د. مموح: رمضان لا يغير برنامج الإنسان فقط بل يغير نظرته إلى الزمن نفسه

Cover Image for د. مموح: رمضان لا يغير برنامج الإنسان فقط بل يغير نظرته إلى الزمن نفسه
نشر بتاريخ

يشهد شهر رمضان تحولا واضحا في إيقاع اليوم والليلة، إذ تتغير عادات النوم والاستيقاظ، وتتبدل معها أولويات الشباب بين الدراسة أو العمل والواجبات العائلية، وبين ما يفتحه الشهر من أبواب العبادة والسكينة. هذا التحول يجعل سؤال تنظيم الوقت أكثر إلحاحا: كيف يمكن للشاب أن يحافظ على التزاماته اليومية، وفي الوقت نفسه لا يفرط في المعنى الروحي للشهر؟ وكيف يتحول رمضان من مجرد تغيير مؤقت في العادات اليومية إلى مدرسة عملية للانضباط وترتيب الأولويات؟

في هذا السياق، حاورنا الإعلامي الدكتور عبد الغني مموح للحديث عن معنى الوقت في رمضان، وعن إمكانات التوازن بين التزامات الأسرة والعمل أو الدراسة وبين العبادة، مستحضرا في ذلك تصور “يوم المؤمن وليلته” باعتبارها صيغة عملية لتدبير اليوم والليلة.

يرى مموح أن رمضان لا يغير برنامج الإنسان فقط، وإنما يغير نظرته إلى الزمن نفسه. فالشهر، في نظره، يوقظ الشعور بأن الوقت رأس مال لا يعوض، وأن البركة لا تأتي من تكديس الأعمال بقدر ما تأتي من ترتيبها. ويوضح أن كثيرا من الشباب يصطدمون برمضان لأنهم يدخلونه بلا ميزان واضح للوقت، فيتحول اليوم إلى مزاج متقلب بين السهر الطويل والتعب نهارا، ثم محاولة تعويض كل شيء دفعة واحدة.

وانطلق المتحدث من مقولة اعتبرها قاعدة مؤطرة “لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد، فإن للغد عمله“، مشددا على أن الخطوة الأولى في تنظيم الوقت هي فهم اليوم على أنه محطات ثابتة لا فوضى مفتوحة، ومشيرا إلى أن فكرة “يوم المؤمن وليلته” تقدم تصورا عمليا يقوم على تثبيت الأعمال الكبرى في أوقاتها: الصلاة في وقتها، ورد من القرآن ولو يسيرا، ذكر يحفظ القلب حيا، ثم أداء الواجبات اليومية بوعي وانتظام، سواء تعلق الأمر بالعمل أو بالتزامات الأسرة أو بالدراسة لمن لا زال يتابعها. وشدد على أن هذا المنهج لا يطلب المثالية، بل يطلب الثبات، لأن الثبات هو الذي يصنع الاستمرار بعد رمضان.

وعن التوفيق بين الالتزامات والعبادة، يلفت مموح إلى أن كثيرا من الشباب يتعاملون مع الالتزامات كأنها عائق أمام الاستفادة من رمضان، بينما يمكن أن تكون عامل تنظيم لا عامل تعطيل. ويقول إن الانضباط الذي يفرضه دوام العمل أو جدول الدراسة أو أعباء الأسرة قد يمنع تضييع الساعات في الفراغ، شرط أن يعي الإنسان قيمة الوقت وأن يوزع جهده على اليوم دون إنهاك.

وفي حديثه عن المعنى، يركز الناشط الإعلامي على فكرة يعتبرها محورية: العمل عبادة. فالعمل، في رأيه، ليس مجرد ساعات تقضى لتأدية وظيفة، بل أمانة إذا أُدّيت بإتقان وبنيّة صادقة صارت قربة. ويؤكد أن تعظيم النية يحول جزءا كبيرا من الوقت اليومي إلى رصيد من الأجر، لأن الإنسان حين ينوي بعمله الكفاف عن الناس وخدمة الخلق والالتزام بالأمانة، فهو يعيش معنى العبادة داخل الواقع لا خارجه.

ولا يفصل مموح بين تنظيم الوقت وتنظيم النوم، معتبرا أن السهر غير المنضبط من أكبر ما يسرق رمضان من الشباب، لأنه يضعف القدرة على التركيز في الدراسة أو العمل ويجعل اليوم مفككا. كما ينتقد استنزاف الدقائق في التصفح العابر، حيث تتساقط الأوقات الصغيرة بلا شعور حتى ينتهي اليوم بلا حصيلة، لا في العبادة ولا في الإنجاز.

وعن إمكانية استمرار أثر رمضان، يوضح أن العبرة ليست في مشاعر عالية تنتهي مع العيد، بل في خطة بسيطة تبقى بعدها. ويقترح أن يخرج الشاب من رمضان بسؤال محدد: ما الحد الأدنى الذي سأثبت عليه طوال السنة؟ ورد يومي دائم من القرآن والذكر، صلاة في وقتها، نوم مبكر واستيقاظ مبكر، ساعة دراسة مركزة، أو انضباط في بداية اليوم. ويؤكد أن الحفاظ على الحد الأدنى هو الذي يبقي السلك موصولا، ثم يتوسع بعد ذلك بحسب الطاقة والظروف.

وفي ختام حديثه، وجه مموح رسالة بدت أقرب إلى العفوية وهو يلخص فكرته: لسنا في حاجة إلى برامج معقدة حتى ننظم وقتنا في رمضان وبعد رمضان، نحن في حاجة إلى احترام الوقت فقط. ويضيف أن الشاب حين يتعلم في رمضان أن يعطي لكل شيء حقه في وقته، سيكتشف أن المشكلة لم تكن في ضيق الوقت، بل في طريقة استعماله، وأن البركة تأتي حين تستقيم النية ويتضح المعنى في العبادة، وفي الدراسة، وفي العمل وداخل الأسرة.