قال الأستاذ محمد عبادي إن عشرين سنة من التشميع الجائر لبيته وأسرته “ليست زمنا هيّنا في حياة الإنسان والأسرة والجيران والأبناء والأحفاد”، مذكرا بأنها حرمانه من حق طبيعي وبسيط هو “حق الإنسان في بيته وسكنه واستقراره”، ومؤكدا أنه “وبرغم قسوة هذا الامتداد الزمني، فإن اليقين في عدل الله لم يفارقنا، والأمل في رفع الظلم لم ينطفئ”.
فضيلة الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، وفي رسالة بعث بها إلى المشاركين في الوقفة الاحتجاجية التي تم تنظيمها أمام بيته المشمع بمدينة وجدة عشية أمس السبت 23 ماي 2026، بمناسبة مرور 20 سنة من التشميع غير القانوني لبيته، أثنى على “الوجوه الطيبة التي ما فتئت، عبر السنين، تؤكد أن معدن هذا الشعب الأصيل لا يصدأ، وأن قيم الوفاء والنخوة والوقوف مع المظلوم ما تزال حيّة في النفوس”، معبرا عن عظيم الامتنان “لكل من ساهم فيها أو حضرها أو دعمها بكلمة طيبة أو موقف صادق”، وخاصا بالشكر “الإخوة والأخوات الذين تحملوا مشاق الحضور والتنظيم والتواصل، وأصروا على أن تبقى هذه القضية حيّة في الوعي العام، بعيدا عن النسيان أو التطبيع مع الظلم”.
فيما يلي النص الكامل للرسالة:
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إلى الإخوة والأخوات الكرام،
إلى الأحرار والحرائر الذين لبّوا نداء الوفاء والكرامة،
إلى كل من حضر وساند ورفع صوته دفاعا عن الحق والعدل وحرمة البيوت…
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،
أكتب إليكم هذه الكلمات وقلبي معكم، وإن حالت الظروف دون حضوري بينكم جسدا. وكم وددت أن أكون وسط هذه الوجوه الطيبة التي ما فتئت، عبر السنين، تؤكد أن معدن هذا الشعب الأصيل لا يصدأ، وأن قيم الوفاء والنخوة والوقوف مع المظلوم ما تزال حيّة في النفوس.
لقد مرّت عشرون سنة كاملة على استمرار هذا القرار الجائر بتشميع البيت وإغلاقه بغير حق.
عشرون سنة تعاقبت فيها الأيام والسنون، وتبدلت فيها أحوال كثيرة، لكن بقي هذا الملف شاهدا على معاناة إنسانية وقانونية وأخلاقية كانت لا ينبغي أن تستمر في وطن يتطلع أبناؤه إلى الإنصاف والكرامة وسيادة القانون.
عشرون سنة ليست زمنا هينا في حياة الإنسان والأسرة والجيران والأبناء والأحفاد. عشرون سنة من الحرمان من حق طبيعي وبسيط، هو حق الإنسان في بيته وسكنه واستقراره. لكن، وبرغم قسوة هذا الامتداد الزمني، فإن اليقين في عدل الله لم يفارقنا، والأمل في رفع الظلم لم ينطفئ، والثقة في وجود رجال ونساء أحرار يحملون همّ العدل والكرامة لم تهتز.
إن وقفتكم اليوم ليست مجرد تضامن مع شخص أو أسرة أو بيت مغلق بالأقفال، بل هي موقف مبدئي نبيل دفاعا عن حرمة البيوت، وعن حق الناس في الأمن والاستقرار، وعن ضرورة احترام القانون والحقوق الأساسية التي لا ينبغي أن تخضع للانتقائية أو الحسابات الضيقة.
وإنني إذ أتابع هذه المبادرة المباركة التي نظمتها اللجنة المحلية للدفاع عن أصحاب البيوت المشمعة بالشرق، أشعر بعظيم الامتنان لكل من ساهم فيها أو حضرها أو دعمها بكلمة طيبة أو موقف صادق. وأخص بالشكر الإخوة والأخوات الذين تحملوا مشاق الحضور والتنظيم والتواصل، وأصروا على أن تبقى هذه القضية حيّة في الوعي العام، بعيدا عن النسيان أو التطبيع مع الظلم.
أيها الأحبة الكرام،
لقد علمتنا المحن أن قيمة الإنسان ليست فيما يملك، بل فيما يثبت عليه من مبادئ، وما يحمله من صدق وصبر ورحمة. وعلمتنا هذه السنوات الطويلة أن الظلم مهما طال عمره فهو إلى زوال، وأن الحق قد يتأخر ظهوره لكنه لا يموت، وأن الكلمة الحرة والموقف الشريف يتركان أثرهما في الدنيا والآخرة.
وأقول لكم بكل صدق: إن أكثر ما يخفف عن النفس مرارة الابتلاء هو هذا الشعور العميق بأن هناك من يتقاسم معك الألم، ويؤمن بعدالة قضيتك، ويرفض أن يصير الظلم أمرا عاديا مألوفا. لذلك فإن حضوركم اليوم له قيمة معنوية وإنسانية كبيرة، ورسالة قوية بأن ضمير المجتمع لا يزال حيّا، وأن قيم التضامن والتراحم والوفاء ما تزال تجمع أبناء هذا الوطن.
كما أجدد التأكيد أن مطلب رفع التشميع وفتح البيوت المغلقة ظلما ليس مطلبا فئويا أو خاصا، بل هو جزء من مطلب أوسع يتطلع إليه كل المغاربة، وهو بناء دولة العدل والحقوق والمؤسسات، حيث يشعر كل مواطن أن كرامته وحقوقه مصونة بالقانون والإنصاف.
أيها الإخوة والأخوات،
إني، وإن غبت عنكم اليوم بعذري، فأنا حاضر معكم بالدعاء والمحبة والتقدير. أسأل الله تعالى أن يبارك خطاكم، وأن يحفظكم وأهليكم، وأن يجزيكم عن هذا الموقف الشريف خير الجزاء، وأن يجعل وقفتكم هذه في ميزان حسناتكم، وأن يكتب لها أثرا طيبا في نصرة المظلومين وإحياء قيم العدل والرحمة بين الناس.
كما أسأله سبحانه أن يعجل برفع هذا الظلم، وأن يفتح أبواب الفرج القريب، وأن يرزق الجميع الصبر والثبات والحكمة، وأن يحفظ وطننا من كل ظلم واحتقان، وأن يوفق أبناءه إلى ما فيه الخير والإصلاح والتعاون على البر والتقوى.
وأسأل الله الكبير المتعال أن يفرج كربات إخواننا في غزة والقدس وعموم فلسطين، وكربات هذه الأمة والمستضعفين في كل مكان.
وتقبلوا مني جميعا خالص المحبة والتقدير والامتنان.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أخوكم محمد عبادي الأمين العام لجماعة العدل والإحسان
في 06 ذي الحجة 1447.