قال الدكتور محمد بن مسعود الكاتب العام للقطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان بأن أغلبية المغاربة يزدادون اقتناعا بأن “الانتخابات عملية صورية لا معنى لها في بلادنا”، وأن القرارات والسياسات العمومية “فوقية”، وأن المؤسسات الوسيطة “ليست إلا أدوات تنفيذ وتنزيل لها مهما تغيرت الوجوه والأسماء والشعارات”.
بن مسعود، وفي كلمته التي ألقاها في افتتاح المجلس الوطني للقطاع النقابي للجماعة، اعتبر أيضا أن المشهد النقابي يمر “بمرحلة ليست سهلة”؛ مستحضرا عددا من التحولات العميقة التي يعرفها عالم الشغل، وتزايد أشكال الهشاشة المهنية، وتراجع نسب الانخراط، وضعف التنسيق، وأزمة الديموقراطية الداخلية، وصعوبة تحقيق التوازن بين الدفاع عن المطالب الآنية وبناء فعل نقابي متجدد… مؤكدا أن هذه الإشكالية تزداد تعقدا في بلادنا بفعل “إصرار الدولة على التضييق على الحريات النقابية بفرضها قانون تكبيل الإضراب وإفراغه من محتواه، والتضييق على المنظمات النقابية بمنعها من وصول التأسيس والتجديد، ورفضها مأسسة الحوار الاجتماعي، وتنصلها من الاتفاقات التي توقعها مع النقابات إن وقعت، وتضييقها على المناضلات والمناضلين النقابيين ترسيبا وإعفاء وطردا وتهديدا وإقصاء من حقوقهم المهنية المشروعة وهلم جرا… واستهدافا للمكتسبات التاريخية للطبقة العاملة”.
وفي حديثه عن القيمة المضافة التي يمكن أن يقدمها القطاع النقابي، قال بأن رؤية الجماعة تتأسس على أن المجتمع هو الفاعل الحقيقي في صناعة التغيير، وأن النقابة ليست مجرد أداة تفاوض حول الأجور والترقيات وتحسين شروط العمل فقط، بل مدرسة للتربية على المسؤولية، ومجال لتربية وتدريب الإنسان الحر. وشدّد على أن العمل النقابي الذي تنشده جماعة العدل الإحسان هو “حركة متعددة الواجهات والأبعاد”، لا يمثل البعد المطلبي على أهميته إلا بعدا بين سبعة أبعاد، “تجمع بين خدمة الناس ودلالتهم على الخير، والدفاع عن الحقوق وتأطيرهم وتشجيعهم للقيام بذلك، والتكوين وبناء الوعي، وتقوية الروابط المجتمعية، والتواصل والانفتاح على مختلف القوى الحية، والسعي إلى توحيد الجهود كلما كان ذلك ممكنًا لتحقيق المطالب من جهة وترجيح موازين القوى لصالح التغيير الحقيقي المستدام من جهة أخرى”.
فيما يلي النص الكامل لكلمة الدكتور محمد بن مسعود:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
الأخوات الفضليات، الإخوة الأفاضل، أعضاء المجلس الوطني للقطاع النقابي،
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
نجتمع اليوم في هذا المجلس الوطني للقطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان يوم 12 يوليوز 2026، وهو المجلس الأخير في هذه الولاية، وهو أيضا المجلس الأول في الولاية المقبلة في لحظة تنظيمية لها خصوصيتها باعتبارها محطة لانتخاب المكتب الوطني الجديد للقطاع النقابي وكاتبه العام، لكنها في الحقيقة أكبر من مجرد استحقاق تنظيمي تجدد فيه المؤسسات على أهمية هذه العملية الشورية التداولية، بل هي لحظة تجديد أواصر الحب في الله تعالى والتناصح فيه، وتجديد اليقين في موعود الله تعالى، والتعاقد بيننا على التعاون على أعباء الدعوة والخدمة والتدافع، وهي أيضا لحظة لمحاسبة النفس، وتجديد الهمة والعزم مع الله تعالى على المضي قدما في مسار الخدمة والدعوة والدفاع عن المستضعفين.
ففي مثل هذه المحطات تُقاس حيوية العمل الجماعي المؤسساتي، ويظهر نضج الرجال والنساء الحاملين لأمانة الدعوة والجهاد، وتترسخ معاني المدرسة القرآنية المنهاجية المتنقلة عبر الأجيال. ونحن نشاهد كيف ينتقل المشعل بين السواعد والقلوب قبلها بشكل سلس تكتنفه أنوار الرحمة والمحبة في الله تعالى، وتنتظمه معاني الشورى والنصيحة، وتعضده وتقويه معاني الجدية والمسؤولية والتوكل على الله تعالى.
لقد علمتنا التجربة داخل القطاع النقابي أن قيمة التنظيم ليست في كثرة هياكله وتشعبها، وإنما في قدرته على تربية الفاعل المؤثر تربية متوازنة تجمع بين معاني التقرب إلى الله تعالى، وخدمة دعوته، ونصرة المستضعفين، مع قدرته على إعداد وتأهيل القيادات، وتجديد النخب، وتوسيع دائرة المشاركة، واحتضان الشباب، وتشجيع الأخوات على ولوج فضاءات الفعل النقابي والمهني، وتحويل المبادئ والموجهات إلى سلوك ملموس، والرؤية إلى برامج عمل طموحة، والإرادة إلى إنجاز.
أيها الإخوة والأخوات،
نلتقي اليوم وأمتنا تعيش على وقع الهجوم الصهيو-أمريكي الذي استباح الأرض والأنفس والعرض، في فلسطين الحبيبة وما حولها في سورية ولبنان وإيران واليمن … حرب كشفت عن وحشية الصهيونية، وحماية الغرب لها وازدواجية معاييره في التعامل مع ما تابعته الأعين على المباشر من مجازر إبادة في غزة الأبية. وإننا إذ نستحضر هذه الجراح العميقة في جسد أمتنا نستمد منها معاني الصمود والثبات والبذل، الذي كلله المولى عز وجل بنصره وتأييده. “ولينصرن الله من ينصره” و”وما النصر إلا من عند الله”. وإن هذه الدماء الطاهرة لتخط مسار النصر والنهوض لأمتنا، ومهاوي الاندحار للكيان الغاصب وداعميه يقينا. “وما كان الله ليضيع إيمانكم” وأعمالكم ودماءكم. رحم الله الشهداء وأعلى مقامهم، وشافى الجرحى، وعجل بإطلاق سراح الأسرى. ولا عزاء للمطبعين مع الكيان الغاصب شركائه في الجريمة.
كما ينعقد مجلسنا، وبلادنا تعيش مرحلة دقيقة، تتشابك فيها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بما كسبت السياسات الفاشلة المتعاقبة، حتى صار المواطن المغربي يواجه ضغوطًا متزايدة تمس معيشه اليومي وآفاقه المستقبلية. فالتهاب الأسعار، واتساع الفوارق الاجتماعية، واتساع نسب البطالة والهشاشة والفقر، وتراجع القدرة الشرائية، وتدهور الخدمات الاجتماعية العمومية، وفي مقدمتها التعليم والصحة والتغطية الاجتماعية الحقيقية ليست مجرد مؤشرات اقتصادية صماء، بل هي معاناة يومية تقاسي لظاها الأسر والعائلات المقهورة والمسحوقة التي تتسع رقعتها، حتى أصبحت عوامل تؤثر في الاستقرار الاجتماعي، وتولد شعورًا متناميًا بالقلق والإحباط لدى فئات واسعة من المجتمع. وهو ما ينفجر على شكل احتجاجات قطاعية ومجالية وفئوية تأبى الدولة إلا أن تعاملها بالقمع والقهر والتضييق والمناورة كما فعلت مع احتجاجات جيل زيد السنة الماضية، وقبلها احتجاجات نساء التعليم ورجاله، والأطباء والممرضين والمحامين وموظفي الجماعات الترابية غيرهم… عوض تحمل المسؤولية والمبادرة إلى حل مشاكل الناس، وإرساء دولة اجتماعية حقيقية تنبني على أسس الديموقراطية ودعائم التنمية المستدامة، لكن الواقع يكشف زيف الشعارات الفارغة. وهي الدوافع نفسها التي تزيد أغلبية المغاربة اقتناعا بأن الانتخابات عملية صورية لا معنى لها في بلادنا، وأن القرارات والسياسات العمومية فوقية، وأن المؤسسات الوسيطة ليست إلا أدوات تنفيذ وتنزيل لها مهما تغيرت الوجوه والأسماء والشعارات.
أما المشهد النقابي، فإنه يمر بدوره بمرحلة ليست سهلة. فإلى جانب التحولات العميقة التي يعرفها عالم الشغل، وتزايد أشكال الهشاشة المهنية، تعرف الحركة النقابية تحديات تتعلق بتراجع نسب الانخراط، وضعف التنسيق، وأزمة الديموقراطية الداخلية، وصعوبة تحقيق التوازن بين الدفاع عن المطالب الآنية وبناء فعل نقابي متجدد، قادر على استعادة ثقة الشغيلة وتأطيرها واستشراف التحديات المقبلة.
وتزداد الإشكالية تعقدا في بلادنا بإصرار الدولة على التضييق على الحريات النقابية بفرضها قانون تكبيل الإضراب وإفراغه من محتواه، والتضييق على المنظمات النقابية بمنعها من وصول التأسيس والتجديد، ورفضها مأسسة الحوار الاجتماعي، وتنصلها من الاتفاقات التي توقعها مع النقابات إن وقعت، وتضييقها على المناضلات والمناضلين النقابيين ترسيبا وإعفاء وطردا وتهديدا وإقصاء من حقوقهم المهنية المشروعة وهلم جرا… واستهدافا للمكتسبات التاريخية للطبقة العاملة.
وهنا يبرز سؤال جوهري: ما الذي يمكن أن يقدمه قطاعنا النقابي في مثل هذا السياق؟
إن جوابنا لا ينطلق من ردود الأفعال، ولا من الحسابات الظرفية، وإنما من رؤية تعتبر أن المجتمع هو الفاعل الحقيقي في صناعة التغيير، وأن النقابة ليست مجرد أداة تفاوض حول الأجور والترقيات وتحسين شروط العمل فقط، بل مدرسة للتربية على المسؤولية، ومجال لتربية وتدريب الإنسان الحر، القادر على الدفاع عن حقوقه، والقيام بواجباته، والمساهمة في إصلاح مجتمعه، والنهوض بأمته.
لقد علمتنا تجارب الشعوب أن التغيير المستدام لا تصنعه القرارات الفوقية وحدها، ولا الاحتجاجات المتفرقة وحدها، وإنما يصنعه مجتمع منظم، يراكم الوعي، ويبني مؤسساته، ويقوي روابطه، ويجعل من العمل المدني والنقابي والحقوقي والسياسي روافد متكاملة لقيادة مشروع التغيير السلمي في حركات اجتماعية جامعة قادرة على ترجيح موازين القوى لصالح التحرر من ربقة الاستبداد والفساد والارتهان لقرارات المؤسسات المدينة.
وإننا عندما نتحدث عن الفاعلية المجتمعية، فإننا لا نقصد مجرد الحضور في الساحة النقابية، وإنما نقصد الفاعل المجتمعي الذي يختار عن إيمان ووعي مشروعه التغييري، ويتحمل مسؤوليته بمنطق الواجب لا منطق المطالب، والذي يؤمن بأن الإصلاح ليس مهمة الآخرين، بل مسؤوليته هو بدءا. فكل ممارس نقابي ينبغي أن يكون فاعلًا في أسرته، وفي مؤسسته، وفي محيطه، وفي مكان عمله وأن يجسد قيم الصدق، والنصيحة، والبذل، والتعاون، والصبر. لأن المجتمع يتغير حين يتغير أفراده، وحين تتوسع دوائر المبادرة فيه. “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.
ومن هنا، فإن العمل النقابي الذي ننشده هو حركة متعددة الواجهات والأبعاد، لا يمثل البعد المطلبي على أهميته إلا بعدا بين سبعة أبعاد، تجمع بين خدمة الناس ودلالتهم على الخير، والدفاع عن الحقوق وتأطيرهم وتشجيعهم للقيام بذلك، والتكوين وبناء الوعي، وتقوية الروابط المجتمعية، والتواصل والانفتاح على مختلف القوى الحية، والسعي إلى توحيد الجهود كلما كان ذلك ممكنًا لتحقيق المطالب من جهة وترجيح موازين القوى لصالح التغيير الحقيقي المستدام من جهة أخرى.
أيها الإخوة والأخوات،
لقد اخترنا منذ تأسيس قطاعنا أن يكون العمل الوحدوي خيارًا ثابتًا، لا تكتيكًا عابرًا، لأننا نؤمن أن التحديات الكبرى لا تواجهها جهة واحدة، وأن الدفاع عن حقوق الشغيلة يحتاج إلى أوسع صور التعاون والتنسيق والشراكة مع الاحتفاظ لكل طرف بخصوصيته واستقلاله. لذلك اقترحنا تشكيل جبهة نقابية موحدة ومناضلة تكون قادرة على النضال والصمود وانتزاع المطالب. وتسهم في تقريب الشقة بين مختلف الفعاليات السياسية والحقوقية في إطار جبهة مجتمعية قوية وموحدة.
كما اخترنا أن يكون خطابنا واضحا ومسؤولًا، يجمع بين الوضوح والاتزان، وبين الجرأة والحكمة، فلا يساوم على المبادئ، ولا يفرط في وحدة الصف، ولا يغلق أبواب الحوار، لأن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى نفس طويل، وإلى رجال ونساء يجيدون البناء أكثر مما يجيدون الانتقاد فقط، ويمدون اليد للتعاون عوض التمترس خلف قناعات فكرية ومواقف سياسية أو مصالح خاصة لإقصاء الآخرين واستبعادهم.
أيها الإخوة والأخوات،
إن هذا المجلس الوطني لا ينعقد فقط لإنجاز استحقاق تنظيمي، وإنما ليوجه رسالة إلى أنفسنا أولًا، مفادها أن التداول على المسؤولية قيمة تربوية قبل أن يكون إجراءً تنظيميًا. فمنطق المشروع يقتضي أن تتجدد الطاقات، وأن تتوسع المبادرة، وأن تفسح المواقع للكفاءات، مع ترصيد التجربة وتطوير الممارسة، واحتضان الشباب صمام المستقبل.
وأغتنم هذه المناسبة لأعبر باسمي وباسمكم جميعًا عن عميق الامتنان والشكر -ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله تعالى- لكل الإخوة والأخوات الذين تحملوا المسؤوليات خلال هذه الولاية، ولكل من عمل في الميدان، وربى، وأطر، وناضل، وخدم، وفتح الأبواب، وصبر على المشاق، دون انتظار جزاء أو شكور إلا من الله تعالى. كما أشد على أيدي كل الاخوات والإخوان الذين تحملوا المسؤولية في قطاعاتهم المهنية وأقاليمهم في هذه الانتخابات الأخيرة راجيا من الله تعلى أن يوفقهم ويسدد خطاهم، وأذكرهم بان الأمر رسالة ومسؤولية فلنتعاون على حملها. واغتنم الفرصة للترحم على المرشد الحبيب سيدي عبد السلام ياسين وعلى من سبق إلى بناء صرح العدل والإحسان جيلا بعد جيلا، جزاهم الله خير الجزاء وأوفى لهم العطاء. آمين
كما أتوجه بالتحية إلى كل الشرفاء في الحركة النقابية المغربية، الذين يواصلون الدفاع عن كرامة الشغيلة وحقوقهم، مهما اختلفت مواقعهم وانتماءاتهم، لأن مستقبل العمل النقابي لا يبنى إلا بالتعاون، والانفتاح والحوار، واستعادة ثقة العاملات والعمال في مؤسساتهم النقابية. وحينما رفعنا لهذه الدورة شعارا “الشراكة في البناء، والوحدة في الموقف، والفعالية المسؤولة في الميدان” فنحن نستحضر أهمية هذه الثلاثية في بناء حركة نقابية قوية قادرة على انتزاع المطالب وحماية المكتسبات في زمن تغول السلطة والرأسمال الجشع وتمدد النيوليبرالية العابرة للحدود.
وفي الختام، فإننا نجدد يقيننا بأن المستقبل لا يصنعه اليأس، ولا تصنعه المواقف المتفرجة، وإنما يصنعه الله تعالى على أيدي الرجال والنساء الذين يجمعون بين الإيمان برسالتهم، والوعي بتاريخهم وواقعهم، واليقين في موعود الله لهم، والعمل الدؤوب لتغييره بالوسائل السلمية في إطار جماعي تعاوني، وفي إطار من المسؤولية والوضوح.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك هذا المجلس، وأن يوفقنا إلى ما فيه الخير، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يرزقنا الصدق والإخلاص والثبات، وأن يهيئ لبلدنا أسباب العدل والحرية والكرامة، وأن يبارك جهود كل المخلصين العاملين من أجل نهضته. .
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
د. محمد بن مسعود
كاتب عام القطاع النقابي للعدل والإحسان
الأحد 26 محرم 1448 الموافق لـ12 يوليوز 2026