رمضان طريق الإحسان والتمكين 1/3

Cover Image for  رمضان طريق الإحسان والتمكين 1/3
نشر بتاريخ

تقديم

جعل الشارع الحكيم لبعض الأزمنة مزيد شرف وفضل، فبين تفاضل الأعمال وتفاضل الأزمنة تلازم شرعي معتبر، دل عليه خطاب الكتاب والسنة، ورتّب على العمل فيها عظيمَ الأجر، ومن ذلك شهرُ رمضان، شهرٌ تتجلّى فيه رحمة الله، تُفتح فيه أبواب الجنان وتُغلّق أبواب النيران، وتُصفّد الشياطين؛ ليغدو الطريق إلى الخير ممهدا، والسبيل إلى التقوى مشْرعا. محطة تعنى بتربية نفس المؤمن وتهذيبها وتزكيتها روحيا، وخلقيا، وعقليا، وسلوكيا، ليحظى العبد المجتهد بسلوك جامع، ويتدرب عليه في حياته كلها، وأحواله جميعها ليكون قوة فاعلة في المجتمع، مؤهلا لحمل هم الأمة والدفاع عن قضاياها، منخرطا في بناء الأمة على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم مدافعا عن الظلم الواقع عليها. إن البعد التربوي الإحساني الفردي رهين بالبعد العدلي المجتمعي الذي يقتضي بذل الوسع واستفراغ الجهد، لكي تعلو راية الإسلام وتتحرر الأمة من الظلم والاستبداد الجاثم على صدرها.

فما علينا إلا أن نجدد النيات ونشحذ الهِمَم ونستنهض العزائم لننال من عطايا ربنا الكريم الوهاب، عسى أن يكون شهر ميلاد لقلوبنا، وفتح لأمتنا، وتحقيق لموعود الله وبشارة رسو الله صلى الله عليه وسلم.

1- رمضان: زمن التحرر من رِقِّ الذات والعروج في أنوار الكمالات

رمضان شهر روحي عميق يركز على التحرر من رِقِّ الذات بإماتة الأهواء والشهوات والعروج بها في أنوار الكمالات، فهذا الشهر العظيم ليس المقصود منه الإمساك عن الطعام والشراب فقط، بل هو محطة إيمانية، تربوية، تعليمية وتدريبية متكاملة، تهدف إلى تزكية النفوس، وتقوية الصلة بالله، وتهدف إلى بناء الشخصية الإيمانية الإحسانية الجهادية المقتحمة للعقبات، لتتحقق بمعرفة الله تعالى المتجلية في العبودية الحقة له سبحانه، مصداقا لقوله عز وجل: وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِیَعۡبُدُونِ[الذاريات: 56]

تفيض بركات هذا الشهر العظيم على القلوب العطشى لنور الهداية، فتصفو الأرواح، وتسمو النفوس في رحاب الطاعة لتتعرض لرحماته وتنال من خيراته، وترشف من ضفافه، فهو المعين الدافق، والنهر الخافق. ومن التجليات العظيمة لهذا الشهر أنك ترى المؤمن الصائم فيه يترقى في أحواله من صفاته الآدمية إلى صفات الربِّ العلية، فأجوَد ما يكون هذا المؤمن وأكرم ما يكون وأرحم ما يكون وأطهر ما يكون وأسمح ما يكون وأعز ما يكون وأسلم ما يكون الناس منه وهو صائم في رمضان.

وفي ذلك يقول الشيخ أحمد بن عجيبة الحسني في شرح إحدى حكم ابن عطاء الله السكندري -رحمهما الله ورضي عنهما- التي يقول فيها: “لا يُخْرِجُكَ عَنِ الوَصْفِ إِلاَّ شُهُودُ الوَصْفِ» يقول: «لا يخرجك عن أوصاف نفسك الذميمة إلا شهود أوصاف ربك العظيمة… فيخرجك عن شهود فعلك بشهود فعله، وعن شهود صفاتك بشهود صفاته، وعن شهود ذاتك بشهود ذاته”. 1.

فإذا تحقق للعبد هذا العروج صار محبوبا عند مولاه، مشمولا برعايته، محيطا بعنايته، يُصبح كما جاء في الحديث القدسي: “… فَإِذا أَحبَبْتُه كُنْتُ سمعهُ الَّذي يسْمعُ بِهِ، وبَصره الَّذِي يُبصِرُ بِهِ، ويدَهُ الَّتي يَبْطِش بِهَا، ورِجلَهُ الَّتِي يمْشِي بِهَا، وَإِنْ سأَلنِي أَعْطيْتَه، ولَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَّنه” 2

ما يجب أن يستحضره كل مؤمن صائم أن رمضان شهر تجديد العهد مع الله؛ بالرقي في سلم كمالاته عن طريق الاتصاف بصفاته تعالى، حتى يكون في مستوى مسؤولية الخلافة التي من أجلها جعله الله في هذه الأرض سيّدا، وعلى درجة الأمانة التي من أجلها جعله الله لهذا الكون عَمَدا.

2- الصوم: تهذيب وتقريب

إن مفهوم الصوم هو أعمق من مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، فهو رحلة روحية لتهذيب النفس وتصفية القلب وتحسين السلوك، وذلك بقطع أسباب الشهوات التي هي محل تحريك الرغبة والدفع بها للانغماس في الملذات، فكان تشريع الصيام مسلكا تربويا للانعتاق من جاذبية الحس عن طريق فتح المجال للباطن نحو الاستشراف لمعاني الوصل والقرب من حضرة المولى عز وجل. كما قال المصطفى الأمين عليه أفضل الصلاة والتسليم: “مَنْ لَمْ يَدعْ قَوْلَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ فلَيْسَ للَّهِ حَاجةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعامَهُ وشَرَابهُ” 3 فقوله -ليس لله حاجة- مجاز عن عدم القبول (نعوذ بالله). جاء في الحكمة العطائية: “كَيْفَ يُشْرِقُ قَلْبٌ صُوَرُ الأَكْوَانِ مُنْطَبِعَةٌ فِي مِرْآَتِهِ؟ أَمْ كَيْفَ يَرْحَلُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُكَبَّلٌ بِشَهَوَاتِهِ؟ أَمْ كَيْفَ يَطْمَعُ أَنْ يَدْخُلَ حَضْرَةَ اللهِ وَهُوَ لَمْ يَتَطَهَّرْ مِنْ جَنَابَةِ غَفَلاَتِهِ؟ أَمْ كَيْفَ يَرْجُو أَنْ يَفْهَمَ دَقَائِقَ الأَسْرَارِ وَهُوَ لَمْ يَتُبْ مِنْ هَفَوَاتِهِ؟” 4

إن العبادة روحٌ وقربةٌ وعلاقةُ تواصلٍ بين العبد وربه، فإذا اقتصرت العبادة على الشكل والحركة وتخلف عنها لبُّها وجوهرها من خشوع وإخبات وتذلل وخضوع لله وانكسار بين يديه كان العبد مؤديا لصورة العبادة لا لحقيقتها. فشرود القلب في مواطن العبادة هو من أعظم الآفات التي تعرض الإنسان في سيره لله عز وجل.

فرّق الإمام القشيري رحمة الله عليه بين الصوم لله والصوم بالله فقال: “من شهد الشهر صام لله، ومن شهد خالق الشهر صام بالله، فالصوم لله يوجب المثوبة، والصوم بالله يوجب القربة، الصوم لله تحقيق العبادة، والصوم بالله تصحيح الإرادة، الصوم لله صفة كل عابد، والصوم بالله نعت كل قاصد، الصوم لله قيام بالظواهر، والصوم بالله قيام بالضمائر، الصوم لله إمساك من حيث عبادات الشريعة، والصوم بالله إمساك بإشارات الحقيقة” 5

فالصوم إذا هو صوم شريعة وحقيقة، صوم قلب وجوارح، صوم تزكية وترقية، صوم تهذيب وتقريب، صوم صيانة وحماية، صوم رياضة ومجاهدة.


[1] إبعاد الغُمَم عن إيقاظ الهِمَم في شرح الحِكَم للعارف بالله أحمد بن عجيبة الحسني (ت 1266هـ) بيروت: دار الكتب العلمية 2009.
[2] رواه الإمام البخاري رحمه الله عن ابي هريرة رضي الله عنه.
[3] رواه الإمام البخاري رحمه الله، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[4] ابن عطاء الله السكندري رحمه الله ورضي عنه في كتابه “الحكم العطائية”.
[5] تفسير القشيري المسمى (لطائف الإشارات)، 138/1.