ذ. العلمي يدعو حكام المغرب إلى عودة صادقة للشعب ويحدّد عناوينها الكبرى

Cover Image for ذ. العلمي يدعو حكام المغرب إلى عودة صادقة للشعب ويحدّد عناوينها الكبرى
نشر بتاريخ

دعا الأستاذ عبد الكريم العلمي، رئيس مجلس شورى جماعة العدل والإحسان، الحكام في المغرب إلى استخلاص الدروس مما يجري في العالم، خاصة بعد التحولات التي أعقبت معركة طوفان الأقصى الملهمة، قائلا في لغة صريحة مباشرة “إن ربط مصير البلد بالكيان الصهيوني ومن وراءه لهو جناية وجريمة كبرى في حق شعبنا وتاريخه ومقدراته، وهو كذلك قضاء مبرم على سيادة البلاد ومستقبلها معا”، مشددا على أنه لا مخرج من هذا الارتهان إلا “بالعودة الصادقة للشعب والإنصات الحقيقي لصوته”، وهو الأمر الذي يحتاج بلغة الواقع إلى “إرادة سياسية فولاذية” وبلغة الشرع إلى “الصدق الكامل مع الله عز وجل”.

الأستاذ العلمي، وفي كلمته التي ألقاها عقب تجديد انتخابه رئيسا لمجلس شورى الجماعة المنعقد نهاية الأسبوع في دورته الرابعة والعشرين، نبه إلى عدد من العناوين الكبرى لهذا الصدق مع الله ولهذه الإرادة السياسية؛ منها رفع الظلم الاجتماعي والاقتصادي عن الشعب المغربي، ومنها الحرص على الحفاظ على قيم الأمة وأخلاقها وعدم قطع الشباب والشابات عن أصولهم ودينهم، ومنها تمكين هذا الشعب من حريته المتمثلة في ديمقراطية حقيقية تقطع مع الواجهات البهلوانية، وهو ما لا يتم إلا بالحرية في الممارسة السياسية وبالحرية في التعبير، داعيا إلى التعجيل بإطلاق سراح المعتقلين المناهضين للتطبيع وآخرهم الفنان الشاب صهيب قبلي وجميع المعتقلين السياسيين والمعتقلات السياسيات وعلى رأسهم معتقلو الريف، والأستاذ النقيب محمد زيان.

الكلمة تطرّقت إلى العديد من القضايا المحلية في المغرب، وما يحدث من حراك على مستوى الأمة والعالم انطلق مع معركة طوفان الأقصى وما أعقبها، ناهيك عن توصيات خاصة بالمجلس وأعضائه. هذا نصها الكامل:

 

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه

إخوتي الكرام أخواتي الكريمات: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

نحمد الله أولا وأخيرا أن جمعنا في مجلسنا هذا، ونسأله سبحانه السداد والتوفيق لمحابه من الأقوال والأعمال والنيات.

نلتقي اليوم في الدورة الرابعة والعشرين لمجلس شورانا وهي الدورة الرابعة والأخيرة للولاية الحالية، وهي الولاية التي قدر الله فيها من الأحداث والوقائع ما سيطبع تاريخ بلدنا وأمتنا بل الإنسانية جمعاء لعقود قد تطول. كما أن هذه الوقائع والأحداث الكبرى مدعاة لاستخلاص الدروس وأخذ العبر حكاما وشعوبا ونخبا من كل التوجهات وفي كل الاتجاهات.

ولعل أبرز هذه الأحداث طوفان الأقصى وما تلاه ويتلوه إلى الآن، وما الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران وما تعانيه المنطقة كُلُها إلا نتيجة لهذا الطوفان الذي أعاد للقضية الفلسطينية وهجها وحيويتها رغم الأثمان الباهظة التي قدمها الفلسطينيون مقاومة وشعبا، قادة وأفرادا، رجالا ونساء، شيبا وشبابا وأطفالا.

لقد أظهر طوفان الأقصى الصهاينة وأعوانهم وحلفاءهم على حقيقتهم وعرى ما كانوا يخادعون به العالم من زخرف القول وزور الفعل، ولاتزال الأيام والأحداث إلى الآن تكشف حقيقتهم المخزية ومكرهم السيئ في مسلسل لن ينتهي إن شاء الله إلا بالفضيحة الكبرى والذلة الكملى لمن علوا في الأرض وأذاقوا الدول والشعوب المصائب والويلات.

وبوادر هذا الأمر أضحت جلية بالأصوات التي بدأت منذ شهور عديدة تتعالى معلنة تأييدها لحق المستضعفين، وعلى رأسهم الفلسطنيون، في العيش الحر والمستقل، ومعلنة كذلك رفضها لتزوير التاريخ وتدنيس الجغرافيا، وهي أصوات تُشعر أن الضمير الإنساني لايزال حيا رغم ملايين الأطنان من الأنقاض في غزة التي دفنت ما كان يدعيه الغرب من مبادئ وقيم على حد تعبير السياسي الإسباني جوزب بوريل الممثل السامي السابق للاتحاد الأوربي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية.

إن الإدمان الخطير على الحروب الذي دخل فيه وحوش الصهاينة الجبناء سيودي بهم بإذن الله وسيؤدي بهم إلى الزوال مهما علوا ومهما أفسدوا وستبقى الشعوب في أرضها، وسيحتفظ لها التاريخ بالذكر الحسن قوة وصدقا وثباتا.

وإن من الفضائح الكبيرة لهذه الحروب أن أصبح العالم شاهدا على عصر أضحى فيه الساسة خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية ألعوبة مقزِّزَة في يد الصهيونية أكثر من أي وقت مضى.

فبعد أن كان الناس يظنون أن كثيرا من هؤلاء السياسيين تملي عليهم ثقافتهم التوراتية المنحرفة وتربيتهم التلمودية المظلمة الانحياز لكيان الشر والتعبير عن روحه، اتضح أن ليس هناك لا ثقافة ولا تربية مشتركة، وإنما هناك السقوط في أبشع صوره في مستنقع المخابرات الصهيونية التي تمسك بهؤلاء السياسيين من أخس ما فيهم، وتجرهم إلى ما تريد من طغيان في العالم بالملفات الساقطة المعدة بإتقان شيطاني على مدى سنوات طويلة.

كما أن من هذه الفضائح التي أصبح العالم شاهدا عليها، أن الكذب والغدر والمكر في هذه الحروب الظالمة يوازي عدد أسلحة الدمار والإرهاب المسلطة على الأبرياء، ففي اليوم الواحد تسمع سلسلة من الأكاذيب للتلاعب بشعوب المنطقة وبالرأي العام العالمي والمحلي خاصة داخل الولايات المتحدة الأمريكية. ومن حسن صنع الله عز وجل أن هذه الأكاذيب أصبحت بَلْقاء، وتنكشف باستمرار، ويسخر منها الجميع، باستثناء -مع الأسف الشديد- بعض حكامنا الذين يتغاضون عن هذه الأكاذيب رغم إدراكهم لحقيقتها، بل لا يتورعون عن الدفاع عن هؤلاء المستكبرين الظالمين بكل ما أوتوا من أموال الشعوب وبما تحت أيديهم من إمكانات. فهل تُنتظر من هؤلاء الحكام يقظة؟ وهل يمكنهم التنبه قبل فوات الأوان، واستخلاص الدروس بشجاعة وشهامة من كل الذي حدث ويحدث؟ أو أن ساعة الندم قد فاتت؟

إن من الدروس التي يجب استخلاصها، وهنا نتوجه إلى حكام بلدنا المغرب خاصة، أن ربط مصير البلد بالكيان الصهيوني ومن وراءه لهو جناية وجريمة كبرى في حق شعبنا وتاريخه ومقدراته، وهو كذلك قضاء مبرم على سيادة البلاد ومستقبلها معا، ولا مخرج من هذا الارتهان إلا بالعودة الصادقة للشعب والإنصات الحقيقي لصوته، وهو أمر لا تكفي فيه كلمات عابرة بل يحتاج إلى إرادة سياسية فولاذية بلغة الواقع، وبلغة الشرع والدين يحتاج الأمر إلى الصدق الكامل مع الله عز وجل، والنظر بعين القلب إلى لقائه سبحانه، وبعين العقل إلى الواقع المتردي، والعمل الصادق للخروج بالبلاد إلى ما يرجى لها من قوة وعزة ونماء.

وإن من العناوين الكبرى لهذا الصدق مع الله ولهذه الإرادة السياسية رفع الظلم الاجتماعي والاقتصادي عن الشعب المغربي، والكف النهائي عن التعامل مع البلد كضيعة مشتركة بين الحكام وأعوانهم ودوائرهم الذين يستحوذون على ما فوق الأرض وما تحت الأرض وما في البر وما في البحر، بل انضاف إلى هذا الاستحواذ في السنوات الأخيرة، ويزداد الأمر شهرا بعد شهر، الاتجار حتى بصحة المواطنين بمسلسل بات مفضوحا.

ومن العناوين الكبرى لهذا الصدق مع الله، ولهذه الإرادة السياسية تمكين هذا الشعب من حريته بمعناها العام والكبير وبمعناها المباشر وغير الصغير، فلا بد لنا -إن أردنا أن تكون لنا مكانة وكلمة بين دول الدنيا وشعوبها- من ديمقراطية حقيقية والقطع مع الواجهات البهلوانية، ولن يتم ذلك إلا بالحرية في الممارسة السياسية وبالحرية في التعبير، وأبسط برهان على ذلك وأوجبه وأعجله هو إطلاق سراح المعتقلين المناهضين للتطبيع وآخرهم الفنان الشاب صهيب قبلي وجميع المعتقلين السياسيين والمعتقلات السياسيات وعلى رأسهم معتقلو الريف، والأستاذ النقيب محمد زيان.

ومن تجليات الصدق مع الله والإرادة السياسية الحرص التام على الحفاظ على قيم الأمة وأخلاقها، وعدم قطع الشباب والشابات عن أصولهم ودينهم، وذلك بتوفير تعليم غير خاضع ولا مستخذ للصهاينة ووكلائهم، وبالكف عن تسميم المقررات والمناهج والتلاعب بها. وإلا فسنجد أنفسنا -لا قدر الله- أمام أجيال ممسوخة لا تصلح لبناء، وسنقضي على هذه الطاقات الكريمة التي يزخر بها بلدنا من فتية وفتيات.

إخوتي الأفاضل أخواتي الفضليات: أنهي هذه الكلمات بكلمة عن الشعار المثبت أمامكم والذي اتخذناه لهذه الدورة: “هَمُّ الأمة يحمله الأقوياء بالعلم والخبرة الأمناء بالخوف من الله والوفاء بعهده”، وهي كلمة مقتبسة من الفصل الثالث فصل التربية من المنهاج النبوي للإمام المجدد رحمه الله وبالضبط من فقرة “فقه الواقع والاختصاص” حيث يقول رحمة الله عليه: “هم الأمة لا يحمله الورع القاعد، لكن يحمله وينهض بمقتضياته الأقوياء بالعلم والخبرة الأمناء بخوف الله والوفاء بعهده”. وقد جعل رحمه الله هذه القوة والأمانة على رأس صفات المؤمن الشاهد بالقسط حينما قال: “الشاهد بالقسط القائم لله هو المؤمن القوي الأمين الثابت في رباطه لا يتزعزع عن خط سيره مهما كانت العقبات”. وبعد أن ذكر عددا من هذه المواصفات والمميزات لهذا الشاهد القائم أضاف قائلا: “إنه تغيير واقع أمة فلا بد له من رجال أوتاد يمنعون الخيمة أن تعصف بها الرياح”.

إن تربية لا تضع على رأس أولوياتها بذل الجهد لحمل هم الأمة وتغيير واقعها تبقى تربية ناقصة بميزان القرآن والسنة، وإن جهادا لا يستند إلى التربية الإيمانية الإحسانية الموجِّهة للقلوب للقريب المحب المحبوب سبحانه، الموصولة بالحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام عملا وقولا وشعورا ونية، المصابِرة المرابِطة على بساط الوَلاية في الله، لهو جهد وفعل حابط هابط لم تزكه التزكية ولم يحسِّنه الإحسان. لذا كان من فضل الله على الجماعة في نهاية هذه الولاية ومنذ أقل من شهرين أن عقدت رباط النصيحة الجامع لاستشراف الولاية القابلة إن شاء الله، والذي حضره ثلة من قيادات الجماعة رجالا ونساء تحت شعار “نحو ترسيخ السلوك الجهادي الجماعي”. والمرجوُّ أن تتخلل روح هذا الشعار وروح مخرجات هذا الرباط ما سيختاره الإخوة والأخوات في مجلس شوراهم هذا من قضايا ذات أولية في إطار التوجهات الكبرى للولاية المقبلة بحول الله وقوته، استحضارا لهذه المعاني المندمجة والمتكاملة والمترابطة والتي لا يخلو من الجمع بينها كتاب من كتب الإمام المجدد رحمه الله أو شريط من أشرطته، ونُذَكِّر على سبيل التمثيل والتمثل إن شاء الله بقوله رحمة الله عليه: “الجهاد السياسي التربوي البنائي أصعبُ منالا وأشقُّ طريقا وأحوجُ إلى خصال الصبر والمرابطة المستمرة والرفق.” الإحسان 2/488.

أسأل الرحيم الودود أن يستعملنا في دعوته وطاعته والجهاد في سبيل الله والمستضعفين كخير ما استعمل عبادا من عباده، وأن يحيي قلوبنا لنسهم في إحياء أمتنا وتغيير واقعها بقوة وأمانة يرضى عنا بهما سبحانه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.