صناعة الحرية (20).. مشروعية أم شبه مشروعية؟

Cover Image for صناعة الحرية (20).. مشروعية أم شبه مشروعية؟
نشر بتاريخ

مشروعية أم شبه مشروعية؟

معلوم أن نظام الحكم في المغرب يسند مشروعيته نظريا بالدِّين ويؤسسها على مفهوم “البيعة”، ولا يقبل أن ينازعه أحد في هذا المرتكز ولا يسمح لغيره باستعماله أو تأويله، فهي “لدنية شريفة” 1 بتعبير الأنثروبولوجي عبد الله حمودي، لا تقبل الاشتراك أو المزاحمة أو الاعتراض. حتى الأحزاب اليسارية ذات المرجعية الإيديولوجية الاشتراكية سلَّمت بالأمر الواقع لما لم يُقبل منها الاقتراب من مربع الانفراد بالمجد، فلانت وقبلت بشروط الواقع كما هو، بل أضْفت عليه جمالية وتنوعا في “التبرير”، وتحولت غالبيتها إلى شبه مقاولات فاسدة وقاعدة!

 وأغلب الإسلاميين كذلك ظلوا أسارى نظرة تاريخية سلبية تُعِدُّ القطيع كي يفعل به الراعي ما يشاء، ولم يتجاوزوا للأسف مقولات الانحطاط في “طاعة المتغلب بالسيف”، و“من اشتدت وطأته وجبت طاعته” و“إمـامٌ غشوم خير من فتنـة تدوم” 2، بل أضافوا إليها مقولات جديدة تنسجم مع التسلط الجديد، من قبيل الثوابت الأربعة، التي جعل أولها نظام المُلك قبل مذهب الإمام مالك، ثم طريقة الجنيد والعقيدة الأشعرية، فـ“الثوابت على ترتيب ظهورها في التاريخ: إمارة المؤمنين- المذهب المالكي في الفقه- طريقة الجنيد في التصوف- المذهب الأشعري في العقيدة” 3،كما قال الوزير الذي كان يوما ما صديقا للإمام.

أما صاحب الرسالة فكان يخاطب الرأس، ويسائل مشروعية النظام ويرفض “ميراث الاستبداد” 4 برمته حسب تعبير إبراهيم بيومي غانم، ويعتبر أن أكبر بدعة سياسية في تاريخ المسلمين هي الإجهاز على مبدإ الشورى 5 وحق الأمة في اختيار حكامها، وحق العلماء في مراقبة الحكام. وينتقد الانقلاب المبكر والمستأنف الذي وقع على الحكم الراشد وحوَّل مساره إلى كسروية قيصرية، العبودية فيها أولى من المواطنة! ويعتبر أن “المهمة الرئيسية التي تعود إلى الدولة ما نشترطه فيها قبل كل شيء- هو الاعتراف بحقنا في الحرية، وفي الحياة، وإن كان ضروريا، مساعدتنا في الدفاع عن حريتنا وحياتنا كحق” 6، كما يقول كارل بوبر.

في هذا الموقف يواجه ياسين تهمة “الخروج عن الحاكم”، وهي فعلة شنيعة في فقهنا وتاريخنا لارتباطها بالخروج المسلح الذي يقاتل بموجبه المعارضون الحكام، فتُسفك الدماء وتقع الفتن. لكن الرجل يميز بين خروجين: خروج عنيف ومعارضة سياسية، فيذُم العنف مهما كانت مبرراته، ولكنه يرى معارضة الحاكم إن طغى وتجبر، معارضة سلمية. وليست في أخلاق المعارضة السياسية للحاكم أية فتنة.

لذلك “يميز الأستاذ ياسين بين نمطين من الخروج: خروج اعتقادي هو الذي تناوله أهل الكلام حين تحدثوا عن الخوارج ببرنامجهم الاعتقادي المسطر، المبني على تكفير “المخالفين” ومن هم في “السلطة”، وهذا نمط من بناء الموقف الحاد تجاه الآخر المختلف وتجاه فهمه للحقيقة، وتجد آثار صورته المجردة والنمطية في كل الثقافات الإنسانية ذات المرجعيات الدينية (…) وهناك خروج سياسي، وهذا الخروج هو الذي مثله في تاريخ الأمة القائمون من آل البيت والذين يرى الأستاذ أنهم أهل سنة وجماعة، ويرى أن خروجهم هو ترجمة عملية لفلسفة القرآن في التغيير والإصلاح” 7. ولهذا فرَّق بين البيعة والمبايعة: الأولى تكون من طرف واحد يملي شروطه على الشعب المغلوب ليطيعه كرها، والثانية تعاقدٌ وتساند قلبي وقانوني طوعي بين طرفين متكافئين، فما كان عليه الحسن هو “بيعة من جانب واحد، من جانب مقهور بالسيف، مُكره أن يسمع ويطيع، لا مبايعة من جانبين بين مسلمين أحرار اختاروا رجلا عاهدهم على طاعة الله والنصيحة للمسلمين وخدمتهم” 8.

ليس التغلب إذن من المشروعية في شيء، وإن أجازه بعض الفقهاء بحُجية حفظ وحدة الأمة وبيضة الإسلام 9، وإن 10“الفقهاء -إذ أجازوا إمامة التغلب اتقاء للفتنة- فهيأوا الأجواء لمزيد من الفتن، وقد كان باب الفتنة الأول هو الخروج على شرع الله الآمر بالشورى، التي لم يصخ المتغلبون لها سمعا، ولم يلقوا لها بالا، فأعقب ذلك وبالا على الأمة وتمزقا بلا حدود” 11. كما ليس حكم الوراثة مشروعا أيضا، وإن زُعم أن ذلك يُقلل من فُرص التغلب في واقع اتسعت جغرافيته واستعصى أمر الشورى في جمع شتات أمصاره، إذ لا يُبنى الحق على السيف ولا على الوراثة، يقول الأستاذ: “إن القول بإمامة المتغلب ما هو إلا التماس فقهي لفتوى تجمع أمر الأمة الشتيت في شبه مشروعية. إنه يـنبئ عن مرونة الفقهاء الذين ارتكبوا أخف الضررين حين تفاقم حكمُ السيف، وظهرت دولٌ في الدولة. فأراد الفقهاء أن يدخلوا السلطان الفعلي الذي كان لبني بويه والسلاجقة والغزنويـين وسائر هذه التكتلات القبلية تحت السلطة الإسمية للسلطان المركزي. فكان “الخليفة” العباسي لا يستطيع أن يولي على الأقاليم من شاء، فيُضْطَّرُ للاعتراف بالمستولي المسلَّح الممتـنع عن طاعة الدولة. وهكذا يـبقى للدولة اسمٌ يذكر في خطبة الجمعة أو أثر ينشر على شكل سِكة تحلى بأسماء “الخلفاء””ياسين، عبد السلام. الخلافة والملك، مرجع سابق، ص 66..

أما مبايعة الصبيان قبل احتلامهم في تاريخ المسلمين فمصيبة عظمى 12!


[1] حمودي، عبد الله. الشيخ والمريد، ترجمة عبد المجيد جحفة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط4، 2010م، ص 38.
[2] يُنسَب هذا الكلام لعمرو بن العاص وهو يخاطب ابنه عبد الله قائلا: “يا بنيّ، سلطَان عادِل خير من مطَر وابل، وأسد حطومٌ خير من سلطان ظَلوم، وَسلْطان غَشوم ظَلوم خير منْ فِتنة تدوم”، وقد أورده ابن عساكر في “تاريخ دمشق”، تحقيق: محب الدين العمروي، دار الفكر، بيروت، ط1، 1997م، 36/184.
[3] توفيق، أحمد. الثوابت الدينية للمملكة المغربية، موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، منشور بموقع (habous.gov.ma) يوم 25 يونيو 2012م، وشوهد في 23 ماي 2020م.
[4] بيومي، إبراهيم. ميراث الاستبداد، نيوبوك للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2018م.
[5] انظر: ياسين، عبد السلام. الشورى والديموقراطية، مرجع سابق. والشاوي، توفيق. فقه الشورى والاستشارة، دار الوفاء، المنصورة، ط2، 1992م.
[6] كارل، بوبر. درس القرن العشرين، ترجمة الزواوي بغورة ولخضر مذبوح، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، ط1، 1429ه/2008م، ص 96.
[7] مقبول، إدريس. ما وراء السياسة، الموقف الأخلاقي في فكر عبد السلام ياسين، تقديم ماسيمو كامبنيني، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، ط 1، 2016م، ص 248-249.
[8] ياسين، عبد السلام. الإسلام أو الطوفان، مرجع سابق، ص 55.
[9] الشربيني، شمس الدين. مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1415ه/1994م، 5/423.
[11] قرعوش، كايد يوسف. طرق انتهاء ولاية الحكام، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1، 1407ه/1978م، ص 187.
[12] انظر: ابن الخطيب، لسان الدّين. أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام، تحقيق أحمد مختار العبّادي ومحمد إبراهيم الكتاني، دار الكتب، الدّار البيضاء، ط 1، 1964 م.