ذ. الإدريسي: ينبغي إرجاع مشروع قانون 59.21 للنقاش العمومي وإشراك كافة المعنيين بالتعليم المدرسي

Cover Image for ذ. الإدريسي: ينبغي إرجاع مشروع قانون 59.21 للنقاش العمومي وإشراك كافة المعنيين بالتعليم المدرسي
نشر بتاريخ

أجرت بوابة العدل والإحسان حوارا مع الأستاذ مولاي رشيد الادريسي، عضو المكتب الوطني لقطاع التربية والتعليم لجماعة العدل والإحسان، حول مشروع قانون 59.21 المتعلق بالتعليم المدرسي.

الحوار، وعقب الورقة التي أصدرها القطاع حول الموضوع قبل أيام، جدّد الإحاطة بمشروع القانون ومضامينه وأبعاده، ووقف عند ملاحظات القطاع على المشروع وعلى وواقع المدرسة المغربية والتعليم العمومي، ومقترحاته لتجاوز الواقع المتأزم وكذا مداخل الإصلاح.

فيما يلي نص الحوار:

قبل الخوض في تفاصيل الموضوع، هل يمكنكم إعطاء تعريف مقتضب حول مشروع القانون 59.21؟

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين.

شكرا لبوابة العدل والإحسان على هذه الاستضافة وعلى إتاحة الفرصة لنا في قطاع التربية والتعليم لجماعة العدل والإحسان لمناقشة مشروع قانون نعتقد أنه خطير على المنظومة التربوية بما تضمنه من مقتضيات.

هو مشروع قانون أحالته الحكومة المغربية على المؤسسة البرلمانية والمتعلق بالتعليم المدرسي، في إطار تنزيل القانون الإطار 51.17 الخاص بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي والذي يعتبر المرجعية الوطنية لإصلاح التعليم.

يتضمن هذا المشروع القانون من الناحية الشكلية عشرة أبواب و113 مادة تشمل جميع مراحل التعليم المدرسي من التعليم الأولي إلى التعليم الثانوي التأهيلي، مع تحديد الإطار القانوني لتدبير المؤسسات التعليمية العمومية والخاصة. وقد صادق مجلس النواب على هذا المشروع قانون يومه الإثنين 8 دجنبر 2025 في طار استكمال مسار المسطرة التشريعية.

وهو قانون في جوهره ينسخ ويعوض مقتضيات ثلاثة قوانين ذات الصلة، وهي الظهير الشريف 1.63.07 بتاريخ 13 نونبر 1963 حول إلزامية التعليم المدرسي، و القانون 05.00 بتاريخ 19 ماي 2000 بشأن النظام الأساسي للتعليم الأولي، والقانون 06.00 بتاريخ 19 ماي 2000 بمثابه النظام الاساسي للتعليم المدرسي الخصوصي، بالإضافة إلى اختصاصات وزير التربية الوطنية لتنظيم الدروس والنظام المدرسي لمؤسسات التعليم ومؤسسات التكوين التربوية التابعة لوزارة التربية الوطنية في الظهير 1.61.225 بتاريخ 7 فبراير 1962 بتحديد اختصاصات وزير التربية الوطنية تفصيلا للمادة 17 من القانون الاطار رقم 17 59 المتعلق بالمنظومة التعليمية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 113 .19. 1 بتاريخ 9 غشت 2019.

خرج قطاع التربية والتعليم التابع لجماعه العدل والاحسان بوثيقه تعبر عن موقفه من مشروع قانون 21 .59 لماذا هذا الإعلان عن هذا الموقف في هذه المرحلة؟

في الحقيقة هو موقف يدل على الالتزام المبدئي للقطاع في الدفاع عن قضايا الشغيلة التعليمية والتفاعل مع قضايا التربية والتكوين، باعتبارها قضايا استراتيجية تستهدف مستقبل أجيال من بنات وأبناء الشعب المغربي، وأيضا تعميقا للنقاش العمومي حول هذا الوصل الاستراتيجي. وهو إعلان جاء ليعبر عن موقف واضح وصريح نرفض من خلاله مشروع القانون شكلا ومضمونا، وتعبيرا عن تحفظنا عن المنهجية الانفرادية في معالجه قضايا مصيريه ترهن مستقبل البلاد وتعتبر أساس التنمية المستدامة.

إذا ما هي أهم المؤاخذات التي سجلتموها على هذا المشروع القانون؟

الجواب باختصار شديد لأن الوعاء الزمني لا يسمح بكثير تفصيل في الموضوع لكن حسبنا هذه المؤاخذات بشكل مختصر وهي:

1- اعتماد الحكومة مقاربة انفرادية في التعاطي مع الموضوع ضاربة بعرض الحائط المنهجية التشاركية مع الفاعلين التربويين والشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين، فالمفروض في هكذا قانون أن يكون موضوع نقاش وحوار مجتمعي موسع وجاد، يؤدي إلى توافق مجتمعي حقيقي حول مقتضياته قبل أن يحال على مسطرة التشريع، خاصة وأن هذا القانون يعالج قضايا لها أهميتها في رسم مستقبل الناشئة وارتباطه بأحد حقوق الإنسان والمواطنة، وهو أيضا أحد أعمدة البناء المجتمعي وروافع التنمية والنهوض الحضاري.

2- شكل مشروع القانون 21 .59 وثيقة تراجعية عن الغايات والقيم والمبادئ المؤطرة للمنظومة تاريخيا، وهو ما يدعو إلى القلق بشأنها وطرح العديد من علامات التعجب والاستفهام على هذا مشروع. ففيما يتعلق بالتوجهات الكبرى للتعليم المدرسي ومبادئه يرفض القطاع إعراض مشروع القانون عن التنصيص والتأكيد على المرجعية الإسلامية باعتبارها النواة التي ينبغي أن تتشكل حولها المنظومة القيمية والأخلاقية للتعليم، ونحن نعتبر أن الاكتفاء في المادة الثالثة بالإشارة الفضفاضة إلى القيم الدينية في ذيل القيم، في مقابل الإحالات المتكررة على القيم الكونية ما هو إلا تمهيد متعمد وموارب الهدف منه هو فتح المجال أمام التأويلات المتعددة لمفهوم الدين المقصود، وفتح باب المنظومة التربوية والتعليمية مشرعة أمام برامج التطبيع التربوي والغزو الثقافي، مما سيؤدي إلى تفكك المنظومة القيمية المغربية الأصيلة وخير دليل على ذلك إقحام ما أسماه المشروع بـ”المكون العبري” بشكل فج في تعريف الهوية الوطنية.

3- ومن جهة أخرى فإن قطاع التربية والتعليم في جماعة العدل والاحسان يؤاخذ على مشروع القانون 21 .59 الغموض بشأن الهندسة اللغوية، هذا الغموض الذي يفتح الباب أمام اللغات الأجنبية باسم الانفتاح على حساب اللغات الوطنية العربية والأمازيغية.

4- كما يؤاخذ القطاع على المشروع القانون سعيه إلى ترسيخ تملص الدولة من مسؤولياتها الحقوقية والتشريعية والأخلاقية في ضمان التعليم المجاني ذي الجودة لكل أبناء الوطن، واستفراغ الجهد للتخلي عن مرفق استراتيجي وتصدير أزماته إلى أطراف متعددة غير قابلة للمتابعة والمساءلة وتكريس الفوارق المجالية في مجال التربية والتعليم؛ كادعاء إشراك المجتمع المدني والجماعات الترابية بمساهمة القطاع الخاص والمقاولات وباقي الشركاء، في حين تم حجب التنصيص على الحق في التعليم المجاني ذي جودة بشكل واضح وبلغة فصيحة.

5- إضافة إلى كل هذه المؤاخذات يسجل القطاع تحفظه العميق على سعي مشروع القانون 21 .59 لتكريس التعليم الخصوصي باعتباره خيارا شبه حتمي على الأسر المغربية، من خلال تعميق عدم الثقة في المدرسة العمومية والاهتمام المبالغ فيه بالتعليم الخصوصي، وذلك مقابل غياب ضمانات تخص الأطر العاملة بمدارس التعليم الخصوصي باستثناء شرط التكوين المستمر. وفي السياق ذاته يسجل القطاع على مشروع القانون 21 .59 أيضا العمل على تمهيد الطريق لشرعنة تخلي الدولة عن مسؤولياتها الاجتماعية اتجاه التعليم المدرسي مع تعويم مفهوم المجانية، وتخلي الدولة عن مسؤولياتها في تمويل المدرسة العمومية باعتبارها مرفقا عموميا يؤدي خدمة عمومية غير قابلة للتفويت، وذلك في مقابل توفير جميع الضمانات للتمكين للتعليم الخصوصي وفتح المجال مشرعا أمامه ليستفيد من إمكانيات الدولة ومواردها.

6- وفي السياق ذاته اتسم مشروع القانون بشروده ومقتضياته المتعلقة بالمؤسسات التعليمية عن واقع المشاكل الحقيقية التي تعوق أداءها لوظيفتها في ضمان خدمات تربية ذات جودة عالية، بسبب غياب التنصيص على إطار واضح لتدبير المؤسسات التعليمية باعتبارها مرفقا عموميا تابعا للسلطة الحكومية المكلفة بالتربية الوطنية وخاضعة لأحكام القانون الإداري، وهو من شأنه أن يرسخ واقع الارتجال الذي يطبع القرارات والمساطر المنبثقة منذ عقود في تدبير المؤسسات.

وأختم بـأهم ملاحظة تشمل مشروع القانون 21 .59 وهي الإبقاء على سياسة تهميش الأطر التربوية وفي مقدمتها المدرس قطب رحى المنظومة، وهو ما سيؤدي الى تكريس سياسة تهميش الأستاذ وإضعاف موقعه في المنظومة وتحويله إلى مجرد منفذ لإجراءات منفصلة عنه، وذلك من خلال إهمال موضوع الزمن المدرسي في النموذج البيداغوجي وربطه بالخصوصيات الجهوية والمحلية. إضافة إلى التنكر للجهود التي يطلع بها نساء ورجال التربية والتعليم من خلال ترسيخ واقع حرمانهم من أي شكل من أشكال التحفيز، ناهيك عن إقرار إجراءات واستراتيجيات للتعليم منفصلة عن الواقع من جهة وتعزز المقاربة التقنوية لقطاع حيوي للمجتمع والدولة معا من جهة ثانية، ثم تكريس واقع الارتجال في تدبير قطاع التعليم الأولي الذي يعد رافع التعليم عموما.

إذا أمام كل هذه المؤاخذات حول هذا المشروع سواء شكلا أو مضمونا، ما هي مقترحات قطاع التربية والتعليم التابع لجماعة العدل الإحسان من أجل تجاوز هذا الواقع المتأزم وما هي مداخل الإصلاح في نظركم؟

إن القطاع يعتبر قضية التربية والتعليم من القضايا الاستراتيجية المهمة التي يجب أن يفتح فيها نقاش عام ومجتمعي حتى تتشكل رؤية واضحة للخروج به من واقع الأزمة، وطبعا هذه الأزمة في التعليم هي أزمة بنيوية لا تنفك عن المجالات والقطاعات الحيوية الأخرى في المجتمع هذا أولا، أما ثانيا فإن كل هذه المؤاخذات التي أشرت إليها أعلاه يعتبر القطاع تجاوزها حلا في حد ذاته حتى يكون انتقادنا للمنظومة عموما نقدا إيجابيا لا تحكمه نظرة عدميه سوداء.

ثالثا وأخيرا يرى القطاع ضرورة إيقاف مسطرة التشريع الجارية وإعادة مشروع القانون للنقاش العمومي بمشاركه المعنيين من النساء ورجال التعليم وكافه القوى الوطنية الحية دون استثناء، كما يدعو إلى تشكيل جبهة وطنية من كل الفضلاء والغيورين عن الدفاع عن المدرسة العمومية، ومنه نجدد التأكيد على ضرورة فتح حوار مجتمعي حقيقي بشأن المدرسة العمومية ومنظومة التربية والتكوين يفضي إلى توافق وطني على برنامج عمل واضح يتجاوز سنوات الأزمة في القطاع ومنطق الاستسلام لإملاءات قوى الاستكبار العالمي.