صناعة الحرية (14).. وانتهت صناعة الجنون

Cover Image for صناعة الحرية (14).. وانتهت صناعة الجنون
نشر بتاريخ

وانتهت صناعة الجنون..

بعد فشل أساليب استهداف العقل والفكر والكرامة بالرمي وسط المرضى والحمقى حوالي ثلاث سنوات ونصف من غير محاكمة، وبعد التراجع عن قرار إعدامه شنقا أو رميا بالرصاص، وخلال زيارة ملكية إلى مدينة مراكش أوحى إلى علمائها بحيلة فنية يتخلصون بها من عبء هذه المظلمة، وهي كتابة رسالة استعطاف باسمهم إلى الملك ليُفرج عن الرجل، وكذلك كان 1، وقد حكى الأستاذ بنفسه القصة قائلا: “والكيفية التي تم بها الإفراج عني من المعتقل هو أن الملك زار مراكش، فأوحى إلى بعض جلسائه، ممن كان أصلهم من مراكش، أن طوفوا بعلماء المدينة وبوجهائها وبكُبرائها لكي يُمضوا على رسالة استعطاف في شأن فلان. وهكذا حدث فما راعني على الساعة الواحدة من يوم العيد إلا وسيارات فخمة تقف أمام باب الزنزانة أو قل باب الكوخ الذي كنت معتقلا فيه، فدخل عليّ فوج من رجال السلطة من الداخلية، كل عمداء البوليس كانوا، الكبير والمتوسط والأصغر وأعوانهم، دخل علي فوج كبير من الناس إلى المعتقل. قال لي زعيمهم إن الملك أفرج عنك، ثم أضاف لم لا تقول جزاه الله خيرا؟ قلت جزاه الله خيرا. ورجعت إلى البيت متعجبا من فُجاءة المسألة، لكن لـمّا أُخبرت بالإخراج الفني الذي وقع في هذا الإفراج زال العجب، وعلمت أن تلك السنوات الثلاث والنصف التي قضيتها في المعتقل كانت بمثابة جولة اضطر من بعدها النظام في شخص الملك أن يتراجع عن زعمه في أن فلانا مجنون” 2.

أُفرج عن صاحب الرسالة النادرة، في ذكرى المولد النبوي 12 ربيع الأول 1398ه/ـ 20 فبراير 1978م، بـ”عفو ملكي”، وعاد إلى أسرته ومحبيه بمراكش غانماً، لم تنل من عزيمته وموقفه عقوبة الاحتجاز القسري بين المرضى والمجانين، بل بقي شامخا ثابتا، مسؤولا عن موقفه القوي والواضح، مواصلا عمله بمحجة لاحبة وعزيمة ماضية، جاعلا من بيته مقرا لدعوته، بعد منعه من إلقاء الدروس بمسجد حيِّه.

مضى الابتلاء وبقي الأثر، وقد أصبح لعنوان رسالته ومضمونها صدى واسع في الثقافة الإسلامية والعربية المعاصرة، سواء عند العلماء والمفكرين أو عند الإعلاميين والسياسيين، وقد كتب محمد عابد الجابري على المنوال كلاما قريبا من عنوان “إسلام-طوفان” هو “ديموقراطية -طوفان”، إذ قال: “ومن حُسن حظنا، هنا في المغرب، وفي بلدان عربية وإسلامية أخرى، أن الطوفان لم يحصل بعد، وأن كل شيء من حولنا يصرخ ويحذر إما الديمقراطية الحقيقية التي تضمن حقوق الضعفاء والكادحين وإما الطوفان المحقق” 3، واتخذ المفكر حاكم المطيري ثنائية “الحرية-الطوفان” عنوانا لكتابه “الحرية أو الطوفان” 4، كما كُتبت عشرات المقالات بعنوان يحاكي نفس العنوان، أتذكر منها مقالا لصديقي السوسيولوجي المغربي إدريس أوهلال بعنوان “الحوار أو الطوفان” 5، و“حيث لا يوجد الحوار لا يمكن أن يوجد إلا الحصار” 6 بتعبير طه عبد الرحمن.

 خلال سنوات الاعتقال شاع في المجتمع المغربي وفي العالم الإسلامي، أن عالما أمازيغيا من مدينة مراكش نصح الملكَ وشدَّد عليه القول وعتبه، وقال في سياسته كلمة حقٍّ، وتمَّ على إثرها إخفاؤه واتهامه بالجنون، وتداول بعض مثقفي اليسار أن مثقفا صوفيا وجه رسالة نقدية قوية إلى الملك، يحلم فيها بعودة نظام الخلافة على نمط خلافة عمر بن عبد العزيز (ت720م)، وسيقوم الحسن الثاني بتصفيته لا محالة.

الأستاذ أمام المسجد الذي مُنع فيه من إلقاء دروس في شُعب الإيمان.

وبعد خروجه مُنع في ماي 1978م -وبغير قانون- من إلقاء دروس “شعب الإيمان” بالمسجد، حيث ما أن تسامع الناس بخروجه من المعتقل واستئناف إلقائه للدروس بالمسجد حتى وفدوا إليه من جميع الأنحاء. لكنها التعليمات فوق القانون تأتي بالمنع مرة أخرى صماء لا تقبل النقاش. وفي ذلك قال: “طلبنا حقنا في ولوج المسجد، ومخاطبة المسلمين بكلمة المعروف فأنكروا حقنا. بل طردونا من بيوت الله” 7.

فَتح الرجل بيته الذي استأجره بحي الداوديات بمراكش أمام شبابٍ كانت تتقاسمه فئتان متطرفتان: فئة التطرف العنيف باسم الإسلام، وفئة التطرف العنيف ضد الإسلام، وكان واضحا في دعوته حتى لا يؤذى زواره معه، فما إن يستفتح مجلسه حتى يخبر جلساءه بأن السلطة تراقبنا وتمنع أنشطتنا وقد تلحق بنا الأذى في أي وقت ممكن. مما يجعلهم في خيار من أمرهم: إما المواظبة على الحضور كما فعل قلة منهم، وإما الانصراف طلبا للسلامة كما فعل الكثير… وقلة من كل قلة من يستأنفون المسير في كل الدعوات.


[1] انظر: ياسين، عبد السلام. حوار شامل، مرجع سابق، ص 27.
[2] المرجع نفسه، ص 27 -28.
[3] الجابري، محمد. قضايا في الفكر المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 1997م، ص 16.
[4] المطيري، حاكم. الحرية أو الطوفان، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الكويت، ط1، 2004م.
[5] أوهلال، إدريس. “الحوار أو الطوفان”، منشور بموقع (aljamaa.net)، بتاريخ 6 يوليوز 2005م، وشوهد في 4 ماي 2020م.
[6] طه، عبد الرحمن. الحق العربي في الاختلاف الفكري، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط2، 2006م، ص 34.
[7] ياسين، عبد السلام. “مأدبة اللئام”، مجلة الجماعة، مطبعة الساحل، الرباط، عدد 11، شعبان 1403ه/ماي 1983م، ص 3.