في حلقة جديدة من بودكاست “مساحة وضوح”، استهل الأستاذ عبد الصمد فتحي حديثه بالتركيز على ثلاثة محاور أساسية تتقاطع مع موضوع الشباب والتغيير، المحور الأول مرتبط بذكرى الشهيد كمال عماري، بوصفه قصة شهيد وقضية مجتمع، أما المحور الثاني فيتناول التسجيل في اللوائح الانتخابية وما يسمى بالتغيير من الداخل. ثم اختتم بالمحور الثالث المتعلق بالشباب والتغيير وسؤال: ما العمل؟ وأكد فتحي أن هذه القضايا ليست مجرد ملفات منفصلة، بل هي جوهر الصراع بين إرادة التغيير السلمي وواقع الاستبداد والفساد.
كمال عماري الشاب الشهيد
تحدث عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية بإسهاب عن رمزية الشهيد كمال عماري، واصفا إياه بالشاب الذي جمع بين الاستقامة الدينية والالتزام المجتمعي، حيث ولد سنة 1981 بمدينة آسفي، ونشأ نشأة إسلامية، وكان شابا ملتزما بدينه، محافظا على صلاته، مرتبطا بالمسجد والقرآن الكريم، حريصا على الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، والسعي إلى رضا الله والفوز بالآخرة. وأَضاف المتحدث بأن عماري لم يكن يرى الدين مجرد علاقة فردية بين الإنسان وربه، بل كان يعتبره رسالة إصلاح ومسؤولية تجاه المجتمع والناس. وكان مقتنعا بأن المؤمن الحقيقي ينبغي أن يكون إلى جانب المظلوم والفقير، وأن يحمل هموم المجتمع وقضاياه، ومن هذا المنطلق انخرط في صفوف شبيبة العدل والإحسان، وترك بصمته في المرحلة الثانوية ثم في الجامعة. وعندما اندلعت أحداث الربيع العربي كان من الشباب الذين علقوا آمالا كبيرة على إمكان تحقيق تغيير سلمي يفضي إلى العدالة والكرامة والعدالة الاجتماعية.
وأشار إلى أن انخراطه في حراك 20 فبراير عام 2011 كان تعبيرا عن حلم بمغرب يضمن الكرامة والعدالة الاجتماعية، وذكر بمرارة تفاصيل الاعتداء الوحشي الذي تعرض له عماري في مدينة آسفي يوم 29 ماي حيث خرجت مسيرة للحركة بالمدينة، وتعرضت للقمع بحسب روايات عدد من الشهود، وتعرض عماري لاعتداء عنيف في الشارع من طرف مجموعة من عناصر القوات العمومية، حيث انهالوا عليه بالضرب المبرح، مما أدى إلى إصابته إصابات خطيرة. ورغم تفرق المسيرة، ظل يعاني آثار ذلك الاعتداء، وفي الثاني من يونيو سنة 2011 أُعلن خبر وفاته وهو في الثلاثين من عمره، وأكد فتحي أن قضية استشهاده تحولت من قضية كمال عماري الإنسان إلى أن أصبحت قضية حقوقية ما تزال تطالب بالحقيقة والعدالة والإنصاف وجبر الضرر إلى يومنا هذا.
الشباب والمشاركة الانتخابية
وفيما يخص المسار الانتخابي، أوضح المتحدث بأن الدولة والأحزاب السياسية، بعد بروز الحراك الشبابي الجديد، وجدت نفسها أمام واقع مختلف لم تعهده من قبل. فقد ظهر جيل جديد لا يتحرك عبر القنوات التقليدية المعروفة، فلا الأحزاب السياسية ولا النقابات ولا الجمعيات أصبحت الفضاء الرئيسي الذي يعبر من خلاله عن مواقفه ومطالبه، بل اختار هذا الجيل فضاءات أخرى، وعلى رأسها المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي والبث المباشر والمحتويات الرقمية القصيرة، ومن خلالها بدأ يعبر عن همومه اليومية ومطالبه المرتبطة بالصحة والتعليم والبطالة وغلاء المعيشة والعدالة الاجتماعية والكرامة.
في هذا السياق رصد فتحي انتشار خطاب يدعو الشباب إلى الانخراط في المؤسسات السياسية والمشاركة في الانتخابات والتسجيل في اللوائح الانتخابية، بدعوى أن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يتم إلا من داخل المؤسسات القائمة، كما رافقت هذا الخطاب مجموعة من التعديلات الانتخابية التي قُدمت على أنها موجهة للشباب، من قبيل دعم بعض الحملات الانتخابية للشباب، وتقديم تسهيلات للترشح المستقل، وتشجيع مشاركة الفئات الشابة في الحياة السياسية. ومن هنا تظهر حسب المتحدث مفارقة سياسية واضحة؛ فمن جهة يوجد خطاب رسمي وحزبي يدعو الشباب إلى المشاركة والاندماج في العمل المؤسساتي، ومن جهة أخرى يوجد قطاع واسع من الشباب يعتبر أن المشكلة لا تكمن فقط في التسجيل أو الترشح، بل في غياب الثقة في قدرة المؤسسات على الاستجابة الفعلية للمطالب التي خرج الناس للاحتجاج من أجلها. ولهذا السبب ما يزال جزء مهم من الشباب أقرب إلى المقاطعة أو الاحتجاج منه إلى المشاركة الانتخابية، معتبرا أن المطلوب أولا هو بناء الثقة وإثبات قدرة المؤسسات على إحداث تغيير حقيقي قبل المطالبة بمزيد من المشاركة.
واستعرض المتحدث معطيات رقمية وإحصائية مستمدة من مندوبية التخطيط ليرسم صورة عن أزمة المشروعية، موضحا أن ثلثي الكتلة الناخبة تقريبا يختارون المقاطعة، مما يجعل المؤسسات المنتخبة لا تمثل إلا أقلية من المغاربة، وأكد أن العملية الانتخابية تُضبط تقنيا وسياسيا قبل وضع أول صوت في الصناديق عبر قوانين وتقطيعات انتخابية مصممة سلفا، معتبرا أن المقاطعة لدى الشباب هي “تعبير احتجاجي سلمي” ورفض لأن يكونوا “شهود زور” على واقع فاسد. وأضاف فتحي في نفس السياق، أن الدول الديمقراطية المتقدمة تعتمد التسجيل التلقائي للمواطنين في اللوائح الانتخابية، بينما يصر النظام في المغرب على التسجيل بطلب شخصي كأداة للتحكم في القاعدة الناخبة، وأكد أن المشكلة في المغرب ليست تقنية بل هي “مشكلة جوهرية سياسية” تتعلق بمدى توفر إرادة حقيقية لتطبيق ديمقراطية تعكس إرادة الشعب.
التربية تدفع الشباب إلى فهم الواقع والعمل على إصلاحه
وعن أسئلة ما العمل؟ وما السبيل إلى التغيير؟ وهل ينبغي الاستسلام للواقع واليأس من إمكان الإصلاح، أم أن هناك مسارات عملية يمكن للشباب أن يسلكوها للمساهمة في التغيير؟ إذ حدد فتحي أولويات المرحلة في ست مهام رئيسية، بدأها بالتربية لبناء الإنسان الواعي والفاعل، والمقصود بالتربية هنا بناء الإنسان القادر على فهم معنى وجوده، وتحديد غاياته في الحياة، واكتساب التوازن النفسي والروحي، وتكوين منظومة أخلاقية واضحة توجه سلوكه واختياراته، موضحا أن التربية ليست هروبا من الواقع بل تدفع الإنسان إلى فهم الواقع والانخراط فيه والعمل على إصلاحه، وهي لا تهدف إلى إنتاج أفراد غاضبين أو معارضين لمجرد المعارضة، وإنما تهدف إلى تكوين أشخاص قادرين على الإسهام في بناء المجتمع وإحداث أثر إيجابي فيه.
أما المهمة الثانية فتتمثل في المقاطعة السياسية، والمقصود بها مقاطعة العملية الانتخابية بالنسبة إلى من يعتقدون أنها لا تؤدي إلى اختيار الحكام الحقيقيين، بل تقتصر على تدبير الشأن العام ضمن حدود مرسومة مسبقا، فالمقاطعة ليست موقفا سلبيا، بل شكل من أشكال الاحتجاج السلمي، ورسالة سياسية تعبر عن رفض منح الشرعية لواقع غير ديمقراطي. ومن هنا تبرز المهمة الثالثة، وهي الحضور القوي داخل المجتمع، فإن مقاطعة المؤسسات لا تعني التخلي عن خدمة المجتمع أو الانكفاء على الذات. بل المطلوب تكثيف الحضور في مجالات العمل المختلفة عبر العمل النقابي والجمعوي والتطوعي، مؤكدا أن التغيير الحقيقي يبدأ من المدرسة والشارع والمقاولة وليس من البرلمان وحده أوعبر الانتخابات فقط.
وبذلك تتكون حسب فتحي معادلة التغيير من ثلاثة عناصر أساسية متكاملة: تربية تبني الإنسان، وموقف سياسي واضح من الفساد والاستبداد، وحضور اجتماعي فاعل داخل المجتمع، ومن خلال هذه العناصر يمكن للشباب أن يكونوا جزءا من عملية التغيير، بدل أن يتحولوا إلى ضحايا للإحباط واليأس، وذلك لأن أخطر ما يمكن أن يفعله الفساد والاستبداد هو إقناع الشباب بأن التغيير مستحيل، ولهذا فأول خطوة في طريق الإصلاح هي رفض الاستسلام لهذه الفكرة والإيمان بإمكانية التغيير.
أما المهمة الرابعة التي يراها المتحدث ذات أهمية خاصة بالنسبة إلى الشباب اليوم، فهي مناهضة التطبيع، معتبرا إياه “واجبا وطنيا” لحماية هوية المجتمع وصون استقلال البلاد ومستقبل أجياله من التغلغل الصهيوني في القطاعات الاستراتيجية كالتعليم والإعلام والأمن. فيما تتمثل المهمة الخامسة في بناء جبهة سياسية وشعبية واسعة تتجاوز التشتت وتغلّب المصلحة العليا للوطن على الحسابات الضيقة، فتحقيق التغيير يتطلب توحيد الجهود بين مختلف الفاعلين الوطنيين، وتغليب المصلحة العامة على الحسابات الحزبية والتنظيمية الضيقة، فالقوة الحقيقية، لا تنبع من تفرق المبادرات، وإنما من التنسيق والتعاون والعمل المشترك حول القضايا الكبرى التي تهم المجتمع.
وختم المتحدث كلمته بالمهمة السادسة والأخيرة وذلك بالتشديد على ضرورة الالتزام بـ”السلمية” كقوة أخلاقية، وبالمرونة وطول النفس، مشيرا إلى جملة من الضوابط والقواعد التي ينبغي أن تؤطر العمل التغييري، ومؤكدا أن الرهان يظل معقودا، بعد توفيق الله تعالى، على الشباب الواعي المؤمن بقدرته، الصابر على التحديات، والمستعد لخدمة وطنه والتضحية من أجله، فهم الرهان الأكبر في بناء المستقبل، وهم مصدر الطاقة والحيوية والإبداع، وهم القادرون على حمل مشعل التغيير وتجديد المجتمع.