ذ. عبادي في ختم الاعتكافات: كيف نحافظ على هذه الشمعة التي أنارت قلوبنا؟

Cover Image for ذ. عبادي في ختم الاعتكافات: كيف نحافظ على هذه الشمعة التي أنارت قلوبنا؟
نشر بتاريخ

في ختام الاعتكافات الرمضانية التي تنظمها جماعة العدل والإحسان في هذا الشهر الكريم، توجه الأمين العام للجماعة فضيلة الأستاذ محمد عبادي بكلمة تربوية توجيهية مذكرا بفضل الله عز وجل الذي ساقه لكل المعتكفين عشرة أيام، أو عشر ليال، في ضيافة ربنا، صائمين قائمين ذاكرين مستغفرين منيبين متبتلين، مصلين على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله، راجيا من الله أن يكون ما سُمع في هذه المعتكفات من مواعظ وأحاديث قد لمس قلوبنا وعقولنا، بل واستقر فيها، وولّد فيها همة لأجل الامتثال والتطبيق.

وقال إن السؤال الذي يطرح دائما بعد كل رباط، وبعد كل اعتكاف، هو كيف نحافظ على ما تحصلنا عليه في الاعتكاف؟ وكيف نحافظ على هذه الشمعة التي أنارت قلوبنا لتبقى مشتعلة متقدة؟ وأوضح أن هذا الهم يظل حاضرا عند ختم الرباطات والاعتكافات، إذ يتجدد التساؤل عن كيفية الحفاظ على هذا النور، وعلى هذا الخير، وعلى هذه الرحمة.

وأضاف أن المرء إذا ذهب إلى منزله، وبقي وحده، وعزم على أن يطبق ولو جزءا يسيرا مما أكرمه الله سبحانه وتعالى به في هذا الرباط، فإن ذلك قد لا يدوم إلا أياما معدودة، ثم يرجع إلى حالته الطبيعية، ويتلاشى النور الذي خرج به، وتنطفئ الشمعة. وأوضح أن المشكلة تكمن في أن خارج هذا المعتكف ظلمة، ودعوات متعددة تدعو إلى الفجور، وإلى الغفلة، وإلى البعد عن الله سبحانه وتعالى عز وجل، وإلى اقتراف الآثام، فإذا فُسح لها المجال تسربت إلى القلب، وأفسدت ما وقر فيه من نور.

وأرشد إلى أن الحل يكمن في مواجهة الدعوة الباطلة بالدعوة الربانية النورانية، مؤكدا أن الإنسان حامل دعوة، يخرج من هذا الرباط، وعليه أن يكون بوق دعوتهم أينما حل ونزل، انطلاقا من العائلة، والزواج، والأولاد، والجيران، والأصدقاء. ونبّه إلى أن الإنسان بمجرد ما يغفل عن الدعوة، يتلقى الدعوة المضادة مما يسمع، ومما يقرأ، ومما يرى، لأن الجوارح تلتقط الصور والأصوات الرائجة، وتلقيها إلى القلب، فتعطل وظيفته، والحال أن القلب بيت الله، ولا ينبغي أن يسكنه شيء غير الله سبحانه وتعالى عز وجل.

وأكد أن الحفاظ على هذا النور، وعلى هذه الرحمة، يقتضي القيام بالدعوة المضادة أينما حل الإنسان ونزل، لا سيما وهو يحمل مشروعًا عظيمًا من شأنه أن يغير الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ودعا إلى إنشاء مجتمع قائم على التآخي، وعلى التكارم، وعلى التعاون، وعلى الإيثار، وعلى المحبة، حتى تتسع دائرة المؤمنين، ويشتد عودها، وتقوى شوكتها. وأضاف أن هذا الحب، وهذا التراحم، وهذا التكتل، هو ما يمكّن من مواجهة الباطل المستأسد، وتوسيع دائرة المتحابين في الله، والمتآخين في الله، وحتى من غير المسلمين، لأن الظلم الذي تمارسه القوة الاستكبارية لا يكتوي به المسلمون وحدهم، بل إن البشرية كلها تعاني من الظلم، ومن القهر، ومن الاستبداد.

وأشار إلى ما يحدث في ما يسمونه بالشرق الأوسط، الذي وصفه بأنه قطعة من أرضنا، ومن بلدنا، وجزء من أمتنا، مبرزا ما يقع من قتل وتشريد وتجويع لأبناء غزة، ولغير أبناء غزة في الضفة الغربية، وسقوط الشهداء كل يوم. وأضاف أن المسجد الأقصى تعطلت فيه الصلاة سنوات، ومضت هذه الجمعة ولم يصل أحد في المسجد، بعدما منع الأعداء الصهاينة المسلمين من الاقتراب منه، وهو قبلتنا الأولى. وأكد أنه كان ينبغي أن نبذل من أجل تحريره أرواحنا وكل ما نملك، لأجل تحريره من دنس الصهاينة، وأن ذلك سيأتي إن شاء الله تعالى عز وجل. كما بيّن أن ما يجري يجعل الإنسان يبكي دما، في ظل ما أشعلته أمريكا وإسرائيل من حرب في المنطقة كلها: في إيران، ولبنان، وفلسطين، ومع الأسف حتى بين المسلمين أنفسهم، كما يقع في السودان، وما يقع بين باكستان وأفغانستان من حروب، متسائلا: ألهذا خلقنا؟ مؤكدا أن رسالة المسلمين هي رسالة السلم.

وتابع بالحديث عن ليلة القدر، موضحا أنه لا يهم تحديد متى كانت، ولكنها تحمل شعارا رمزيا يجب أن يؤخذ مأخذ الجد، وهو قوله تعالى: سلام هي حتى مطلع الفجر. وأكد أن هذا هو مشروع السلم والسلام، وأن ديننا دين أمن ودين سلام. ثم أوضح أن كلمة الإيمان جاءت من الأمن، وأن الزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى، فأمن زيدت فيه الهمزة فأصبحت إيمانا، كما أن الإسلام جاء من فعل سلم، والمسلم هو من سلم المسلمون من لسانه ويده. وأكد أنه إذا دخلنا في الأمن وفي الإسلام، كما قال الله سبحانه وتعالى: ادخلوا في السلم كافة، فإن الإنسان سيعيش الأمن على كل المستويات.

وأوضح أن هناك أمنا ذاتيا، لأن داخل الإنسان حربا مستمرة، وغير المؤمن يعيش حربا داخلية من الأقدار، والأحزان، والهموم، والمشاكل، والوساوس التي لا تنقطع. وأضاف أن الإنسان لا يجد الأمن من ذلك إلا إذا اطمأن قلبه بالإيمان، فيعيش السكينة، والطمأنينة، والأنس بالله سبحانه وتعالى عز وجل. وأكد أن الإيمان يضمن الأمن الشخصي، والأمن الروحي، والأمن الفكري، لأن الناس تتضارب في أذهانهم الشبهات، والمعتقدات، والأيديولوجيات، فيعيشون الاضطراب والحيرة، بينما يعطيهم الإيمان والإسلام التصور السليم للكون، والإنسان، والحياة، فتهدأ المعركة على مستوى العقل.

وأضاف أن الإسلام والإيمان يوفران كذلك الأمن الاجتماعي، موضحا أنه عندما نسلم وجوهنا جميعا لله سبحانه وتعالى عز وجل يسود الأمن، لأن الناس يعرفون واجباتهم ويعرفون حقوقهم. واستشهد في هذا السياق لمّا أوكل سيدنا أبو بكر الصديق إلى سيدنا عمر القضاء، وبما روي عن أنه بقي عامين ولم يطرق بابه أحد. ثم انتقل إلى الأمن الغذائي، متسائلا عن سبب المجاعات التي يذهب ضحيتها آلاف من البشر في الهند، وفي بنغلاديش، وفي إفريقيا، ومؤكدا أنه لو أننا آمنا بالله إيمانا حقا لأغدق الله سبحانه وتعالى من الخيرات ما يبقى فائضا، مستشهدا بقوله تعالى: ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم.

وأشار أيضا إلى أن الإيمان والإسلام يوفران الأمن الصحي، متوقفا عند ما يمارسه الإنسان من تلويث للطبيعة وما يتسبب فيه ذلك من أمراض خطيرة، ومتسائلا: من يحمي هذا الكون من هذا الخطر؟ وكيف ننظم برامجنا الغذائية لتكون ملائمة لصحة الإنسان؟ ثم استحضر قوله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم: وإذا مرضت فهو يشفين، موضحا أن سيدنا إبراهيم عليه السلام نسب الهداية والإطعام والسقي إلى الله، فلما تعلق الأمر بالمرض نسبه إلى نفسه، في إشارة إلى أن الإنسان أحيانا هو الذي يتسبب في الأمراض التي تنتابه لأنه لا يراعي الغذاء الصحيح السليم.

وأكد أن الإسلام والإيمان يضمنان الغذاء، ويضمنان الأمن الغذائي، والأمن الاجتماعي، والأمن في القبر، والأمن عند الصراط، والأمن عند الميزان، والأمن عند تطاير الصحف. وأضاف أن الدول اليوم توظف آلافا مؤلفة من جيوشها ومخابراتها للحفاظ على الأمن، بينما يبين الله تعالى الطريق الصائب لتحقيقه بقوله: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون. وأوضح أن هذه الصيغة تدل على الحصر، لأن تقديم المعمول على العامل يفيد الحصر، أي إن الأمن حاصل لهم وليس لغيرهم، ومن ثم فإن الإسلام هو الذي يضمن لنا الأمن الحقيقي.

ودعا إلى رفع هذا الشعار في العالم إذا كنا قد عشنا ليلة القدر، ليلة السلم والسلام، تعالوا إلى السلم، تعالوا إلى الأمن، تعالوا إلى الطمأنينة، وإلى السكينة، وإلى الاستقرار. وأكد أننا مطالبون بتكثير قاعدة المؤمنين المتحابين في الله، لمواجهة الطغيان الذي يفتك بالبشرية جمعاء، مع الأخذ بالأسباب.

ثم انتقل إلى الحديث عن ختام رمضان وحلول العيد، موضحا أن العيد فرح، فرح النفس بما يُلبس، وبما يُتزين به في أيام العيد، وفرح الروح. وأضاف أن للصائم فرحتين، فرحة عند فطره، يعني فطور المغرب وعيد الفطر، وفرحة عند لقاء ربه. وأوضح أن لقاء الأشباح لا يحصل في الدنيا، وإنما ادخره الله سبحانه وتعالى ليوم القيامة، مستشهدا بما ورد في رؤية الله سبحانه وتعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة، وبيّن أن هذه الوجوه تكون بهية منيرة، لأن الأنوار تأتي من النظر إلى الله سبحانه وتعالى، فهو نور، وكل من اقترب منه تنوّر، واستنار وجهه، واستنار قلبه.

وأضاف أن من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي سمعي نورا، وفي بصري نورا، وعن يميني نورا، وعن شمالي نورا، واجعل لي نورا. وأوضح أن الذات المحمدية ذات نورانية، مصداقا لقوله تعالى: قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أقرب الخلق إلى الله سبحانه وتعالى عز وجل، وكل من اقترب منه استنار قلبه. كما أكد أن المكثرين من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم مستنيرة، وكذلك المحدثون، استنادا إلى قوله صلى الله عليه وسلم: نظّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، لأنهم في تواصل دائم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقراءة أحاديثه، وبكثرة الصلاة عليه.

وأوضح بعد ذلك أن لقاء الأشباح مدخر ليوم القيامة، ولكن لقاء الأرواح ميسر، فحين يقرأ الإنسان القرآن يكون في لقاء مع الله، وحين يصلي فهو يناجي ربه، والمناجاة تدل على القرب. وأضاف أن ذكر الله هو أيضًا لقاء مع الله، مستشهدا بقوله تعالى: اذكروني أذكركم، وبالحديث القدسي: أنا جليس من ذكرني. كما بيّن أن زيارة المريض، وإطعام الجائع، وإكساء المحتاج، كلها مواطن للقاء بالله، مستشهدا بما ورد في الحديث: عبدي مرضت فلم تعدني، عبدي استطعمتك فلم تطعمني، عبدي استكسوتك فلم تكسني.

ودعا إلى تعميق الصحبة مع الله، مبرزا أن الله عند المنكسرة قلوبهم، وأن الإنسان إذا دخل إلى هذا القلب المنكسر بخشية، وهيبة، وجلال، وتعظيم لله سبحانه وتعالى، وجد الله سبحانه وتعالى عز وجل. وأكد أننا دائما في لقاء مع الله، فلا ينبغي أن نغفل عنه، حتى في السفر، حين نقول: اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل. غير أنه نبّه إلى أن الإنسان كثيرا ما ينهي هذا الدعاء ثم تنتهي عنده المصاحبة، وكأنه نسي الله بعد ذلك، بينما المطلوب هو استحضار صحبة الله تعالى عز وجل طيلة السفر، وفي كل الوقت، وفي كل حين.

وختم بالتأكيد على أن هذه الأيام كانت لقاء مع الله سبحانه وتعالى عز وجل، وأن الواجب هو الحفاظ على هذا النور خارج المعتكف، حتى ينطبق علينا قوله سبحانه وتعالى: والذين هم على صلاتهم دائمون. وأوضح أن “دائمون” تختلف عن “يحافظون”، لأن الذين يحافظون على صلاتهم يصلونها في الوقت، أما الذين هم على صلاتهم دائمون فالحالة التي يعيشونها أثناء الصلاة يصطحبونها معهم حتى يحين وقت الصلاة الأخرى، فيوطدونها ويعمقونها، ثم ينتقلون بها من لقاء إلى لقاء، ومن صلاة إلى صلاة.

وفي ختام كلمته، سأل الله سبحانه وتعالى عز وجل أن يجعلنا دائما وأبدا موصولين بالله سبحانه وتعالى، وبصحبة النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وأن يختم لنا بحسن الخاتمة، وأن يعتق رقابنا من النار، وأن يدخل علينا هذا العيد بالرحمة، والبركة، والفتح، والنصر، والتمكين، وعلى جميع المسلمين، وما ذلك عليه بعزيز.