اعتبر الأستاذ محمد حمداوي، منسق المؤتمر القومي الإسلامي بالساحة المغربية، أن محاكاة طقوس “حائط البراق” في قلب مدينة مراكش التاريخية، هو بمثابة محاولة “لفرض واقع جديد وتثبيت رواية يهودية صهيونية زائفة على أرض مغربية”، مميزا بين اليهود المغاربة الذين قال بأنهم “هم جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والتاريخي للمغرب، ولهم كامل الحق في ممارسة شعائرهم الدينية في إطار احترام السيادة الوطنية والقوانين المعمول بها”، وبين الصهيونية وهي “حركة سياسية استعمارية تهدف إلى تهويد الأراضي وتزوير التاريخ، وتمثل خطرًا على السيادة والهوية الوطنية”.
الأستاذ حمداوي، وفي حوار أجرته معه بوابة العدل والإحسان، على خلفية الاجتماع الأخير الذي نظمه المؤتمر القومي الإسلامي بالساحة المغربية الأسبوع المنصرم، وفي سياق مواجهة مسار التطبيع في المغرب وتداعياته الخطيرة المتزايدة، والأحداث التي تعيشها الأمة عقب طوفان الأقصى، دعا إلى بلورة رؤية استراتيجية موحدة لمواجهة التطبيع، مقترحا صياغة “ميثاق وطني لمناهضة التطبيع” يحدد المبادئ الأساسية، والأهداف المرحلية، والخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها.
أما في السياق الإقليمي والدولي لما بعد “طوفان الأقصى”، فقد أكد القيادي البارز في مؤسسات الدفاع عن الأمة وفلسطين، أن الأمة تعيش “مرحلة تحولات عميقة” يتكشف فيها الوجه الحقيقي للعدوان الصهيوني الأمريكي على المنطقة.
في الحوار، طرْق للعديد من القضايا الهامة المرتبطة بمواجهة الصهيونية في المغرب والأمة، وعروج على مجالات الاختراق الصهيوني وسبل مواجهته، وتفصيل في مهمات الأمة وقواها الحية في ظل العدوان الصهيوني الأمريكي، وغيرها من الملفات الهامة.
فيما يلي نص الحوار:
أقدم يهود بلباسهم الخاص على القيام بصلوات خاصة أمام باب دكالة بمراكش يوم الثلاثاء الماضي 21 أبريل الجاري. كيف تقرؤون ما حدث؟
هذا فعل استفزازي خطير وغير مقبول على الإطلاق، ويمثل انتهاكا صارخا لسيادة المغرب وحرمة فضائه العام.
إن محاكاة طقوس “حائط البراق” في قلب مدينة مراكش التاريخية، هو بمثابة محاولة لفرض واقع جديد وتثبيت رواية يهودية صهيونية زائفة على أرض مغربية. هذا الفعل يمثل اعتداء واضحا على السيادة المغربية ومحاولة لتهويد الذاكرة والتاريخ المغربي، وهو ليس مجرد ممارسة دينية بريئة، بل محاولة لتزوير التاريخ وتهويد الأماكن.
يأتي الحدث، المستغرب بالنسبة للنسق الاجتماعي والديني المغربي، في سياق تحذرون فيه من تنامي مظاهر التطبيع والتمكين للصهاينة في المغرب. ما السياق الأوسع لهذا الفعل؟ وما مخاطره؟
يأتي هذا الاستفزاز في وقت تتزايد فيه مشاعر تضامن الشعب المغربي مع الشعب الفلسطيني.
كما أن هذا الفعل قد يكون من أهدافه البعث برسالة مفادها أن التطبيع مع الكيان الصهيوني يمكن أن يتجاوز الأطر الرسمية ليصبح أمرا واقعا في الفضاء العام، وهو ما يرفضه الشعب المغربي الذي يعتبر القضية الفلسطينية قضية وطنية.
كيف نستطيع التمييز بين اليهود المغاربة وحقهم في الوجود وحرياتهم الدينية، وخطر الصهيونية والتمكين لها وللكيان الغاصب في بلادنا؟
إن التمييز جوهري وضروري. فاليهود المغاربة هم جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والتاريخي للمغرب، ولهم كامل الحق في ممارسة شعائرهم الدينية في إطار احترام السيادة الوطنية والقوانين المعمول بها، بعيدًا عن أي أجندات سياسية. أما الصهيونية، فهي حركة سياسية استعمارية تهدف إلى تهويد الأراضي وتزوير التاريخ، وتمثل خطرًا على السيادة والهوية الوطنية. الأفعال الاستفزازية التي شهدناها في باب دكالة لا تمثل اليهود المغاربة، بل هي محاولة من قبل مجموعات صهيونية لفرض روايتها وتثبيت وجودها السياسي في الفضاء العام المغربي، وهو ما يتنافى مع قيم التعايش والاحترام المتبادل.
في لقائكم الأخير للمؤتمر القومي الإسلامي بالساحة المغربية المنعقد نهاية الأسبوع المنصرم، حذرتم من أن التطبيع في المغرب لم يعد “مجرد خيار سياسي ظرفي”، بل تحول إلى “نهج متدرج يستهدف إدماج الكيان الصهيوني في البنيات الاقتصادية والمهنية والثقافية”، وهو ما من شأنه أن يمس بشكل مباشر “مقومات السيادة الوطنية ويهدد الهوية الدينية والحضارية للمجتمع المغربي”. هل الأمر بات بهذه الدرجة من الخطورة؟
نعم، الأمر بات بهذه الدرجة من الخطورة القصوى. فالتطبيع لم يعد مجرد قرار سياسي عابر، بل تحول إلى استراتيجية ممنهجة تهدف إلى اختراق المجتمع المغربي على مستويات متعددة: اقتصادية، مهنية، وثقافية. هذا الاختراق يهدد بتقويض مقومات السيادة الوطنية، ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضا على مستوى الذاكرة والتاريخ والهوية الدينية والحضارية للمجتمع المغربي. محاولات تهويد الأماكن والذاكرة، كما رأينا في مراكش، هي جزء من هذا النهج المتدرج الذي يسعى لتثبيت رواية صهيونية زائفة، مما يستدعي يقظة دائمة ورفضا قاطعا.
لعل ذلك كان سببا في دعوتكم إلى خوض معركة وطنية لمواجهة التطبيع عبر بناء جبهة مجتمعية واسعة لمناهضته، وشددتم على توحيد جهود الهيئات المدنية والحقوقية والنقابية والسياسية في هذا الصدد. كيف يتحقق ذلك؟ وما المهام الأساسية المستعجلة لهذه الجبهة؟
يتحقق ذلك من خلال بلورة رؤية استراتيجية موحدة تضع مصلحة الوطن والقضية في المقام الأول. لذا فإننا نقترح صياغة ميثاق وطني لمناهضة التطبيع يحدد المبادئ الأساسية، والأهداف المرحلية، والخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها، ليكون مرجعية لكل القوى المناهضة، وتفعيل “المقاومة المدنية الذكية” بتطوير أساليب عمل جديدة تتسم بالذكاء والمرونة، مع التركيز على الضغط الاقتصادي (المقاطعة الفعالة) والقانوني (ملاحقة المتورطين في جرائم التطبيع).
أما المهام الأساسية المستعجلة لهذه الجبهة، فتشمل تعزيز الوعي الشعبي بتكثيف حملات التوعية بخطورة الاختراق الصهيوني وأبعاده السياسية والدينية والثقافية. ودعم المقاومة التربوية والفكرية والسياسية، وتعزيز الهوية المغربية الأصيلة وفضح زيف الرواية الصهيونية. والتأكيد على الموقف المغربي الثابت من القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.
كما يتطلب الأمر تقديم بدائل وطنية في المجالات التي يستهدفها الاختراق الصهيوني، مثل تعزيز البحث العلمي الوطني والاقتصاد التضامني وإنشاء منصات إعلامية بديلة.
وكذلك تعبئة القوى الحية من خلال التواصل مع الفئات الصامتة، وتأطير النخب، وإطلاق حملات توعوية كبرى، والضغط المؤسساتي لتجريم التطبيع.
كيف تقرؤون إصرار الدولة على المضي في مسار التطبيع رغم خطورته المفترضة ورغم الرفض الشعبي الواسع لهذا المسار؟
إن إصرار الدولة على المضي في مسار التطبيع، رغم خطورته المفترضة والرفض الشعبي الواسع، يثير تساؤلات جدية حول مدى استجابتها للإرادة الشعبية وحماية السيادة الوطنية. هذا الإصرار يتجاهل التحذيرات من التداعيات الاجتماعية الخطيرة التي قد تنجم عن مثل هذا الاختراق، ويفشل في قراءة الغضب الشعبي المتزايد. إن الشعب المغربي يعتبر القضية الفلسطينية قضية وطنية، وأي محاولة لفرض واقع مغاير مرفوضة. هذا المسار يضع الدولة في مواجهة مع شعبها، ويعمّق الهوة القائمة بين المؤسسات والمواطنين.
ما قراءتكم للمسارات الإقليمية والدولية لما بعد الطوفان، خاصة العدوان الصهيوني الأمريكي الأخير على إيران ولبنان، واستمرار الاعتداءات اليومية على غزة وفي الضفة والقدس؟
إن المسارات الإقليمية والدولية لما بعد “طوفان الأقصى” تؤكد أننا نعيش مرحلة تحولات عميقة، حيث يتكشف الوجه الحقيقي للعدوان الصهيوني الأمريكي على المنطقة، من خلال العدوان الأخير على إيران ولبنان، واستمرار الاعتداءات الوحشية على غزة والضفة والقدس. هذا الأمر يظهر بوضوح أن الكيان الصهيوني يسعى لتوسيع دائرة الصراع وزعزعة استقرار المنطقة، بدعم أمريكي واضح.
إن هذا التصعيد يهدف إلى كسر إرادة المقاومة وتثبيت هيمنة الكيان، لكنه في المقابل يزيد من يقظة الشعوب ويعزز من قناعتها بضرورة المواجهة الشاملة. وأنا شخصيا أتوقع هبة جماهيرية قادمة على مستوى الوطن العربي أو على جزء كبير منه على شاكلة الربيع العربي لأن كثرة الظلم والاحتقان وإذلال الشعوب والاستهتار بالمقومات الأساسية للهوية لا يكمن إلا أن يؤدي إلى ذلك في مفاصل معينة من تاريخ الشعوب والأمم.
ما واجبات الأمة، ومهام الهيئات المنظمة والمدافعة عن الحق الفلسطيني واستقلال قرار الدول العربية والإسلامية، في ظل العدوان المستمر على مقدرات الأمة وشعوبها ومؤسساتها؟
واجبات الأمة والهيئات المنظمة في ظل هذا العدوان المستمر تتلخص في رص الصفوف وتوحيد الجهود لمواجهة المشروع الصهيوني. ويتطلب ذلك:
– تعزيز التضامن الشعبي؛ وذلك بتحويل الرفض الشعبي العفوي للتطبيع إلى قوة ضغط مؤسساتي منظمة ومؤثرة.
– ودعم المقاومة بكل أشكالها، باعتبارها الخيار الاستراتيجي الوحيد لتحرير الأرض والمقدسات.
– والعمل الحثيث على فضح زيف الرواية الصهيونية عبر التأطير الفكري والإعلامي، والحفاظ على الهوية العربية الإسلامية الأمازيغية الجامعة.
– والضغط على الحكومات لتبني مواقف واضحة وعلنية مناهضة للتطبيع وتجريم كل أشكاله.
– والسعي إلى بناء جبهة مجتمعية واسعة تضم كل القوى الحية لمناهضة التطبيع وحماية السيادة الوطنية واستقلال القرار الوطني.
ما هي المجالات التي يتم فيها التركيز من أجل تفعيل التطبيع مع الكيان الصهيوني؟
إننا نعيش لحظة تاريخية فارقة، تتشابك فيها التحديات الوطنية والقومية والإنسانية. ففي الوقت الذي تتصاعد فيه وتيرة العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني وعلى لبنان وعلى مناطق عدة من أمتنا آخرها العدوان على إيران، وتتضح فيه بجلاء الطبيعة الإجرامية والوجودية للمشروع الصهيوني، يجد المغرب نفسه أمام تحد مزدوج: تحدي التطبيع الرسمي الذي تم توقيعه، وتحدي الاختراق الذي يسعى إلى تفكيك النسيج المجتمعي والهوياتي للبلاد.
إذ لم يعد التطبيع في المغرب مجرد علاقات دبلوماسية عابرة أو اتفاقيات معزولة، بل تحول إلى مشروع اختراق بنيوي يستهدف العمق الاستراتيجي للدولة. إن الخارطة الحالية للاختراق الصهيوني تتجاوز الأبعاد السياسية والاقتصادية التقليدية لتطال أركان الهوية والوحدة الوطنية، كما أكدت الندوات الأخيرة التي نظمتها الساحة المغربية للمؤتمر القومي الإسلامي وعدة هيآت وشخصيات وطنية أخرى.
يتجلى هذا الاختراق في عدة مجالات حيوية. ففي المجال التربوي والتعليمي، نرى توقيع اتفاقيات مع جامعات صهيونية، واستهداف المناهج الدراسية، والترويج لـ “التعايش” كغطاء لتغيير الوعي التلاميذي والطلابي، مما يهدد بطمس الذاكرة الوطنية والإسلامية والقومية وإعادة تشكيل وعي الأجيال الجديدة بما يخدم المشروع الصهيوني، ويهدد الأمن الفكري.
أما في المجال الاقتصادي والتقني، فيتمثل الاختراق في التعاون في مجالات حيوية كالفلاحة، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والطاقة، بالإضافة إلى توقيع اتفاقيات عسكرية وأمنية، مما يؤدي إلى تبعية اقتصادية وتقنية، وسيطرة على قطاعات حيوية، واختراق أمني عبر التكنولوجيا، واستنزاف للموارد الوطنية.
وفي المجال الإعلامي والثقافي، يتمثل الخطر في الترخيص لقنوات إعلامية صهيونية، والترويج لـ “السرديات التوراتية المزعومة”، ومحاولة فرض “هوية يهودية أمازيغية” بديلة، بهدف تمزيق الوحدة الوطنية وضرب الهوية العربية الإسلامية الأمازيغية الجامعة، وترويج ثقافة الهزيمة وقبول التطبيع كأمر واقع.
ويضاف إلى هذه المجالات تهديد ماكر جديد يكمن في محاولات التغلغل داخل المؤسسات المهنية والقانونية، ومن أبرز مظاهره توقيع اتفاقيات تعاون بين الموثقين المغاربة والمحامين الإسرائيليين. هذا التغلغل يهدف إلى فتح الباب أمام السيطرة على العقارات والأملاك، وتسهيل المعاملات القانونية التي تخدم المشروع الصهيوني، مما يشكل اختراقا خطيرا للسيادة القانونية والاقتصادية للبلاد.
إن أخطر ما يواجه المغرب هو السعي إلى جعل الكيان جزءا من البنية الداخلية للمغرب، مما يهدد الأمن الديني والقومي والمغربي على حد سواء.
هل من تقييم لجهود مناهضة هذا الاختراق الصهيوني للمغرب؟
لقد أثبت الشعب المغربي، بنخبه وقواه الحية، أصالة موقفه الرافض للتطبيع، حيث شكلت جهود المناهضة سدا شعبيا منيعا أمام محاولات التغلغل.
وقد تميزت هذه الجهود بالتنوع والشمولية، إذ نجحت مبادرات لهيآت فاعلة وجادة مثل الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع، ومجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين، والمرصد المغربي لمناهضة التطبيع، في جمع طيف واسع من القوى (إسلاميين، قوميين، يساريين، حقوقيين، نقابيين) تحت مظلة الرفض المطلق للتطبيع.
كما أدت التعبئة الشعبية غير المسبوقة، خاصة بعد “طوفان الأقصى”، إلى انحسار فعلي في مظاهر التطبيع على المستوى الشعبي، وإحراج كبير للمؤسسات المتورطة فيه، خاصة في القطاع الأكاديمي.
وتم كذلك إنتاج أدبيات فكرية وقانونية مهمة تفضح مخاطر التطبيع وتؤطر العمل المناهض له، مما وفر غطاء معرفيا للمقاومة المدنية.
وهل هناك من إكراهات وتحديات تواجه هذه الخطوات المهمة في مسار مناهضة التطبيع ببلادنا؟
نعم، طبعا، هناك عدد من الإكراهات والتحديات في هذا السياق منها ضعف التنسيق الاستراتيجي، فرغم التنوع، لا يزال العمل المناهض يفتقر إلى آلية تنسيق استراتيجي موحدة تضمن استمرارية وتكامل الجهود وتمنع الازدواجية.
كما أنه لا تزال جهود المناهضة تواجه صعوبة في اختراق بعض الأوساط النخبوية التي تتبنى خطاب التطبيع أو تصمت عنه.
إن المرحلة القادمة، في تقديري، تتطلب الانتقال من التقييم إلى التخطيط الاستراتيجي، عبر بلورة رؤية موحدة تضع مصلحة الوطن والقضية في المقام الأول.
إن قوة الموقف المغربي تكمن في الالتفاف الشعبي حول القضية، لذا فإن تفعيل العمل الشعبي وتعبئة القوى الحية هو الضمانة الأساسية لإسقاط التطبيع.
إننا نؤمن بأن وحدة المصير بين المغرب وفلسطين هي حقيقة تاريخية ووجودية لا يمكن لأي اتفاق أن يطمسها.