سنة الله في التغيير

Cover Image for سنة الله في التغيير
نشر بتاريخ

إن الحاجة إلى التغيير حاجة مرتبطة بفطرة الإنسان وغريزته، فهو سنة كونية تدور مع الإنسان حيث دار، وإرادة التغيير والطموح إليه بمفهومه العام يعد مشتركا إنسانيا، إذ الكل يستشعر السعادة والانشراح عند كل تحول إيجابي يلحق حياته.

إلا أن حقيقة التغيير وطبيعته أمر يختلف فيه البشر تبعا لاختلافهم في الأفهام والمدارك والتصورات والمواقف حول طبيعة الإنسان نفسه وسر وجوده.

فمن يرى أن الإنسان مجرد كائن مادي لا يخرج عن كونه امتدادا للظواهر الطبيعية، أو مجرد حيوان تتحكم فيه غرائزه اعتبر أن التغيير الإيجابي يكمن في تحقيق الحاجات الفزيولوجية له، ومن ثم اقتصروا على الجوانب المادية الطينية البدنية، وركزوا على كل ما يجلب المصلحة الدنيوية للإنسان في واقعه ومعاشه فعملوا على إصلاح أوضاعه المادية، وإحداث تحولات على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي. مجرد تغيير هيكلي خارجي وظاهري يقف عند حدود الدنيا ( ذلك مبلغهم من العلم)

أما من يرى أن الإنسان( هو كل من عرف الحق فاعتقده والخير فعمله بحسب وسعه) كما عرفه الراغب الأصفهاني اعتقد أنه كائن خلقه الله، وهبه الحياة وسخر له الكون وطلب منه إعماره وفق أحكام وقواعد شرعها الله لهم وفصلها لهم وبينها عن طريق إرسال رسله وذلك لتحقيق مصالحه الدنيوية والأخروية، ومن ثم اعتبر أن التغيير اللازم يجب أن يلحق الإنسان أصالة ثم واقعه تبعا. تغيير شامل جوهر ومظهر.

الوحي يجيب عن سؤال التغيير

إن الأسئلة المتعلقة بالتغيير من قبيل ماذا نغير؟ ولماذا؟ ومن أين يبدأ؟ وبأي أسلوب؟ أجابنا عنها الوحي بشكل واضح صريح ومحكم لا يقبل تأويلا ولا نسخا ولا تبديلا إنها سنة الله في التغيير بادية تغني عن كثرة البحث والتنقيب والتحليل. قال تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال الرعد11 وقال تعالى: ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم الأنفال 53 في الآيتين معا تأكيد لأمر واحد هو أن تغيير أحوال الأقوام وواقعهم يكون بيده سبحانه وبأمر منه وتقدير، ولكن وضع شرطا ليجعله سببا وهو تغيير ما بالنفس، فلا يزعم أحد التغيير خارج هذه القاعدة الربانية القطعية، الجواب الفصيح الصريح أن تغيير واقع الإنسان يستلزم بالضرورة تغيير نفس الإنسان، وتغيير نفس الإنسان يقتضي معرفة ماهية هذه النفس ومكوناتها.

حقيقة النفس الإنسانية

إن النفس الإنسانية نتيجة اندماج عنصريين أساسسين الجسد والروح، جسد طيني وروح نورانية يكونان وحدة متكاملة تسمى إنسانا ومن ثم يكون الإنسان تتجاذبه قوتان: قوة الطبيعة المادية الطينية للجسد وتربطه بكل ما هو مادي، وقوة الطبيعة الروحية تمثل عنصر ارتباط الإنسان بكل ما هو روحي فيتحقق بذلك التوازن في الشخصية الإنسانية، والتغيير إن اقتصر على عنصر واحد كان ناقصا، يتحقق له الكمال إن لحق روح الإنسان وجسد الإنسان. روح الإنسان موضع الاعتقاد، ومكمن الفكر الراسخ، ومستقر القناعات، وجسد الإنسان موضع الاقتحام ومركز الزحف نحو الأفضل.

الروح وتغيير الموقف

أكد الأستاذ عبد السلام ياسين في غير ما موضع أن أي تغيير في الواقع يجب أن يركز أولا على تصحيح نظرة الإنسان إلى نفسه، وموقفه من حياته، ومعرفته لمعنى وجوده وغاية حضوره ومغزى عيشه ومعرفة مصيره ومآله، التغيير يبدأ من تحول نظرة الإنسان الضيقة لماهيته باعتباره آلة ومادة وتحول تصوره للحياة والكون ووظيفته في هذا الكون.

إن استطاع الإنسان كل إنسان أن يقف على عتبة الفطرة فيسألها سؤالا فطريا، لماذا أنا هنا، ما مهمتي، إلى أين أسير… والمآل بعد انسلاخ الروح عن الجسد، إن استطاع أن يجيب معتمدا على مصادر يقينية ومراجع قطعية موثوقة هي وحي من عند الله كان أقدر على تغيير مفاهيمه نحو نفسه ونحو الواقع الذي يعيشه ونحو الآخر الذي يعيش معه، وامتلك مفاتيح الأقفال التي تسد أبواب العيش في توازن وأمن وسلم ويقين. يعرف أنه لم يخلق عبثا ليعيش العبث، بل خلقه الله لغاية محددة وفق قواعد محددة. خلق لعبادة الله وتحقيق الخلافة فيها متجاوزا بذلك عوامل التلوث المعرفي الذي يحيد بفطرة الإنسان عن أصلها هذا هو الهدف، هذه هي الغاية. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في كتابه إمامة الأمة: الترتيب الفطري للإنسان يرفع القلب إلى مقام الإمارة، ويجعل العقل وزيرا له والحواس خدمه، فإذا فسدت الفطرة تأمر العقل، وتمرد القلب ومعانيه، وهذا فساد العقل الفلسفي العبثي. فإن فسدت الفطرة الفساد التالي للفساد الأول، الملازم له، الناتج عنه، تأمر الهوى بشهواته، وسخر العقل لأغراضه، وطرد معاني القلب) 1

تؤمن الروح عن قناعة راسخة ويقظة فكرية أن التغيير الجذري يبدأ من إدراك الإنسان لنفسه، وللعالمين الدنيوي والأخروي، وللمسؤولية بين يدي الله بعد الموت. هذا هو مضمون رسالة القرآن الخالدة إلينا، ما خلق الله الخلق إلا ليعبدوه فإن ضيعوا هذه الغاية فكل تغيير دونها لا حساب به ولا وزن له في حياة البشرية… رسالة القرآن إلى الإنسان أن يغير موقفه، وينتبه لمصيره، ويقبل على نفسه يغير ما بها لتقبل على ربها ) 2

الجسد وتحرير الإرادة

بعد أن يدرك الإنسان بروحه وعقله حقيقة أنه عبد لله مكلف بإصلاح الأرض وإعمارها وفق ما شرعه الله له من أحكام وما حد له من حدود لا يرضى بالقعود بل تتحرك إرادته نحو فعل مؤثر في الواقع إذ أن التغيير لا يتحقق بالأماني المعسولة ولا بالأحلام في عالم التيه والغفلة، بل بالتشمير على سواعد الجد وقفز على الحواجز ودفع للعوائق، إنه قوة إرادة اقتحام العقبات، التي تتمثل في ذلك الإنسان الذي لا يعرف من هو ولا يسأل عن معنى حاله وإن كان يعرف أن الموت مآله، وذلك الإنسان الغارق في الملذات المنبهر بمنتجات الحضارة المادية الحديثة، أو ذلك الإنسان الذي يحسب أنه اصطفاه الله أو الناس للتحكم في رقاب عباد الله، له الأمر من قبل ومن بعد، أو ذلك الإنسان المغلوب على أمره يعيش تحت سلطة القهر والظلم و الذل لا يملك ما يسد به حاجته خاملا راضيا بنصيبه وحاله، ينتظر ما يلقى إليه من فتات.

أو ذلك الإنسان الذي سمى نفسه مثقفا فملأ عقله بالعبثية الفلسفية اللاعقلية التي تعتقد بألوهية الطبيعة وربوبية المادية وقداسة نصوص بشرية، إن حدثته عن نصوص وحي إلهي رفع صوته عاليا ليسمعه غيره: عهدها ولى، هذا إن آمن بأن لها عهدا أصلا.

أو ذلك الإنسان الذي تملكه حماسته فينطلق نحو المطالبة بتغيير بنى المجتمع وسياسته واقتصاده وطرق تعليمه وإصلاح دستوره وتفعيل قوانينه من أجل العيش في كرامة وحرية وكفى.

تغيير هذه الذهنيات وغيرها كثير يحتاج إلى جندية تملك من المؤهلات الأخلاقية والعلمية ما يجعلها قادرة على تغيير المنكر بالمعروف، وإحلال الحق محل الباطن) بكل رفق بعيدا عن كل عنف، تتقن فن الاختلاف وتدبير الخلاف. وتحسن أساليب الإقناع والجدال بالتي هي أحسن، تتشوف للحصول على ثقة الأمة، وتتشرف بخدمتها، وتعمل على تعبئتها لتنخرط بقوة في مشروع التغيير بدوافع إيمانية وبواعث قلبية خالصة وتساهم في دفع خطر دين الانقياد السالب لإرادة الفعل وهجر الغثائية سبب تداعي الأمم عليها. لأن أخطر مرض يهدد الأمة هو حب الدنيا والأنانية المستعلية والمصالح الخاصة والبحث عن الخلاص الفردي وإن كان على حساب الخلاص الجماعي. وأخطر منه وجود من يقاوم التغيير ويسفهه ويدعم الاستقالة من وظيفة الاهتمام بأمر الأمة. سياسة واقتصادا وحكما وقضاء وتعليما… مما يستدعي نفيرا عاما نحو الإصلاح ومزاحمة أهل الدنيا في اكتساب علوم الدنيا إذ أن القرآن لا يتنكب لحقائق الاقتصاد، والعدل في القسمة، والجد في العمل المنتج، بل يعطيها حقها باعتبارها شروطا مادية لحياة الإنسان العابر المسافر لابد له من زاد، ولابد له من إنتاج هذا الزاد، والسهر على حسن قسمته لئلا يمضي العمر في النزاع حول الوسائل، ولئلا تحجب عن الإنسان أهداف المعاش غاية المعاد) 3

تغيير واقع الإنسان ليس الهدف المقصود

إن تغيير واقع الإنسان ليس هدفا في حد ذاته بل القصد منه إيجاد جو مناسب وبيئة سليمة صالحة لممارسة الحق الطبيعي في معرفة الله وعبادته، وفي القيام بوظيفته الوجودية على أكمل وجه، الغاية من التغيير إنقاذ الإنسان من الغفلة المحدقة به الصارفة له عن الله، الحارمة له من السعادة التامة، فما يحسن أحوال معاش الإنسان من تنمية اقتصادية وحرية سياسية وفاعلية اجتماعية، لا تعدو أن تكون وسائل تساعد على استقرار حياته حتى يسمع نداء الله فيستجيب لدعوة الله

إن التغيير الذي ننشده هو العودة بالإنسان إلى فطرته السليمة ليذوق طعم الحياة الطيبة في الحال والمآل، هذا هو خط الانطلاق في سباق الحياة، ومن تجاوزه لن يكون الفائز حتى وإن احتل المركز الأول.


[1] إمامة الأمة ص 125
[2] إمامة الأمة ص88 بتصرف
[3] إمامة الأمة ص 87