: إسلام وحداثة – إسلام ولائيكية – مقاومات، نموذج الجزائر- الجرح الفلسطيني – المعرفة – كيف أكون – المال – ليختم الكتاب بفصل في موضوع الحكم.

ويعالج الكتاب مسألة المسائل في الفكر البشري في التاريخ وهي وجود هذا الكائن ومعناه ومصيره. وعلاقته بنفسه وبربه وبأخيه الإنسان وبالعالم من حوله…مستحضرا أطروحات كبار الفلاسفة والمفكرين في العالم، ويشتبك معهم في أمهات القضايا الإنسانية، قبل مناقشة مسائل الدولة واللغة والحروب والتجارة والصناعة والحريات والتعليم.

متسائلا بهدوء عن معنى الحياة ومعنى الموت ومعنى المسير والمصير ومعنى المعنى، محاورا العقل المشبع بالمسلمات العدمية والدوابية، والمعجبين بهم من المسلمين، فيقول:

 “لم الحياة؟

سؤال مركزي، سؤال حيوي، سؤال مكبوت، سؤال غريب!  

سؤال لا يطرح في عصر فقد معناه وانشغل بمشاكل أخرى متعلقة بالكيف لا بالغاية؛ عصر تقني عالمي يحركه الفضول، عصر منفتح على الكون الفلكي وعلى الكون الجزئي؛ عصر منقب، مدقق، مراقب لأدق التفاصيل ولأصغر الظواهر؛ عصر مستنكر لهذا السؤال!

فمعنى الحياة، والغاية من الحياة، قضية منبوذة لا تثار إلا في بعض الحلقات المغلقة التي يحضرها بضع فلاسفة مغرمين بالتأملات الميتافيزيقية أو عند مهمشي الحداثة المترهبين من المسلمين أو من غيرهم من الأمم الأخرى المتخلفة عن ركب العصر.

الفلسفة الوضعية المادية هي أسلوب التفكير الوحيد المتجذر في المجتمع الحديث، فلا وجود إلا لما تدركه الحواس، لا وجود إلا للـمُحَس، المادي، المتجسد، وكل ما لا يستطيع العلم إثباته وقياسه يظل مجرد تخرصات، خاصة إذا كانت القضية تعالج مصير الإنسان، وتبحث عن مغزىً لوجود الإنسان.

حقل البحث العلمي منحصرٌ في الجدوى الوظيفية للأشياء وفعالية تنظيمها، بعيداً عن هذيان العالَم التائه في فلك الغيبيات. ويبدو الإنسان الحديث مستسلما لحياة تافهة فارغة من كل معنى” 17.

والكتاب كله حوار فلسفي جريء وواضح مع النمط الحداثي وما بعد الحداثي الذي تبناه الفكر الغربي المعاصر هناك، وقلَّده مثقفونا هنا، الذين جعلوا النموذج الغربي قِبلة لتفكيرهم ومثالا لاقتراحهم، ومذكرا بموقفه المبدئي الذي لم يتغير من آفات الفرعونية (نظام الحكم المستبد)، والهامانية (الكيانات الناعسة في حجر الحاكم المستبد)، والقارونية (الشخصيات والمؤسسات المالية الداعمة للاستبداد)، فيقول: “إننا ندعو إلى الوضوح، إيماناً مِنا بأن اللصوص هم الذين يخشون ضوء النهار، ونعلن أن الطبقة المتسلطة في ديارنا فاسدة، وأن الوقت قد حان لكي تَلُمَّ أمتعتها إلى حيث تجتر خزيها” 18.

7. رسالة “Mémorandum à qui de droit”

كتبت الرسالة سنة 1999م وطبعت سنة 2000م، وهي رسالة نصيحة من الأستاذ إلى الملك محمد السادس. وقد تحدثتُ عنها في فقرة سابقة بعنوان: مذكرة إلى من يهمه الأمر. فلينظر هناك.


[1] ياسين، عبد السلام. الشورى والديموقراطية، مرجع سابق، ص 3.
[2] المرجع نفسه، ص 4-5.
[3] ياسين، عبد السلام. المنظومة الوعظية، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط1، 1996م، ص 15-16.
[4] المرجع نفسه، ص 34.
[5] نقلا عن: ركراكي، منير. “الإمام أديبا”، مرجع سابق، ص 67.
[6] ياسين، عبد السلام. حوار الماضي والمستقبل، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط1، 1997م، ص 5.
[7] يلاحظ القارئ الحصيف تشابها كبيرا في الأسلوب بين المختار السوسي وعبد السلام ياسين.
[8] ياسين، عبد السلام. حوار مع صديق أمازيغي، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط1، 1997م، ص11-12.
[9] المرجع نفسه، ص 146.
[10] المرجع نفسه، ص: 73.
[11] الأستاذ محمد شفيق هو أول عميد للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (2001-2003م).
[12] ياسين، عبد السلام. الرسالة العلمية، مطبوعات الهلال، وجدة، ط1، 2001، ص 11.
[13] أستاذ القراءات القرآنية بجامعة فاس.
[14] ياسين، عبد السلام. الرسالة العلمية، مرجع سابق، ص 7-8.
[15] المرجع نفسه، ص 85.
[16] المرجع نفسه، ص 41.
[17] ياسين، عبد السلام. الإسلام والحداثة، مرجع سابق، ص 151.
[18] المرجع نفسه، ص320.