في حلقة جديدة من برنامج “رجل ومسار”، فتح فضيلة الأستاذ محمد عبادي، الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، خزانة ذكرياته ليوثق اللحظات المفصلية في تاريخ تأسيس الجماعة، منتقلا من التصور النظري الذي صاغه الإمام عبد السلام ياسين، إلى مرحلة التنزيل الميداني والمواجهة المباشرة مع التحديات السياسية والقانونية في مغرب الثمانينيات.
المنطلقات الفكرية والبحث عن المنهاج النبوي
كشف الأستاذ عبادي أن فكرة وضع برنامج للعمل الإسلامي كانت تتبلور في ذهن الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله منذ أن كان في الزاوية، وهو ما ظهر جليا في مؤلفاته المبكرة مثل “الإسلام غدا” و”الإسلام بين الدولة والدعوة”، وفي الرسالة التي وجهها للشيخ حمزة تحت عنوان “جماعة الإرشاد“، وأكد أن الغاية الأساسية كانت واضحة منذ البداية؛ نشر دعوة الله في الأمة والسعي لتوحيد الصف الإسلامي.
وأكد المتحدث أن النقاشات الأولى قد دارت حول قضايا كبرى داخل الحركة الإسلامية بصفة عامة، منها: هل تكون الدعوة قطرية أم عالمية؟ سرية أم جهرية؟ وما الموقف من الدولة والنظام؟ وكيف ننظر إلى الأمة والشعب: هل هو مجتمع مسلم أم جاهلي؟ كما نوقشت مسألة التربية ومفهومها وأساليبها، خاصة في الاتصالات مع الآخرين، وقد أخذت هذه القضايا وقتا طويلا من الحوار، حتى استقرت الجماعة على خطوط عامة، أهمها: رفض العنف، ورفض السرية، ورفض الارتباط التنظيمي بالخارج، مع القبول بالتنسيق والتواصل وتبادل الأفكار. وكانت القناعة أيضا أن الدعوة ينبغي أن تنبع من داخل المغرب، لا أن تكون امتدادا لدعوات أخرى أو تنظيم خارجي، لأن القيادة الموجودة خارج البلد لا تستطيع أن تجيب عن الأسئلة الحارقة الخاصة بكل قطر. لذلك ارتأينا أن الدعوة تكون قطرية في منطلقها، على أن تكتسب بعدها العالمي بعد انتشارها في الأقطار الإسلامية.
وروى المتحدث أنه خلال مرحلة الإعداد للتنظيم، كان التصور العام موجودا لدى الأستاذ عبد السلام ياسين قبل أن يجمعه في كتاب المنهاج النبوي، وكان يعرض آراءه على الإخوان، فتناقش وتتحول تدريجيا من أفكار عامة إلى مبادئ عملية، وكانت هذه المبادئ تعرض على الراغبين في الانضمام، فمن اقتنع بها انتمى، ومن لم يقبلها نتركه لحاله. وأكد أن مجلة الجماعة لعبت دورا مهما في توضيح هذه التصورات، خاصة في عددها السابع، حيث طرح الإمام الخطوط الكبرى للمنهاج، ثم استكمل ذلك في الأعداد اللاحقة، قبل أن تجمع هذه الأفكار في كتاب المنهاج النبوي. وقد اختير هذا الاسم لأن أي دعوة إسلامية لا بد أن تقوم على أساس القرآن والسنة. ومن هنا استنبط الإمام أصول الدعوة، خاصة في جانب التربية، وجمعها في عشر خصال: الصحبة والجماعة، والذكر، والصدق، والبذل، والعلم، والعمل، والسمت الحسن، والتؤدة، والاقتصاد، والجهاد.
من الفكرة إلى التنظيم: نواة مراكش ومجلس الإرشاد
يروي الأستاذ عبادي أن الانتقال إلى العمل التنظيمي جاء بعد سنتين ونصف من المحاولات الفاشلة لتوحيد العمل الإسلامي في المغرب، ورغم تحفظ الإمام ياسين في البداية على تأسيس حركة جديدة، إلا أن إلحاح بعض المقربين، خاصة الراحل محمد البشيري رحمه الله تعالى، تم اللجوء إلى الاستخارة والاستشارة، توكلنا على الله وانطلق العمل، ثم تكونت لجنة تحضيرية من بعض الإخوان في مراكش، فكانت نواة التأسيس الأولى عام 1980، التي كان فيها الأستاذ الملاخ والأستاذ النقرة والأستاذ الهيلالي.
وبعد سنة من الإعداد والاتصالات، استدعي الإخوان الذين أعلنوا استعدادهم للانضمام إلى الجماعة من مختلف مناطق المغرب، زهاء 40 شخصا، واجتمعوا في دار الشرقاوي بمراكش. وهناك انتخب مجلس الإرشاد، وكان من أعضائه أربعة: الأساتذة: محمد البشيري وأحمد الملاخ وفتح الله أرسلان ومحمد عبادي، أما الأستاذ عبد السلام ياسين، فقد اتفق عليه الحاضرون بالإجماع، ورفضوا عرضه بأن يخضع للانتخاب مثل غيره.
وخلال فترة الإعداد، جرت اتصالات متعددة بأفراد وبعض المجموعات التي نظمت نفسها بنفسها في الدار البيضاء وآسفي والرباط وغيرها. كما فتحت لقاءات دعوية يوم الثلاثاء في سلا، خاصة بعد انتقال الأستاذ عبد السلام ياسين إليها، وكانت هذه اللقاءات تجمع أبناء الجماعة وغيرهم، وتساهم في توسيع التواصل والدعوة.
من “أسرة الجماعة” إلى “العدل والإحسان”
في البداية اختير اسم أسرة الجماعة، لإشعار الآخرين وللتعبير عن الاشتغال بروح الأخوة والمحبة والتعاون بين المنتمين. ثم اتخذت الجماعة مسارا قانونيا، لأنها كانت ترى أن الدعوة ينبغي أن تكون علنية وبعيدة عن السرية. فتم تقديم طلب الترخيص، وبعد بعض الصعوبات حصلت الجماعة على ترخيص باسم جمعية الجماعة الخيرية، وهو ما استند إليه المحامون لاحقا للدفاع عن قانونية الجماعة أمام المحاكم.
وفي 30 دجنبر 1987، تغير اسم جمعية الجماعة الخيرية إلى “جماعة العدل والإحسان“، وقد طرح الأستاذ عبد السلام ياسين هذه الفكرة داخل مجلس الإرشاد بعد تفكير طويل، واقترح الاسم لأنه يجمع بين بعدين أساسيين في مشروع الجماعة: المشروع المجتمعي (العدل) والمشروع التربوي (الإحسان). فوافق الإخوان عليه، وبدأ العمل تحت هذا الاسم والشعار.
المضايقات الأمنية في سطات والرحيل إلى وجدة
وبخصوص انتقال العمل إلى مدينة سطات، يذكر الأستاذ عبادي أنه حين عين أستاذا هناك، بدأ يلقي الدروس في المسجد العتيق الكبير، وكان يستدعي بعض الحاضرين إلى بيته ويعرض عليهم فكرة الانتماء إلى الجماعة. وبذلك تشكلت مجموعة من الأسر وشعبتان في المدينة. وكنا مع الإخوة نزور الأستاذ عبد السلام ياسين في مراكش ثم في سلا، فتزداد صلتهم بالجماعة وترسخ قناعاتهم.
لكن توسع العمل جلب مضايقات من السلطة، فقد تم منعي من إلقاء الدروس في المسجد، يحكي الأستاذ عبادي؛ واستدعاني باشا المدينة مع مسؤولي المدينة، ومن بينهم ممثلون عن الأمن والدرك والأوقاف، ولما سألني عن الرخصة التي تخول لي إلقاء الدروس، أجبته بأن عندي أمر من الله الذي يأمرنا بالدعوة إلى الله. وبعد منعي من المسجد، ذهبت وأخبرت الناس بذلك وواصلت استقبالهم في بيتي، ومجددا حاولت السلطة منعي من استقبال الزوار، لكنني رفضت إغلاق البيت في وجوه الناس.
وتواصلت الضغوط بمحاولة المنع من السفر – يسترسل المتحدث – وإلزامي بالحضور الأسبوعي لدى الشرطة، لكنني لم أمتثل لذلك. كما مورست علي ضغوط في مجال العمل، إذ حاول بعض المسؤولين إبعادي عن التدريس بحجة ممارسة السياسة، غير أن مدير المؤسسة تراجع بعد اطلاعه على ملفي المهني وشهادات المفتشين في حقي.
ويؤكد الأستاذ عبادي أن هذه المضايقات لم توقف الدعوة في سطات، بل زادت الإخوة ثباتا. أما انتقاله إلى وجدة، فلم يكن بسبب المضايقات وحدها، بل لأن المرشد أخبر الإخوان بوجود شباب في وجدة يحتاجون إلى من يشرف عليهم ويربيهم ويساندهم. فاقترح الأستاذ عبادي نفسه لهذه المهمة، وطلب الانتقال إلى طنجة أو تطوان أو وجدة، فجاء قرار انتقاله إلى وجدة، وعد ذلك من تقدير الله تعالى.