عـن عبد الله بن سلام رضـي الله عنه قال: لمَّا قدمَ النَّبـيُّ صلى الله عليه وسلم المدينةَ، انجَفَلَ النَّاسُ قبلَهُ، وقيلَ: قد قدمَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قد قدمَ رسولُ اللَّهِ، قد قدمَ رسولُ اللَّهِ ثلاثًا، فَجِئْتُ فـي النَّاسِ، لأنظرَ، فلمَّا تبيَّنتُ وجهَهُ، عرفتُ أنَّ وجهَهُ ليسَ بوَجهِ كذَّابٍ، فَكانَ أوَّلُ شــيءٍ سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ، أن قالَ: “يا أيُّها النَّاسُ أفشُوا السَّلامَ، وأطعِموا الطَّعامَ، وصِلوا الأرحامَ، وصلُّوا باللَّيلِ، والنَّاسُ نِـيَامٌ، تدخلوا الجنَّةَ بسَلامٍ” [صحيح ابن ماجه]. فبعد حوالـي أربعة عشـر قرنا ونصف؛ نجد أنفسنا – معشـر المسلمين – فـي أمس الحاجة إلـى هذا التوجيه النبوي، وهذا ما يؤكد راهنيته والعمل به وتنزيله فـي واقع الناس.
الأمـر الثانـي هو شهادة الصحابـي الجليل عبد الله بـن سلام رضـي الله عنه فـي شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول نظرة: “فلمَّا تبيَّنتُ وجهَهُ، عرفتُ أنَّ وجهَهُ ليسَ بوَجْهِ كذَّابٍ…”، تحِيلُ هذه الشهادة إلـى أمر عظيم فـي الدعوة قلّ ما يُلتفتُ إليها انخداعا بالحيثية العلمية أو الاجتماعية أو الحزبية أو الطائفية، إنها الدعوة بالحال الـتـي تكسِبُ صاحبها القَبولَ فيُسمَع له ويُقبِل عليه الناسُ قبل عرض بضاعته. دعوةٌ بالحال تُغنـي أحيانا عـن المقال، حتـى قيل: حالُ رجُلٍ أبلغُ فـي ألفِ رجلٍ من قولِ ألفِ رجل فـي رجلٍ.
توجيهاتٌ نبوية تفتل فـي حبل بناء مجتمع إسلامـيّ فتـيّ علـى أنقاض مجتمع جاهلـي انفرط عِقد منظومة قيمه إلا من بعض المكارم، لكـي يتأهل لتجسيد المشـروع الإسلامـي والسير به فـي العالمين؛ هـي توجيهات وأربع دعامات سلوكية يُتوسّل بها للدخول إلـى الجنة، نقف عندها تباعا إن شاء الله تعالـى استجلاء لقيمتها فـي السلوك إلـى الله طمعا فـي رضاه والفوز بنعيم الجنة.
إفشاء السلام
أفشـى السـر أو الخبر نشره وأذاعه وأشاعـه، وضده الكتمان. وإفشاء السلام نشـره وإشاعته بين الناس. عـن عبد الله بن عمرو رضـي الله عنه أنَّ رجلًا سأل رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أيُّ الإسلامِ خيرٌ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: “تُطعِم الطعامَ، وتقرأ السلامَ، علـى منْ عرفتَ ومنْ لم تعرفْ” (النسائـي والبخاري)، وذهب الفقهاء إلـى أن البدء بالسلام سُنة وردُّه واجب لقوله تعالـى: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا [النساء: 85].
وحيث إن الإسلام دين تعارف واستبشار، جاءت تحيته مترجمة لرسالته: “السلام عليكم”. روى الطبراني والبيهقـي عن ابن شهاب الزهري رحمه الله أنّ عُميرا بن وهْب الجمحـي لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم بعد غزوة بدر قال: “أنعمْ صباحا”، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “قد أكرمنا الله عن تحيتك، وجعل تحيتنا تحية أهل الجنة وهـي السلام”، فقال عمير: “إن عهدك بها لحديثٌ”، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “قد أبدلنا الله خيرا منها…”. وأخرج الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “خلق الله عز وجل آدم علـى صورته طوله ستون ذراعا، فلما خلقه قال: اِذهب فسلم علـى أولئك النفر، وهم نفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك، قال: فذهب فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، قال: فزادوه ورحمة الله”.
وإذا كانت التحية وتبادلها من المشترك الإنسانـي تعبيرا عن حس حضاري راق، فإنها فـي الإسلام مجال تعبديّ نيلا لجزيل الأجور والثواب. وفـي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضـي الله عنه: أنَّ رجلًا مرَّ علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم وَهوَ فـي مجلسٍ فقالَ: “السَّلامُ عليكم” فقالَ: “عشـرُ حسَناتٍ”، فمرَّ رجلٌ آخرُ فقالَ: “السَّلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ” فقالَ: “عِشـرونَ حسنةً”، فمرَّ رجلٌ آخرُ فقالَ: “السَّلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبرَكاتُهُ” فقالَ: “ثلاثونَ حسنةً”. أخرج ابن أبـي شيبة في مصنفه، أن عبد الله بن عمر رضـي الله عنهما قال: “إنـي كنت لأخرج إلى السوق ومالـي حاجة إلا أن أسَلِّم ويُسلَّم علـي”.
“السلام عليكم ورحمة الله وبركاته” تحية الإسلام وتحية أهل الجنة، جاءت فـي صيغة جملة دُعائية حُبلـى بالمعانـي، وملخصها الدعاء بالسلامة والحفظ من المكروه والأذى دِينا ونفْسا ورجاءِ حصول البركة والرحمة؛ خير وفضل يتعمم برد السلام وإفشائه فـي المجالس والفضاءات العامة ليكون عنوانا لهوية إسلامية يُعتز بها. وفـي صحيح مسلم عن أبـي هريرة رضـي الله عنه أن البراء بن عازب رضـي الله عنه قال: “أَمَرَنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسَبْعٍ: بعِيَادَةِ المَرِيضِ، واتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وتَشْمِيتِ العَاطِسِ، ونَصْرِ الضَّعِيفِ، وعَوْنِ المَظْلُومِ، وإفْشَاءِ السَّلَامِ”.
“السلام عليكم ورحمة الله وبركاته” مفتاح المحبة بين المسلمين وتوطيد أواصـر الألفة والتآخـي والتضامن، ويكفيها ثوابا أنها من أسباب دخول الجنة. أخرج مسلم عـن أبـي هريرة رضـي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “والَّذي نفسـي بيدِه لا تدخلوا الجنَّةَ حتّـَى تُؤْمِنُوا، ولا تُؤْمِنُوا حتَـّى تَحابُّوا، أوَلا أدُلُّكُمْ علَى شـيءٍ إذا فَعَلْتُمُوهُ تَحابَبْتُمْ؟ أفْشُوا السَّلامَ بيْنَكُمْ”.
“السلام عليكم ورحمة الله وبركاته” ليست مجرد تحية تقتضيها الحياة الاجتماعية ويفرضها التعايش، بل هـي مؤشـر علـى سلامة صدر ونقاء سريرة من يبادر لإفشائها، تستحيل عملا صالحا مأجورا متـى اقترنت بصلاح النية وسلامة التأسـي؛ تحية من عند الله مباركة مأمور بها علـى الأهل فـي البيت وعلـى النفس إن لم يكن فـي البيت أحد، مصداقا لقوله تعالـى فـي سورة النور: فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
“السلام عليكم ورحمة الله وبركاته” مصحوبةٌ بابتسامة عفوية وبشاشة قلبية تُشيع البِشـر والتفاؤل والإيجابية فـي المجتمع، حض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مقدمه إلـى المدينة المنورة ضمن منظومة قيميّة لبناء تعايش اجتماعـي يكون جسـرا لدعوة الناس إلـى الإسلام، نحن اليوم فـي زمن “الفوبيا” من الإسلام مدعُوُون للسير بمغناطيسها ونورها وبركتها بين الناس، كل الناس، من نعرف ومن لا نعرف، عسـى مع جميل الخلق وطيّب المعشـر وحُسن الجوار أن تصبح دعوة بالحال قبل المقال لرحمة الإسلام ونور هداية الإيمان.