ذ. عبادي: الرباط والاعتكاف انتداب للفقه الأعظم وسوق من أسواق الآخرة

Cover Image for ذ. عبادي: الرباط والاعتكاف انتداب للفقه الأعظم وسوق من أسواق الآخرة
نشر بتاريخ
الجماعة.نت
الجماعة.نت

وصف الأستاذ محمد عبادي الرباط والاعتكاف بأنهما “سوق من أسواق الآخرة عكس أسواق الدنيا التي قد يجد فيها الإنسان كل ما لذ وطاب مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، لكن لن يجد فيها ما تشتهيه الروح”. وأضاف مفسرا كلامه بأن “شهوة الروح هي أن ترجع إلى ربها وأصلها، بأن تتخلص من الأقفاص لتطير إلى خالقها سبحانه وتعالى عز وجل”.

الأستاذ عبادي الذي كان يتحدث في كلمة ختامية للاعتكافات الرمضانية، التي نظمتها جماعة العدل والإحسان في هذه العشر الأواخر من شهر رمضان الفضيل لسنة 1443هـ، اعتبر أن الرباط والاعتكاف فيهما ما تشتهيه الروح الإيمانية وما تتغذى به من قراءة للقرآن، وذكر لله عز وجل، وصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاء واستغفار…

وسوق الآخرة بحسب الأمين العام سلعتها غالية ونفيسة وتتطلب من المؤمن والمؤمنة أن يحافظ على نفاستها وديمومتها، ومن أبرز أبواب المحافظة على هذه النعمة، يوضح سماحته، شكرها. واستدل بقوله تعالى في ختام حديثه عن شهر رمضان المبارك وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، ليعلق أن “من شكر النعمة فقد قيدها بعقالها، ومن لم يشكرها تعرض لزوالها”.

كما عدّ الرباط والاعكتاف “انتدابا للفقه الأعظم، الفقه الأكبر؛ وهو طلب معرفة الله سبحانه وتعالى عز وجل”، وهو فقه يحتاج إلى مجاهدة مسترشدا بقولة للإمام الغزالي رحمه الله قال فيها “علمُنا ليس علم مجادلة وإنما علم مجاهدة”، وطلب الفقه الشرعي (يقصد فقه العبادات والمعاملات) بمعزل عن الفقه الأعظم قد يؤدي إلى قساوة القلوب، ولهذا فالله عز وجل يحرص على أن تتخلل آيات الأحكام تذكرة بالفقه الأعظم، كما في قوله تعالى في سورة البقرة، وهو بصدد الحديث عن فقه الأموال وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ .

والفقه الشرعي بحسب السيد عبادي إن لم يكن ممزوجا بفقه القلوب قد يكون حجة على صاحبه، وهو تفقه جزء في جزء من الدين وهو الإسلام وتنقصه الأجزاء الأخرى من فقه الإيمان والإحسان. والخروج الجهادي للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى يستلزم بحسبه التفقه في كل الدين؛ لأن “الدعوة إلى الله تحتاج إلى زاد، والصحابة الكرام رضوان الله عليهم عندما خرجوا للجهاد إنما خرجوا من أجل تبليغ دعوة الله عز وجل، وليس من أجل القتال، والقتال إنما جاء عارضا لمن وقف في طريقهم ومنعهم من أن يوصلوا دعوة الله إلى الناس”.

ليتساءل الأمين العام كيف يمكن للمرابط والمعتكف أن يحافظ على زاده من الفقه الأعظم؟ ليذكر بجوابه أن الشكر والإنفاق من النعمة مدعاة للزيادة فيها ومباركتها، “فإذا أنفق الإنسان من ماله زاده الله مالا، وإذا أنفق من علمه زاده الله علما، وإذا أنفق من إيمانه زاده الله إيمانا”، ليستحث الهمم المرابطة المعتكفة: “أنفق ولا تخش من ذي العرش إخلالا”، “حدث الناس عن الله، ادعهم إلى الله، اربطهم بالله سبحانه وتعالى وستشعر أن إيمانك يزداد ويقينك في الله عز وجل يتعاظم”.

ونفحات رمضان، يسترسل فضيلته في كلمته الختامية هاته، تطلب منا أن نكون على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومتابعته في حاله، وأكيد، يستدرك، لن نستطيع لكن نحاول. لينطلق في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وصفه الله عز وجل في قوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، معقبا أن كل مؤمن ومؤمنة ينبغي أن يكون لهما نصيب من هذه الصفات.

–        إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ: فالله سبحانه وتعالى أرسل رسوله لتبليغ دعوته، فهل نحن أيضا مرسلون؟ يتساءل فضيلة الأمين العام، ليجيب أن المؤمن والمسلم هو صاحب رسالة، وله نصيب من التبليغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، معززا كلامه بقولة لربعي بن عامر في حضرة رستم: “الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سَعَتها، ومن جَوْرِ الأديان إلى عدل الإسلام”.

–          شَاهِدًا: تتطلب الحضور في مجالس الناس وأندية الناس، لا أن تقبع في عقر دارك، ليعطي الأستاذ عبادي النموذج بطواف رسول الله صلى الله عليه وسلم على القبائل في موسم الحج ينادي فيهم: “قولوا لا إله إلا الله تفلحوا”.

–        مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا: فالناس بحسب محدثنا “يعيشون الضيق والقنوط واليأس ويحتاجون إلى من يحمل لهم البشارة؛ بشارة الآخرة إن استجابوا لدعوة الله سبحانه وتعالى وما ينتظرهم من نعيم مقيم، وبشارة الدنيا مما سيفتحه الله على عباده بأن يرفع عنهم الظلم والضيم ويطهر الأرض من الفساد والمفسدين، ومن الجبابرة والمستكبرين”، ليعقب بعدها بقوله “إذن فلا داعي لليأس، ونحن أمة مُبشِرة ومستبشرة ومُبشَرة”.

والنذارة لا تحصل بالفقه الشرعي بل بالفقه الأعظم بما هو تذكير بالله عز وجل ولقائه، وعذابه.

–          دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ: لأن الدعوة في أصلها، يشرح فضيلة الأمين العام، دعوة إلى الله عز وجل، والدعوة إلى الإسلام هي طريق نحو الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

–          سِرَاجًا مُنِيرًا: فالسراج يضيء وينير دون أن أطلب منه ذلك، لأن هذه طبيعته بحسب واعظنا دائما، والقمر لو احتفظ بالنور الذي استمده من الشمس ما أنار ليالينا واستضأنا بنوره، يضرب فضيلته مثالا للتوضيح. ونحن، يضيف، “نستمد النورانية من السلسلة النبوية النورانية تستنير بها قلوبنا ثم تشع على من حولنا بسمتنا، بكلامنا، بأحوالنا، بهيئتنا، بأدبنا وبأخلاقنا”.