في حلقة جديدة من بودكاست “مساحة وضوح” على قناة “الشاهد بودكاست”، تناول الدكتور محمد باسك منار ملفين يتصلان بواقع العدالة والممارسة السياسية في المغرب؛ أولهما قانون المسطرة المدنية الجديد وما يحمله من مستجدات وإشكالات، وثانيهما السياق السياسي والقانوني للانتخابات التشريعية وكلفتها المالية. وجمع حديثه بين إبراز بعض جوانب التطور التشريعي والتنبيه إلى شروط تفعيلها، ونقد ما اعتبره إفراغا للعملية الانتخابية من مضمونها السياسي، مع مساءلة علاقة الدعم العمومي بمردودية الأحزاب واستقلالية قرارها.
المسطرة المدنية الجديدة: مستجدات مهمة واختبار التفعيل
استهل أستاذ القانون المحور الأول بتوضيح أهمية قانون المسطرة المدنية، باعتباره الإطار الذي يحدد إجراءات المطالبة بالحقوق وحمايتها قضائيا. وميّز بين القواعد الموضوعية التي تبين مضمون الحقوق والواجبات وشروط ثبوتها، والقواعد الشكلية التي تجيب عن كيفية المطالبة بالحق، والجهة المختصة بالنظر فيه، والإجراءات والآجال الواجب احترامها.
وشدد على أن القانون الجديد يتجاوز تعديل بعض مقتضيات النص السابق إلى استبداله بنص يضم 644 مادة، بعد مسار من النقاش والتدافع القانوني والسياسي شارك فيه محامون وأساتذة وباحثون. وسجل أن هذا المسار أفضى إلى تعديلات مهمة، منبهًا إلى أن ذلك لا ينفي بقاء إشكالات في الصيغة النهائية للقانون.
وعرض المتحدث أبرز المستجدات، وفي مقدمتها تجميع المساطر المدنية والتجارية والإدارية ضمن نص واحد، وإدراج مبادئ موجهة للعمل القضائي، منها استقلال القضاة وتجردهم ونزاهتهم، وضمان شروط المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع، وإصدار الأحكام داخل آجال معقولة.
غير أنه ربط قيمة هذه المبادئ بواقع تطبيقها، مؤكدا أن “العبرة بالتطبيق الذي لا يكفي فيه النص القانوني”، وأن تفعيلها يحتاج إلى “بيئة سياسية واجتماعية وقضائية سليمة”. وتوقف عند تنظيم الاختصاص القضائي الدولي للمحاكم المغربية، ورقمنة المساطر والإجراءات، وتطوير وسائل التبليغ، وتشجيع الصلح والوساطة لحل المنازعات. واعتبر هذه المستجدات فرصا لتيسير التقاضي وتسريع إجراءاته، مع التنبيه إلى أن أثرها يتوقف على كيفية استيعابها والتعامل معها من قبل المتقاضين ومختلف الفاعلين في منظومة العدالة.
وفي قراءته النقدية، نوه منار بتكريس بعض الحلول التي سبق إليها الاجتهاد والعمل القضائي، ومن بينها اعتماد العلم اليقيني بالقرار الإداري وأسبابه في احتساب أجل الطعن. لكنه أشار، في المقابل، إلى استمرار نقاشات بشأن الاختصاص النوعي وحدود إتاحة الاستئناف، وتوقف عند المادة 30 المتعلقة بالبت ابتدائيا وانتهائيا إلى غاية عشرة آلاف درهم، وما أثارته من تحفظات متصلة بحق التقاضي. وسجل ملاحظات على الدور الواسع الذي يمنحه القانون للنيابة العامة، وعلى التوجه نحو تقليص بعض الآجال الإجرائية، معتبرا أن تسريع المساطر لا يكون إيجابيا بصورة مطلقة إذا أثر في ضمانات المحاكمة العادلة. كما نقل مآخذ تتعلق بدقة الصياغة واستعمال المفاهيم، ومنها التمييز بين التنفيذ المعجل والنفاذ المعجل، وبين الدفاع والتمثيل القانوني للإدارة أمام القضاء. وأثار أيضا احتمال ظهور صعوبات مرتبطة ببعض مستجدات التبليغ، خصوصا ما قد يمس خصوصية المتقاضي وكرامته عند التبليغ في مقر العمل، داعيا إلى الانتباه إلى آثار المقتضيات الجديدة عند التطبيق.
وختم هذا المحور بالتوقف عند السياق المهني المصاحب لدخول القانون حيز التنفيذ، في ظل ما وصفه بتوتر العلاقة مع المحامين على خلفية القانون المنظم لمهنتهم. واعتبر أن استيعاب الإصلاح وتجاوز صعوباته كانا يقتضيان دخوله في “جو من الأمن القانوني والاطمئنان”.
قبيل الانتخابات: خواء البرامج والتزكيات والترحال.. تحت مجهر النقد
وفي المحور الثاني، انتقل عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان إلى الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر، متسائلا عن مضمونها السياسي وأثرها في السياسات العمومية والقرار السياسي، في مقابل التركيز على أعداد اللوائح والمرشحين والأحزاب المشاركة. ورأى أن العملية الانتخابية تُختزل في جوانب تنظيمية وتقنية وإحصائية، بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بالاختيارات والبرامج والبدائل. ووصف المشهد قبيل الاقتراع بالخواء السياسي، معتبرا أنه “لا نقاش حول الأفكار ولا المشاريع ولا البرامج”، ومتسائلا عن موقع الخطاب السياسي الواضح والمسؤول وسط سجالات الشخصنة والتمويه.
وانتقد التراشق بين أحزاب الأغلبية الحكومية مع اقتراب الانتخابات، ومحاولة كل طرف تحميل غيره مسؤولية بعض الإخفاقات وتبرئة نفسه أمام الناخبين. وأكد أن قواعد العمل السياسي السليم تقتضي “تحمل المسؤولية بشكل تضامني بين أحزاب الحكومة إلى آخر لحظة في الولاية الحكومية”.
كما توقف عند ما تنقله بعض وسائل الإعلام عن بيع التزكيات وشرائها، وعند تسابق بعض الأحزاب لاستقطاب المتنفذين وأصحاب المال ممن تتوفر لهم حظوظ الفوز، ولو على حساب الانسجام مع اختيارات الحزب ومناضليه. وربط ذلك بما تشهده بعض التنظيمات من غضب وانسحابات وصراعات حول الترشيح. وفي السياق نفسه، انتقد اتساع الترحال السياسي، موضحا أن الحق في تغيير الانتماء لا يلغي مساءلة التنقل المتكرر بين الأحزاب عن دوافعه ومضمونه. وتساءل “هل أصبحت هذه الأحزاب متشابهة ومتطابقة حتى أضحى الانتقال بينها لا يثير أي مشكل ولا يتسبب في أي حرج؟”.
وخصص المتحدث جانبا من تحليله لإشراف وزارة الداخلية على العملية الانتخابية، معتبرا أن حضورها الممتد من إعداد الإطار القانوني والتنظيمي إلى إعلان النتائج ظل ثابتا، بينما تغير موقف أحزاب كانت تنازع في هذا الإشراف وأصبحت تقبل به، بل تعتبره ضمانة للنزاهة. ورأى أن تفعيل لجان مركزية وإقليمية للسهر على الانتخابات لا يغير، في تقديره، من واقع هذا الإشراف، مستحضرا تجارب سابقة لم تمنع آلياتها بعض الأحزاب من الاعتراض على النتائج أو انتقاد تدخل الإدارة.
وانتقد توسيع منع الترشح ليشمل موظفي وزارة الداخلية والعاملين بها بمختلف فئاتهم، معتبرا أن معالجة التأثير الإداري في الانتخابات لا ينبغي أن تتحول إلى إقصاء موظفين لا يملكون نفوذا في العملية الانتخابية. وميز بين التأثير الشخصي لبعض رجال السلطة وأعوانها، وبين تأثير أوسع يتعلق بالتحكم في المعلومة والمسار الانتخابي وهندسة قواعده ومخرجاته. وأثار ملاحظات على الإطار القانوني والتنظيمي، شملت القاسم الانتخابي والعتبة والتقطيع وحالات التنافي، إلى جانب تساؤلات بشأن ترتيب معزل التصويت وضمان سريته، وبعض حالات المنع من الترشح وعلاقتها بقرينة البراءة. وأكد أن الاتفاق على محاربة الفساد الانتخابي لا يعفي من مناقشة الوسائل المعتمدة وآثارها على حق الترشح، مستغربا ضعف النقاش العمومي والموقف الحزبي إزاء هذه الإشكالات.
وفي تفصيله للكلفة المالية، أوضح منار أن استفادة الأحزاب من المال العام لا تنحصر في المساهمة في تمويل الحملات الانتخابية، بل تمتد إلى أوجه أخرى مرتبطة بالمشاركة والنتائج الانتخابية. وأشار إلى تخصيص 450 مليون درهم لدعم الحملات في انتخابات هذه السنة، منها 50 مليون درهم لترشيحات الشباب، مع توزيع مساهمة تمويل حملات الأحزاب بين حصة جزافية وأخرى ترتبط بالأصوات والمقاعد المحصل عليها.
واستعرض، إلى جانب ذلك، الدعم المخصص لمصاريف التدبير، والمبالغ المرتبطة بنسب الأصوات والمقاعد، والحوافز المتعلقة بتمثيل الشباب والنساء والأشخاص في وضعية إعاقة، فضلا عن دعم الدراسات والأبحاث والمؤتمرات العادية والاستثنائية وفق شروطها. ومع إقراره بأن التمويل العمومي للأحزاب معمول به في دول ديمقراطية، شدد على ضرورة التوازن بين حجم الدعم ومردودية الحزب وفعاليته ومبادراته وتأطيره. وانتقد أحزابا لا تنشط إلا عند اقتراب الانتخابات ثم تعود، بتعبيره، إلى سباتها. كما نوه بإقرار ضوابط لتدبير مالية الأحزاب والحملات، بما فيها الحملات الرقمية، لكنه أكد أن “الضبط القانوني رغم أهميته لا يكفي”. وتساءل عن أثر ربط الدعم أساسا بالمؤشرات الانتخابية في تكريس الحضور الموسمي، مقترحا أن تشمل معايير الاستفادة أنشطة الأحزاب في التكوين والتأطير وما تنتجه من مشاريع ومبادرات.
وفي ختام الحلقة، طرح منار سؤال أثر الدعم العمومي على استقلالية القرار الحزبي في السياق المغربي. وميز بين فهم التمويل باعتباره حقا تنظمه قواعد عامة، وبين التعامل معه بوصفه منحة من السلطة، مؤكدا أن “المال مال عام وليس مال السلطة”. ورأى أن الخلط بين الأمرين قد يؤثر في استقلالية الأحزاب ومواقفها، وأن التحفيز المالي بات يُستخدم لحثها على أداء وظائف تدخل أصلا ضمن واجباتها، مثل توسيع حضورها وترشيح النساء والشباب وخوض المنافسة الانتخابية. واعتبر أن الحافز الأساسي للعمل الحزبي ينبغي أن يكون التنافس على السلطة والقرار السياسي، بينما يظل هذا التنافس، في قراءته للتجربة المغربية، محصورا في هامش محدود. وخلص إلى أن ضعف الحافز السياسي ينعكس على الحضور والنشاط والفعل، ويجري تعويضه بحوافز مالية تسهم في ارتهان السياسة للريع بأبعاده المالية والانتخابية.