بعد يوم حافل بأعباء البيت، جلست أسترق لحظة هدوء في شرفة المنزل المطلة على حديقتي الصغيرة، حيث تقف أشجار الزيتون شامخة كأنها تحرس سكينة المكان، وقد أعددت “برادا” من الشاي المعطر بالنعناع، وأرفقته بقطعة خبز محمصة وقليل من الزيت، وطبق صغير من الزيتون الأسود الذي لا تغيب بركته عن مائدتي.
أعشق هذه الجلسة لسكونها، حيث لا يسمع فيها سوى حفيف الأوراق ورشفات الشاي الدافئة وسط أحضان لوحة طبيعية آسرة؛ يطوقها الزيتون من كل جانب.
في لحظات الجمال تلك، وبينما كنت أستمتع بروعة المشهد ومذاق الزيتون المميز، استوقفتني نواة الزيتونة بين أناملي، ظللت أقلبها في هدوء، فاستدرجت شرودي إلى ما يختزنه الزيتون من رمزية الصمود في أرض اقترن اسمها بهذه الشجرة المباركة، ومن حيث لا أشعر وجدتني في فلسطين، تتزاحم في خلدي صور الأسيرات الفلسطينيات وما يلاقينه من تعذيب وإذلال، وتنهال معها الأسئلة تباعا.
كيف تعيش أولئك النسوة صيفهن خلف الجدران الإسمنتية؟ وكيف يحتملن حرارة الزنازين الضيقة وهواءها الخانق في ظل شح الماء وضيق المكان والحرمان من أبسط أسباب الراحة؟ بل كيف يغدو الصيف حين يتحول الحر ذاته إلى وجه آخر من وجوه المعاناة؟
ومع كل سؤال كانت نواة الزيتون بين أناملي تفتح أمام مخيلتي وجوها لم أرها من قبل، لكنني أحسست بقربها؛ قد تكون “هدى” تلك التي تقلب بين أناملها سبحة صنعتها الأسيرات من نوى الزيتون المتبقي من وجباتهن الشحيحة، وكأني بها تقلب الحبات الصغيرة في كفها بهدوء، وكل حبة تختزن دعاء وكل تسبيحة تحمل حنينا لأم أو ولد أو بيت فارقته ومعها يقينها الراسخ بأن الله لا يضيع أجر الصابرين.
وفي الجانب الآخر من الزنزانة، تجمع “سارة” بقايا خيوط القماش الملونة على طاولة خشبية صغيرة، لتنسج منها فاصل كتاب مطرز بنقوش فلسطينية أصيلة، تغزل أملا، وتطرز بين الثقوب آية من كتاب الله، وكأنها تفتح بها نافذة صغيرة نحو الحرية.
في ذلك المكان، حيث تتباطأ الساعات وتثقل الأيام، تمضي الحياة بإيقاع مختلف؛ تتشبث الأسيرات بما تبقى لهن من تفاصيل صغيرة، يصنعن منها معنى يخفف وطأة الأسر، ويستخرجن من أبسط الأشياء ما يعين الأرواح على البقاء متماسكة، حتى نواة الزيتون التي قد تبدو في أعين الآخرين شيئا لا يلتفت إليه، تصبح في أيديهن علامة صبر ووسيلة لاستحضار الله في كل حين.
وحيث يشتد حر الصيف على الجدران كما الأجساد، وتزداد قسوة الأسر مع القيظ، تقتسم الأسيرات ما تيسر من الماء ويتقاسمن الصبر كما يتقاسمن الدعاء، يجلسن متساندات يرتلن ما حفظن من القرآن بصوت خافت؛ يضيق السجن بأجسادهن، لكنه يتسع بإيمانهن، وتغدو نوى الزيتون سبحة صامتة تلهج بها القلوب، وشاهدا على أن الحياة قادرة على أن تورق حتى من خلف القضبان.
أفقت من شرودي، وكان كوب الشاي ما يزال أمامي، والزيتون في طبقي على حاله، وأغصان الأشجار من حولي تتمايل مع النسيم العليل وكأن شيئا لم يكن. غير أن شيئا عميقا في داخلي قد تغيّر، وكأن الذي عاد إلى هذه الشرفة لم يكن إلا الجسد.
أدرت نواة الزيتون طويلا بين أناملي؛ وأدركت أن ما أحمله ليس النواة ذاتها، إنه الرمز الذي يربط بين عالمين؛ هنا ثمرة تنضج في أمان وتمنحنا ظلا نستريح إليه، ومائدة تجمع شمل الأسرة، وهناك تمنح الأسيرات ما هو أبقى؛ تمنحهن من نواها ما يبقي الذكر حيا في القلوب، والرجاء موصولا بالله مهما ضاقت الزنازين واشتد الحر وطال الانتظار.
وبين واقعنا في مغربنا الأقصى، والواقع هناك في أرض المسجد الأقصى، حري بنا أن ندرك أن تفاصيل حياتنا التي نراها عادية، إنما هي نعم جليلة تستوجب الحمد في كل وقت وحين، ومن تمام شكر هذه النعم ألا ننسى نساء يخضن في هذه اللحظة صيفا قاهرا؛ لا يخفف حرارته ظل ولا يبدد وحشته إلا القرآن والدعاء، ويقين راسخ لا تقيده السلاسل.