6- البِرُّ: الإحسان إلى الإنسان
الإحسان إلى خلق الله تعالى يبدأ من علاقتنا مع الخالق، في عبادتنا، في خَشْيتنا وفي إخلاصنا، فحين يُذكر الإحسان فإنّنا لا نتحدث عن معروف يُقدَّم، بل عن قلب ينبض بحب الخير، وعينٍ ترى الجمال في العطاء، ونفسٍ تطمئن حين تُسعد الآخرين، قال الله تعالى في كتابه الكريم: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. فهل هناك أعظم من أن يُدرج المؤمن الصائم في قائمة من يُحبهم الله؟
من مقاصد الصيام الجليلة أن فيه تجربة لمقاساة الحرمان والجوع، وغرس الرحمة بطريق عملي في القلوب للإحساس بالفقير الجائع، والمسكين الضائع، واليتيم المكسور، والمعيل المقهور، فتسارع الرقة إلى قلوب مَنْ مَنَّ الله عليهم بأرزاق وبركات، وتتهيأ أنفسهم لمواساة الفقراء والمساكين والمحتاجين بالبذل والجود والإحسان، فتقوى عزائمهم، وتعلو هممهم، ويزداد إيمانهم، ويقتربون من ربهم، وبهذا يتحقق التكافل الاجتماعي وتتوثق الروابط بين أبناء المجتمع.
مجموع الفرقان والبيان يعطينا أن البرَّ مُخالقة خلق الله تعالى من ذوي القربى والمحتاجين والمساكين بأخلاق البذل والجود والإكرام ببواعث الإيمان والإحسان وإرادة الخير للآخر. البِرُّ سلوك متماسك أخلاقي ديني اقتصادي اجتماعي، في البأساء والضراء وحين البأس. جاء في الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: “يا ابن آدم! مرضتُ فلم تَعُدني! قال: يا رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم! استطعمتك فلم تطعمني! قال: يا رب! وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم! استسقيتك فلم تسقني! قال: يا رب! كيف أسقيك، وأنت رب العالمين؟! قال: استسْقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي؟” 1 فهل هناك أبلغُ من هذا البيان للدلالة على الأهمية القُصوى لإسداء الخير إلى الناس، وعلوّ مرتبة الإحسان إلى الخلق عند الله؟ وهل ترك لنا القرآن الكريم مطلبا من مطالب البرِّ إلا بينه في قوله عز وجل: لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ[ سورة البقرة، الآية: 177].
البر حسن الخلق كما جاء في الحديث النبوي الشريف. فلا بد من تربية النفوس على البذل والعطاء -بعد تطهيرها من البخل والشح وحب الذات- حتى تتخلق بأخلاق الله، فكلما اعتاد الإنسان البذل والعطاء ارتقى من حضيض الشح الإنساني إلى أفق الكمال الرباني، فإن من صفات الحق سبحانه إفاضة الخير والرحمة على عباده دون نفع يعود عليه. إنها عبادة تُقَرِّب إلى الله تعالى من طريق المعاملة معه سبحانه في خلقه منبعثة من رحمة قلبية؛ يشعر العبد بفضل الله عليه فتتفجر ينابيع الخير من قلبه فيريده لغيره.
فيجب أن يكون حال الأمة كحال نبيها صلى الله عليه وسلم؛ حيث كان من أبلَغِ الناس في العَطاء والإنفاق، وكان أكثر الناس جوداً وسخاءً وعطاءً وكرماً في شهر رمضان كما أخبرنا سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجودَ الناس، كان أجود ما يكونُ في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريلُ يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيُدارسه القرآن، فلَرسولُ الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريلُ أجودُ بالخير مِن الريحِ المُرسَلة 2 كان صلى الله عليه وسلم أسخى ببذل المال من سرعة الريح المرسلة، وهذه الريح يعم خيرها جميع الخلق من مؤمن وكافر وفاجر، وكذلك عليه الصلاة وأفضل التسليم عمَّ هديه وخيره وجوده وأخلاقه وسنته جميع خلق الله تعالى. فقد كان يؤثر غيره على نفسه وأهله وأولاده فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك، يعطي قبل السؤال، ولا يتأخر عنه بعد السؤال، سواء كان هذا العطاء ماديا أو معنويا.
7- رمضان: منطلق الوحدة والنهضة
شهر رمضان يبني روح الجماعة والشعور بالوحدة والتماسك والترابط بين المسلمين، ويحذر من الفُرقة عبر شعائر مشتركة منها: (الصيام ورؤية الهلال). فرمضان ليس مجرد عبادة فردية للصيام والقيام، بل هو محطة سنوية موحدة لبناء الأمة وتوحيدها وتحفيزها للتغيير الإيجابي؛ من الكسل إلى العمل، ومن الضعف إلى القوة، ومن الفرقة إلى الوحدة عبر الاستفادة من الروحانيات والفيوضات الربانية التي تزيد العزيمة وتقوي الإرادة وتدفع نحو النصر والتمكين، واستثمار فضائل الشهر الكريم، وتذكر أمجاد الانتصارات التي تحققت فيه وأخذ العبرة والدروس منها من أجل النهوض بواجب نصرة المستضعفين والتحرر من التبعية وإسقاط الفساد، لتعود الأمة لخيريتها كما جاء في قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ[سورة آل عمران: 110] وتعود لقيادة العالم بنور كتاب ربها ونور اتباع سنة نبيها.
ولا يتصور أن تكون هناك نهضة كبيرة ورقي صحيح، ولا ينهض جسم الأمة العليل المفكَّك، والبنية الاجتماعية متصدعة. لذا كان من مقاصد الصوم اكتساب الصائم شعورا اجتماعيا وتلاحمًا أخويًا، حيث يوحد الصيام أوقات العبادة (الإمساك والإفطار)، ويقوي الروابط بين المسلمين عبر التجمعات (كالصلاة والتراويح)، وينمي في الإنسان الشعور بأخيه، وتلمس حاجاته، ويغرس قيم التكافل والتآزر والتراحم، ويذيب الفوارق، ويحقق العدل مما يرفع درجة الترابط المجتمعي الذي هو لبنة أساسية في بناء النهضة.
على الأمة أن تعلم أن الدين جهاد شامل، جميع أركانه منبثقة عن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وهي شهادة تحرر من عبودية البشر، وظلم البشر، وحكم الجائر. فالأمة التي تُحسن الصيام والقيام، وتُحسن الصلاة وتقيمها لخالقها وحده سبحانه، وتسعى لتحقيق العدل، وتقاوم الفساد، وتتهمّم بالمستضعفين أينما كانوا وتخلص في العمل، استناداً إلى أن الإحسان لا يكتمل بدون عدل، وأن رمضان يجمع بين العبادة والعمل. هذه أمةٌ لا يمكن هزيمتها أبدًا، والاستخلاف والتمكين حليفها مصداقا لوعد الله ربها عز وجل ووعده حق: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[سورة النور؛ الآية: 55]
8- ختاما: رمضان مضمار السباق
قال الله تعالى: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ[سورة المطففين؛ الآية: 26].
يقول الحسن البصري (رحمه الله): “إن الله جعل شهر رمضان مِضْمارا لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا! فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون! ويخسر فيه المبطلون”! 3
وَوصْفُ الحسن البصري لرمضان بـ ”مِضْمار الخلق” يؤكده حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي ﷺ حين قال، وقد حضر رمضان: “أتاكم رمضانٌ، شهرُ بركةٍ، يغشاكم اللهُ فيه، فَيُنزِلُ الرحمةَ، ويَحُطُّ الخطايا ويَستجيب فيه الدعاءَ، وينظر اللهُ تعالَى إلى تنافُسِكم فيه، ويُباهي بكم ملائكتَه، فأَرُوا اللهَ من أنفُسِكم خيرًا، فإنَّ الشَّقِيَّ من حُرِمَ فيه رحمةَ اللهِ عزَّ وجلَّ”. 4
فلقد سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته في العشر الأواخر من شهر رمضان سُنة الاعتكاف من أجل التفرغ والاجتهاد في العبادة والطاعة، والزيادة في الإقبال على الله عز وجل، والتماس ليلة القدر المباركة لما فيها من عطاءات وبركات وخيرات. لا شك أن هذه الليلة فرصة نادرة بل هي فرصة العمر بحق، جعلت الصائمين يتسابقون للظفر بها، والقائمين يتنافسون للفوز بها. أخبرنا الله عز وجل قائلا: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ[سورة فصلت؛ الآية: 35].
فينبغي للمؤمن أن يعرف شرف زمانه، وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل. فهو شهر قصير لا يحتمل التقصير، وقُدومه عُبور لا يقبل الفُتور.
اللهم أنهض هممنا إليك لطلب ما عندك، وحقق رجاءنا بقربك، ولا تجعلنا من المحرومين.
آمين يا رب العالمين.
[2] رواه الإمام البخاري ومسلم رحمهما الله.
[3] ذكره ابن رجب رحمه الله في كتابه “لطائف المعارف، ص: “232، وذكره الإمام الغزاليّ في كتابه “إحياء علوم الدّين.
[4] ذكره المنذري في (الترغيب والترهيب) باب الترغيب في صيام رمضان برقم 1490، وقال رواه الطبراني في مسند الشاميين للطبراني (3/ 271).