3- الصيام: الانتقال من مقام الحضور إلى مقام الحبور
السر العظيم في رمضان أنه يدرّب النفس على استشعار نظر الله ومراقبته، ويعوّدها الانضباط الخلقي في الخلوات قبل الجلوات، وقد هيأ الله لذلك أسبابه ووسائله، فرفع عن الصائم كل المشوشات والموانع التي تشد الإنسان إلى الأرض وتقيده بالماديات، وتحجبه عن معرفة فطرته السليمة التي فطر الله الناس عليها، وتمنعه من استحضار رقابة خلقه ومولاه. هذه الرقابة تتجلى في مشهد عظيم؛ ذلك أن المؤمن الصائم بإمكانه أن يشرب ويأكل ويزني خاليا، ولكن لا يفعل ذلك، إما خوفا من العقاب وهذه درجة، أعلى منها لا يفعل ذلك من أجل مولاه حياء منه وطمعا في حُبّه والتقرب منه.
إن الصيام عبادة تقيم العبد في مقام الحضور والمراقبة، وفي ذلك قال العالم الفقيه الرباني، عبد الله بن الصديق رحمه الله تعالى: (إن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الرب جل جلاله. فلما تقرب الصائم إليه بما يوافق صفة من صفاته أضافه إليه. قال القرطبي معناه: أن أعمال العباد مناسبة لأحوالهم إلا الصيام فإنه مناسب لصفة من صفات الحق. كأنه يقول: إن الصائم يتقرب إليّ بأمر هو متعلق بصفة من صفاتي) 1
ولهذا جعل الله تعالى أجر الصيام سرا عظيما لم يطلع عليه أحد من ملائكته أو أنبيائه أو خلقه، ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه: “… يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي الصِّيَامُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا” 2 فبين سبحانه وتعالى عطاءه المُبهر: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[ السجدة: 17]. ثم بين سبحانه ما ادّخر لعباده الصائمين في الجنة من النعيم، والخيرات، واللذات ما لم يطّلع عليه أحد من الخلق على لسان الترجمان النبوي القائل صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: “يقول الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاقرؤوا إن شئتم: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين” 3لا إله إلا الله والله أكبر!
4- القرآن الكريم: كلام الله لتزكية قلوب عباده
أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم الفرقان لنقرأه تدبرا، ونتأمله تبصرا، ونسعد به تذكرا، فهو كتابه الدال عليه، وطريقه الموصلة إليه، ونوره المبين الذي أشرقت له الظلمات، ورحمته المهداة، التي بها صلاح جميع المخلوقات، وهو الصراط المستقيم، والذكر الحكيم، كلما ازدادت البصائر فيه تأملا وتفكرا، زادها هداية وتبصرا.
فالتالي للقرآن الكريم يجب أن يعلم أنَّ ما يقرأه وحي من الله تعالى وأنَّ فَهْم أصل الكلام يُفضي إلى تعظيم المتكلم، فهذا يستوجب آدابا وتعظيما واستجابة؛ فكما أن ظاهر المصحف محروس عن ظاهر بشرة اللامس إلا إذا كان متطهرا، فباطن معناه أيضا بحكم عزه وجلاله محجوب عن باطن القلب إلا إذا كان متطهرا عن كل رجس. قال الله تعالى: لا يمسه إلا المطهرون[سورة الواقعة، الآية 71]. يقول سيدنا عثمان ابن عفان رضي الله عنه: “لَوْ طَهُرَتْ قُلُوبُكُمْ مَا شَبِعَتْ مِنْ كَلاَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ” 4.
فحريٌّ بنا ولاسيما في هذا الشهر المبارك والموسم العظيم أن نعظم القرآن الكريم ونقدره حق قدره ونتلوه حق تلاوته؛ بتدبر آياته والتفكر والتعقل لمعانيه وبالعمل بما يقتضيه. فعلينا تلقيه بالقبول والتسليم والانقياد والتعظيم، وأن نهتدي بنوره إلى الصراط المستقيم، وأن نُقبِل عليه بالتعلم والتعليم والعمل به. افتتح ابن القيم رحمه الله كتابه “الفوائد” بفائدة سماها (قاعدة جليلة) قال فيها: “إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم” 5 فائدة جليلة تتضمن كلاما عميقا ملهما من قول ربنا عز وجل: إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ[سورة ق، الآية:37].
فتحقيق العبودية لله عز وجل حقاً وصدقاً لن تكون إلا إذا شعر المؤمنون بأن القرآن هو المنهج الرباني الذي أنزله سبحانه وتعالى إلى البشرية حتى يكون لهم دستوراً ومرشداً، يهديهم للحق ويحكم بالعدل، ويحقق الإحسان. وأنه الحبل الممدود بين العبد وربه، وأنه نور وبرهان، ونصر وتمكين للفرد والمجتمع والأمة. فهذا القرآن رسائل أتتنا من قبل ربنا عز وجل، يتدبرها المؤمن في الصلوات، ويقف عليها في الخلوات، وينفذّها في الطاعات ويتلمس أثرها في الحياة.
عن ابن أبي مليكة (رجل من التابعين رحمه الله تعالى) قال: “كان عِكْرمةُ بنُ أبي جَهلٍ يأخُذُ المُصحَفَ فيَضَعُه على وَجهِه ويَبْكي ويَقولُ: «كَلامُ ربِّي كِتابُ ربِّي” 6.
فينبغي أن يرتقي القارئ من درجة قراءة القرآن من أوله إلى آخره من أجل ختمه والفوز بحسناته، إلى درجة حسن تلاوة كلام ربه، وتدبر معانيه وفهم مقاصده والعمل به، لينال الهداية ونور البصيرة، فيشاهد حقائق القرآن، وأسرار الخالق في كتابيه: المسطور (الوحي) والمنظور (الكون) فيحصل له من الذكر القلبي لله ولجلاله ما يفيض ذلك على لسانه وجوارحه. قال تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ[سورة ص، الآية: 28].
5- القيام: ليل المقربين ومحراب العابدين
إن التقرب إلى الله تعالى يتم بأحب الأعمال إلى الله ورسوله، كما كان الصحابة يسألون عن أحب الأعمال إلى الله وأحب الأعمال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكي يتاجروا مع الله تعالى ويفوزوا بالزلفى والقربى. ومن هذه الأعمال الجليلة القريبة المُقربة (قيام الليل). وهو أفضل صلاة بعد الفريضة لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل.” 7 ويخبرنا سيدنا عمرو بن عبسة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “أقربُ ما يكونُ الربُّ من العبدِ في جوفِ الليلِ الآخرِ فإِنِ استطعْتَ أن تكونَ ممن يذكرُ اللهَ في تلْكَ الساعَةِ فكُنْ” 8
قيام الليل مدرسة تربوية عظيمة، لها بالغ الأثر في سلوك الفرد نحو استكمال الإيمان وبلوغ مقامات الإحسان، وفي سلوك الجماعة المجاهدة نحو تحقيق العدل الشامل، وبناء الأمة الموعودة بالاستخلاف والتمكين في الأرض، وتأهيلها لقيادة العالم وسيادته، فبِهِ رَبَّى الله تعالى الجيل الأول من الصحابة الكرام وزكاهم ورقاهم وجهزهم لتحمل مشاق الدعوة وأعبائها.
فبداية التزكية ومُنطلقها الوقوف بين يدي رب العزة جلّ جلاله عندما ينزل إلى السماء الدنيا كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: “يَنْـزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ” 9 ولقد كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وكان معروفا بشدة اتباعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل ثم يقول لتلميذه نافع أسحرنا؟ -أي دخلنا في السحر – فيقول له: لا، فيعاود الصلاة، ثم يقول: يا نافع أسحرنا؟ فيقول: نعم، فيقعد ويستغفر، ويدعو حتى الصبح [أخرج الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير أسد بن موسى، وهو ثقة]. كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون. هكذا كان حالهم رضي الله عنهم.
إن العبد الصادق السالك الذي تنور قلبه بنور الإيمان والطاعات يعلم أن قيام الليل بأنواع الطاعات هو عبادة عظيمة وسُنة الأنبياء والمرسلين وهو منهج وطريق أولياء الله العارفين وعباده الصالحين. كانوا رضي الله عنهم لا يتركون قيام الليل لما يجدون فيه من أنس ولذة وسعادة وحلاوة في مناجاتهم لخالقهم بالذكر وقراءة القرءان والاستغفار بالأسحار، قُدْوتُهم في ذلك النبيّ الأعظم صلى الله عليه وسلم الذي كانت قرة عينه في الصلاة.
وهو من أعظم الوصايا التي كان عباد الله الصالحون يوصون بها. وهذه وصية أم سليمان بن داود عليهما السلام وكانت من العابدات الصالحات تؤدي الواجبات وتجتنب المحرمات وتكثر من قيام الليل في طاعة الله عز وجل، قالت لابنها سليمان عليه السلام: “يا بني! لا تكثر النوم بالليل فإن كثرة النوم بالليل تترك الرجل فقيرًا يوم القيامة “. 10
فهو قرة عين أحباب الله المتقين الولهين بطاعته، وبستان العابدين، وثمرة نفوس الخاشعين المتبتلين، ومحك أحوال الصادقين، وميزان أحوال السالكين، وهو طريق للمعالي ولنيل الدرجات العلى في جنات النعيم مصداقا لقول الله تبارك وتعالى في وصف عباده الأخيار: إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ ءَاخِذِينَ مَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُحۡسِنِينَ كَانُواْ قَلِيلٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مَا يَهۡجَعُونَ وَبِٱلۡأَسۡحَارِ هُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ[سورة الذاريات، الآية: 15-18].
[2] رواه الإمام البخاري رحمه الله، حديث رقم 1808 – من كتاب صحيح البخاري – كتاب الصوم.
[3] متفق عليه، واللفظ للبخاري رحمه الله عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.
[4] فضائل الصحابة للإمام أحمد رحمه الله(775)، والبيهقي رحمه الله في شعب الإيمان، باب: تعظيم القرآن.
[5] ابن القيم رحمه الله، كتاب الفوائد.
[6] أخرج هذا الأثر كلا من عبد الله بن المبارك في كتاب الجهاد (89) دار المطبوعات الحديثة، وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة (1 – 140) دار بن القيم، والحاكم في مستدركه (3 – 217) والطبراني في معجمه الكبير (17 – 371).
[7] رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
[8] أخرجه الترمذي رحمه الله.
[9] رواه البخاري ومسلم رحمهما الله.
[10] رواه ابن ماجه رجمه الله.