صناعة الحرية (15).. محاولة لم تثمر.. ويستمر العمل

Cover Image for صناعة الحرية (15).. محاولة لم تثمر.. ويستمر العمل
نشر بتاريخ

محاولة لم تثمر..

في السنة نفسها بدأ الأستاذ محاولة طموحة لتوحيد العمل الإسلامي بالمغرب، فنظّم مع بعض الأساتذة الفضلاء جولة حوارية مع أقطاب الحركة الإسلامية والعلماء والدعاة شملت مدن فاس وطنجة والرباط والقصر الكبير وتطوان والشاون والدار البيضاء ومراكش، كما حاور شخصيات سياسية ونقابية عدة، منها الزعيم عبد الله إبراهيم (ت2005) رئيس أول حكومة في المغرب بعد الاستقلال بين 1958 و1960، والنقابي المخضرم المحجوب بن الصديق (ت2010م)، والعلامة عبد الله بن الصديق (ت1993م)، والعلامة الحسن بن الصديق (ت2010م)، والأستاذ عبد السلام الهراس (ت2015م) والأستاذ الشاهد البوشيخي، والسيد علي الريسوني، وغيرهم من العلماء والمفكرين والسياسيين والدعاة 1.

وهي جولة حصل فيها التواصل والتعارف غير أنها لم تثمر تلك الوحدة المرجوة، وإن التحق بصف الأستاذ عدد من الدعاة، وكثير من أعضاء وقيادات الشبيبة الإسلامية، الذين كان يبادرهم الأستاذ بقوله: “جئتكم لحاما ولم آتكم متزعما” 2، وكان يتلو عليهم متحمسا قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (الروم:30-32). لقد كانت فكرة الوحدة فكرة نبيلة في مقصدها، ولكنها مثالية وصعبة التحقق في الواقع.

ويستمر العمل…

على ذكر التفاف طائفة من الشباب على الأستاذ ياسين وتأثرهم بأخلاقه وجديته تذكرتُ جلسة خصَّني بها الأستاذ عبد الغني أبو العزم في مكتبته جوار دار البريهي بالرباط سنة 2015م على ما أذكر، وذكر لي مما ذكره أن شبابا كُثرا -وهو واحد منهم- كان للأستاذ عبد السلام ياسين عليهم “يد بيضاء” في متابعة دراستهم وتكوينهم وتوظيفهم، بداية الستينيات من القرن العشرين، ومنهم صديقه وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الحالي السيد أحمد توفيق، وغيرهما كثير. وعن تأثُّر صاحب المعجم الضخم “الغني الزاهر” بالأستاذ يمكن الرجوع إلى روايته “الضريح الآخر” 3. أما عن شباب الثمانينيات والتسعينيات الذين تعرفوا على الأستاذ مباشرة أو عبر واسطة من صَحب من صَحب فهم أطر الجماعة الآن ونقباؤها.

الكاتب في مكتبة الأستاذ عبد الغني أبو العزم بالرباط سنة 2015م

الكاتب في مكتبة الأستاذ عبد الغني أبو العزم بالرباط سنة 2015م

وموازاة مع المجالس التي كان يعقدها بانتظام في بيته بحي السلام بمدينة سلا، حاول سنة 1983م تأسيس جمعية قانونية وحصل في البداية على وصل مؤقت قبل أن يُنتزع منه، فأنشأ مجلة جديدة بمساعدة بعض أصدقائه المخلصين 4 لتعبر عن تصورٍ إسلامي إصلاحي شامل، يقترحه جهارا لجمع شتات العاملين للإسلام على المنهاج النبوي في التربية والتعليم والحركة، وأصدر منها ستة عشر عددا 5، صادرت السلطة بعضها وأوصت المطابع بعدم طبعها ومنعت الأكشاك والمكتبات من بيعها.

تتالى المنع والحصار للشخص وللقلم وللأثر، مع الإعفاء من الوظيفة، والمنع من المسجد، ومصادرة المجلة، وتوقيف الجريدة، وعدم الترخيص للجمعية، وتهديد الزوار، كي لا يكون له أثر ولا يُسمع له خبر. وهو هو لا يتراجع ولا يتهور، ولا يشتغل بقضية المنع عن القضية الممنوعة، وربما في ذلك سر نجاحه…

أمام هذا الوضع المغلق والحق المعلَّق، ماذا سيعمل الرجل؟ هل سيستكين إلى الفراغ؟ أو سيضطر إلى العمل السِّرِّي كما فعل غيره؟ أو سيختار طريق العُنف؟ أو يبحث عن وسيلة أخرى لدعوته؟

قال الأستاذ بهذا الصدد: “رفضوا الجمعية، بعد مصادرة المجلة، بعد الطرد من المسجد. نسجل كل هذا لنذكر بأساليب المكر التي تستعملها تجاهنا الديمقراطية العتيدة. إنهم لا يحبون أن يسمع الناس منا، ولا أن يقرؤوا عنا، ولا أن يرونا نتحرك على الساحة. ومنا من لا يزال يظن أن أنجح السبل للدعوة، السرية، التي تلقي علينا سرابيل من الغموض تكفي عدونا عناء التغطية علينا والتعمية. وإن أبهج المواقف في نظرهم، وأعجبها إليهم أن نغيب عن الساحة، ونسكت، ونجمد. بذلك يخلو الجو لمحركي الكراكيز، ويخلو الجو للماثلين على مسرح المهازل والمآسي. وناموا يا خاملون. تردوا في ظلام العدم أيها الإخوان المسلمون، أيها الإرهابيون، أيها الطفيليون. لا يحبون أن يظهر لنا خبر، ولا أن يعلم عنا أثر. لكن فجوتهم التي أترعتها الضرورة السياسية، هي زعمهم أنها ديمقراطية. ولهذا الزعم منطق، وتترتب عليه التزامات لا مناص لهم من احترامها. لا سيما وليس في وسعهم أن يلفقوا علينا تهما لأننا بحمد الله لا نكتم إسلامنا، ولا نكتم مطالبنا. ولأننا لا نتبالد لهم بتجاهل وجودنا الذي يقض مضاجع كل لئيم في تلك المأدبة الفاجرة. ولأننا لا نرى في العنف والاغتيال السياسي إلا صبيانية. ولأننا نسعى ليرى الله عملنا ورسوله والمؤمنون، في وضح النهار. يا من تريدون محو آثارنا وتعمية أخبارنا” 6.

ومع ذلك التضييق الشامل والمنع المتوالي وُفق الرجل في صناعة حريته؛ في التفكير وفي التعبير وفي التجمع. صنع الفكرة، وصنع الحركة، وصنع المشروع…


[1] انظر شهادة الأستاذ أحمد الملاخ في شريط بعنوان “مرحلة تأسيس الجماعة: الأستاذ المجاهد أحمد الملاخ رحمه الله”، منشور في قناة عبد السلام ياسين بيوتوب يوم 21 يونيو 2020م.
[2] ابن الصديق، أبو بكر. “سيرة سيدي إبراهيم عدي..”(الحلقة الثالثة)، منشور بموقع الجماعة (aljamaa.net) بتاريخ 26 يونيو 2020م.
[3] أبو العزم، عبد الغني. الضريح الآخر، مطبعة وليلي، مراكش، ط1، 1996م، من ص 124 إلى ص 140.
[4] وخاصة منهم المقاوم ورجل الأعمال المراكشي الحاج إبراهيم الشرقاوي رحمه الله (1924-2013م)، والذي تعرف على الأستاذ سنة 1979م، وساعده في طبع مجلة الجماعة وكتبه الأولى، وتحمل من أجل ذلك التضييق على رزقه، بل الاعتقال في كومسارية الرباط.
[5] جميع الأعداد الستة عشر توجد للقراءة والتحميل في موقع سراج (siraj.net).
[6] ياسين، عبد السلام. “مأدبة اللئام”، مرجع سابق، ص 6-7.