شهر رمضان.. نِعَم عليها شُكر ولها أثر

Cover Image for شهر رمضان.. نِعَم عليها شُكر ولها أثر
نشر بتاريخ

كم هذا الإنسان محظوظ من بين المخلوقات؛ أكرمه الله بنعم كثيرة لا تعدّ ولا تحصى، قال تعالى: وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: 34].

هذه النعم أجملها علماؤنا الأجلاء في أربعة، لا تكاد تجد نعمة إلا وهي مندرجة ضمنها. وهي: نعمة الخلق والإيجاد، نعمة التسخير والإمداد، نعمة الهداية والإرشاد، ونعمة الطمأنينة والإسعاد.

شهر رمضان من بين هذه النِّعم التي تطفو على السّطح وتظهر للعيان، فرضه الله تعالى على المسلم المؤمن ليَنعم كلّ عام بخيره ويستمتع بأجوائه الروحانية، والربانية، والنورانية، والإيمانية.

شهر رمضان نعمة وفي طيّاته نعم أخرى كثيرة، يتقلّب فيها المسلم المؤمن بين ما هو مادي وما هو معنوي، تتوزع على طول نهاره وعرض ليله، لا يزهد فيها إلا محروم، ولا يَغفل عنها إلا مغبون.  

فإذا حاولنا أن نعدّها الواحدة تلو الأخرى لا نستطيع؛ لأنها كثيرة، ولذلك سنذكر بعضها مما تتسع له هذه الأسطر، وهي:

نعمة التوبة، ويا لها من نعمة عظيمة، هي رحمة من الله عز وجل لعباده، إذ يفتح لهم في هذا الشهر الفضيل أبوابها على مصراعيها، أن تعالوا إلى توبة نصوح، يقبلها ربنا منكم، ويفرح بها ويُحبّكم عليها. قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: 222].

نعمة العبادة؛ من صيام وقيام وذكر وتلاوة للقرآن، كان الإنسان يعجز على الإقبال عليها في الشهور الأخرى لضعف همّته وهوان إرادته، وها هو في شهر رمضان تراه صائما وقائما وذاكرا وتاليا للقرآن في صورة العابد الزاهد.

نعمة المساجد التي أصبح يعتادها صباح مساء، وهو فرح بدخولها عند كل وقت صلاة لا يتخلف ولا يتأخر، وقد كان لا يدخلها إلا أحيانا أو لا يدخلها إلا من جمعة لجمعة.

نعمه الإفطار الجماعي الأسري، يجتمع فيه المرء مع أسرته مسرورا سعيدا منضبطا بالوقت لا يتأخر، وقد كان من قبل يتأخر بسبب العمل وبغيره، وربما كان لا يرى أولاده الصغار حين عودته لأنهم ناموا.

نعمه الإحسان إلى الناس، إذ يفتح الله عز وجل قلبَ الإنسان الذي أصبح حيا بحياة الإيمان للخير والتصدق؛ إحساسا منه بواجب التضامن ومساعدة المحتاجين في هذا الشهر الكريم، وقد كان قبل ذلك شحيحا بخيلا لا يقدر على ذلك.

نعمة مجاهدة النفس التي لطالما وقفت عقبة كأداء في طريق الطاعة والعبادة وفعل الخيرات، وها هي الآن منصاعة قد أهلكها الجوع والعطش وكثرة العبادة.

نعمة الخيرات المعروضة على مائدة الإفطار من أصناف وألوان شتى ما بين طعام وشراب.

نعمة الدعاء الذي وعد الله به عباده الصائمين باستجابته إن هم رفعوا أكفّ الضراعة طلبا لما عند الله من رزق وهداية وفضل ورحمة وسعت كل شيء.

نعمة عبادة الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان وما فيها من أجر عظيم، فيها ليلة خير من ألف شهر.

نعمة عيد الفطر الذي تُوزع فيه الجوائز وتعلو فيه الفرحة على وجوه الصائمين والصائمات، وتغمُر السعادة قلوب المؤمنين والمؤمنات رضى بفضل الله عليهم وكرمه.

هذه النعم التي ذكرنا والتي لم نذكر ماذا تستوجب منا بعد أن شعرنا بها؟

إنها تستوجب منا قبل كل شيء شكر الله عز وجل عليها. نشكره سبحانه وتعالى عليها بكل أنواع الشكر، سواء أكان شكرا بالقول فنقول: الحمد لله والشكر لله على نعمه، أو كان بالقلب رضى وفرحا بها وحبّا لله عليها، أو كان بالعمل حرصا على أحب الأعمال إلى الله تعالى. وهذا أعلى مقام الشكر. يقول الله عز وجل: اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: 13]. ويقول ابن عطاء الله السكندري رحمه الله: “من لم يشكر النِّعم فقد تعرض لزوالها ومن شكرها فقد قيّدها بعقالها”.

كما تستوجب منا أيضا أن نحب الله تعالى عليها، فإن من طبيعة النفس البشرية أن تحب من يحسن إليها، وهل هناك من محسن أعظم وأجلّ من الله تعالى. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي”. رواه الترمذي والحاكم وصححه.

ثم هذه النّعم إلى جانب شكر الله وحبّه عليها، يجب أن تترك على الشاكرين المحبين الأثر الإيجابي في سلوكهم ما بعد شهر رمضان، وهذا هو المقصد الأعظم من هذه المدرسة المثالية. فنعيش هذه الأجواء بكل معانيها الإيمانية والأخلاقية كما كانت في شهر رمضان أو قريبا منها على الأقل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ اللَّهَ يحبُّ أن يُرى أثرُ نعمتِهِ على عبدِهِ”. أخرجه الترمذي بلفظه والإمام أحمد والحاكم. وهو حديث حسن. وعن أبي الأحوص أن أباه أتى النبي ﷺ وهو أشعث سيئ الهيئة، فقال له رسول الله ﷺ: “أما لك مال؟” قال: من كل المال قد آتاني الله، فقال: “فإن الله إذا أنعم على عبد نعمة أحبّ أن تُرى عليه”. أخرجه أحمد والنسائي وإسناده قوي.

فهذه نعمة المال تظهر في سمت حسن وهيئة حسنة، فكيف بنعمة الصيام والقيام والذكر وتلاوة القرآن والاعتكاف ومجاهدة النفس لشهر كامل. لا شكرا يُذكر إن لم يكن الأثر باد على المسلم المؤمن في المخبر وعلى المظهر.

اللهم اجعلنا ممن يسعد بهذه النعم وبدوامها، واجعلنا ممن يؤدي شكر الله عليها، واجعلنا ممن يُرى أثرُها عليهم كما يحب ربنا ويرضى. اللهم آمين.