صلة الرحم وفخ “القابيلية”

Cover Image for صلة الرحم وفخ “القابيلية”
نشر بتاريخ
الجماعة.نت
الجماعة.نت

بقلم: إبراهيم أخساي

     تحظى صلة الرحم بأهمية عظيمة في ديننا الإسلامي الحنيف، فبتتبع القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة نجد أن صلة الرحم تعتبر من أعظم القربات الموصلة لرضا الرحمان، غير أنها قد تتعرض لفخاخ كثيرة تؤدي إلى قطيعتها و منها فخ “القابيلية” نسبة إلى قابيل الذي قتل أخاه هابيل.

أهمية صلة الرحم:

   وتتجلى هذه الأهمية في ما ورد في شأن تعظيمها والرفع من مكانتها في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، قال تعالى: واتقوا الله الذي تساءلون به و الأرحام 1، وفي حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: “الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني، وصله الله، ومن قطعني، قطعه الله” 2. قال القرطبي في كتابه (الجامع لأحكام القرآن): “اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة و أن قطيعتها محرمة”.

     من عموم الآيات والتوجيهات النبوية العطرة نخلص إلى أهمية صلة الرحم، ويكفي ترغيبا فيها، أن صلتها صلة لله، وقطيعتها قطيعة مع الله تعالى.  فالمؤمن السالك إلى الله تعالى، يجب أن يكون على حذر من السقوط في فخ القطيعة مع الأقربين من ذوي النسب والأصهار والذين أمرنا بالإحسان إليهم وإن قابلو إحساننا بالإعراض والإساءة. فشجرة الرحم تسقى بماء المحبة والأخوة والوصال، لتثمر القرب من الله تعالى وتقوية الروابط الاجتماعية بين أفراد الأسر والعائلات.

أسباب قطيعة الرحم أو “فخ القابيلية”

     بالوقوف بين يدي كلام الله تعالى، نجد قصّة قتل قابيل لأخيه هابيل ماثلة أمامنا، شاهدة على أسوء معاملة يمكن أن تقع بين الأخ وأخيه، ولتعطي لنا المثال على الأخ الحاسد المعتدي، من جهة، وعلى الأخ الصابر المحتسب الرافض لرد الاعتداء باعتداء مثله من جهة ثانية.

     يحكي لنا القرآن الكريم هذه القصة لما فيها من الدروس والعبر، قال تعالى: واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال: إنما يتقبل الله من المتقين، لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين، إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين 3.

   تحركت نار الحسد في صدر قابيل، لأن الله تقبل قربان أخيه، ولم يتقبل منه، وبدلا من مراجعة نفسه وتقويمها، وحملها على التقوى والاستقامة والخوف من الله، اختار متابعة نفسه الشريرة ومطاوعتها، قال تعالى: فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين 4.

     إذن “فالصراع لم يكن بين قابيل وهابيل، ولكن الصراع كان بين قابيل وبين نفسه الأمارة بالسوء، وبينه وبين النوازع الشريرة والإرادات الخبيثة، وكان الواجب أن يعمد قابيل إلى هذه الأهواء فيكبح جماحها ويخلص من أسرها، ولكنه عجز أمام ضعفه، وطغيان شهواته، وتحول إجرامه إلى قتل أخيه وهذا أعنف ضروب الحسد” 5.

     كم من الأسر والإخوان والأقارب تقطعت أرحامهم، وتمزقت روابطهم، وعلت عداوتهم، وملئت قلوبهم بكراهية بعضهم البعض، بسبب هذه النفس الأمارة بالسوء، التي تحسد الآخر على ما أنعم الله به عليه، نفس أشبه ما تكون بنفس قابيل، فيتفنن كل واحد بقتل أخيه بصور متعددة، والقتل قد يكون بالكلمة الجارحة، أو الإضرار بصحته أو ماله، أو الإساءة إلى عرضه لمزا وغمزا، أو استصغار نجاحاته وإنجازاته، أو السكوت عن نصيحته وتوجيهه إلى الخير، أو مقاطعته وعدم الكلام معه.

   ويمكن تلخيص خصائص الشخصية القابيلية فيما يلي:

– حسد الآخر على ما أعطاه الله تعالى.

– الانتصار للنفس ومتابعتها في غيها وظلمها.

– عدم الخوف من الله تعالى.

– رفض الموعظة والنصيحة.

– الاستهانة بسوء الخاتمة.

– الإضرار بالآخر والاعتداء عليه.

عاقبة “القابيلية”

     ذكرت الآيات أن عاقبة قتل قابيل لأخيه هابيل، هي الخسران و الندامة. الخسران لقوله تعالى: ﴿فقتله فأصبح من الخاسرين﴾.  والندامة لقوله تعالى: فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه، قال: يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين 6

     وقد حذر هابيل أخاه من سوء العاقبة، وأن فعله الشنيع بقتله سيجر عليه سوء العاقبة، فيدخل النار ويتحمل إثمه وإثم أخيه. إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين.

     تكفي هذه العاقبة الوخيمة، لزجر ذوي النفوس المريضة، والشريرة، عن ظلم من تربطهم بهم روابط الدم والمصاهرة، إنه الخسران والإثم والندامة في انتظار قاطع الرحم، وخصوصا إذا ترجم العداء إلى أفعال إجرامية مؤذية، حفظنا الله من سوء العاقبة.

النجاة من الفخ

     للنجاة من فخ “القابيلية” لا بد من الرجوع إلى النفس، وتربيتها على تقوى الله والخوف منه، وتجنب الحسد، لأن عاقبته وخيمة، قال تعالى: ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها 7.

     كما أن التركيز على الموقف الشجاع والصائب الذي جسده “هابيل” عندما نصح أخاه قائلا: لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين يجعل الانسان يقتفي أثره التسامحي، وقد عبر سيد قطب عن هذا النموذج أحسن تعبير قائلا: “و هكذا يرتسم نموذج من الوداعة والسلام والتقوى، في أشد المواقف استجابة للضمير الإنساني، وحماسة للمعتدى عليه ضد المعتدي، وإعجابا بهدوئه واطمئنانه أمام قدر الاعتداء، وتقوى قلبه وخوفه من رب العالمين” 8.

    ثم أضاف رحمه الله: “ولقد كان في هذا القول اللين ما يفتت الحقد ويهدئ الحسد ويسكن الشر ويمسح على الأعصاب المهتاجة ويرد صاحبها إلى حنان الأخوة وبشاشة الإيمان وحساسية التقوى” 9.

     ورغم فظاعة وشناعة وعدوانية قابيل، اختار هابيل سبيل السماحة والهدوء ورجح موقف الأخوة والإيمان والتقوى، وانتصر على نوازع الشر داخله، وترك كلمته الهادئة والقوية والمتسامحة ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك منارة لكل من تناوشته سهام إخوته.

     وللنجاة من فخ القطيعة، والحفاظ على صلة الرحم، لا بد من الكلمة الطيبة، والنظرة الحنونة، والمساعدة على نوائب الدهر، وفك كربة أخيك، والنصيحة القاصدة، والتواضع والزيارة بين الحين والآخر، وكف الأذى والصبر الجميل، والسؤال عن الأحوال، والخوف من الله.

     وفي الأخير

يجب الاهتمام بصلة الرحم وتقديرها حق قدرها، وألا ندع نوازع النفس تحرمنا من فضلها وأجرها، فالغاية وجه الله تعالى والقصد رضاه، فمن وصلها وصله الله تعالى ومن قطعها قطعه الله تعالى.

 والحمد لله رب العالمين.


[1] سورة النساء، آية 1.
[2] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها.
[3] سورة المائدة، من الآية 27 إلى 29.
[4] سورة المائدة، الآية 30.
[5] مع الأنبياء في القرآن الكريم، عفيف عبد الفتاح طبارة، ص 55.
[6] المائدة، الآية 31.
[7] سورة الشمس، من الآية 7 إلى 10.
[8] في ظلال القرآن، سيد قطب، تفسير سورة المائدة.
[9] نفسه.