ثالثا: الاستعارة النورية – القرآن نور لا يُطاق إهماله
أو الاستعارة الحركية: السير، التيه، والطريق
يقول الإمام رحمه الله:
جاءك النور فانتَحَيْتَ ظلاماً
دامسا يائساً بَئيساً سَكنته
فالنور هنا ليس مجرد إشراق طارئ، بل نداء فطرة استُدعيت، ووحي باشر القلب فأيقظه. ذلك أن الفطرة الطاهرة النظيفة متأصلة في الإنسان، مولودة معه، فإذا اجتمع للمؤمن نور الفطرة ونور الوحي، كان «نورا على نور»، فتتكوّن لديه أهلية البصيرة، ويغدو قادرا على تمييز الحق لا بعقله المجرد وحده، بل بإلهام ربانيّ يهديه سواء السبيل. 1 وقد عبّر ابن القيم الجوزية رحمه الله عن هذا المعنى بدقة حين قال:
“وهكذا المؤمن قلبه مضيء يكاد يعرف الحق بفطرته وعقله، ولكن لا مادة له من نفسه، فجاءت مادة الوحي فباشرت قلبه وخالطت بشاشته، فازداد نورا بالوحي على نوره الذي فطره الله عليه… فاجتمع له نور الوحي إلى نور الفطرة، نور على نور” 2.
وعلى هذا، فالظلام الذي يُنتحى عنه ليس غيابا قهريا للنور، بل مقام أَلفه الإنسان وسكنه باختياره؛ مما يجعل الغفلة موقفا وجوديا مسؤولا عنه، لا حالة معذورا فيها. ومن هنا يستقيم الاستحضار القرآني العميق: قال الله تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا[الأنعام: 122].
فالأول مؤمن أُحيا قلبه بالإيمان بالله، ومحبته، ومعرفته، وذكره، والثاني غافلٌ آثر المقام في الظلمات، وأعرض عن الذكر ومقتضياته.
وهكذا يتحدد جوهر المعركة: نور يُمكّن من السير في الناس، وظلماتٌ تُقعد صاحبها عن الخروج. والفلاح كلُّ الفلاح في الاستجابة للنور، والشقاء كلُّ الشقاء في الإعراض عنه؛ إذ إن الإرادة الإنسانية تظل عنصرا حاسما في التحرر من الظلمات، وفي تحويل الذكر من حال باطنيّ ساكن إلى قوة مجاهدة فاعلة في الواقع..
رابعا: الاستعارة المعرفية – القرآن نور مهجور
جاءك النورُ في كتابٍ مبين
هو قرآنُ ربِّنا، هل قرأتَه؟
جاءك النورُ والهُدى في كتابٍ
مُصحفٌ في الرفوفِ ثم طويتَه
يربط الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله الذكر بالقرآن ربطا عضويا، فلا يكون الذكر أورادا منفصلة عن الوحي، ولا ترديدا لفظيا معزولا عن المقصد، بل حياة تتجدّد بالكتاب العظيم، وسيرا يتغذّى من كلام الله. وتقوم الصورة الشعرية هنا على مفارقة بلاغية صارخة: النور حاضر، لكنه مهجور؛ والكتاب مرفوع، لكنه مطوي، في إشارة إلى انفصال خطير بين وجود القرآن ماديا وفاعليته هداية وسلوكا.
وليست هذه المفارقة الشعرية —حضور النور وغيابه— مجرد تصوير إنشائي، بل هي صدى لرؤية منهجية صاغها الإمام في نثره التربوي، حيث انتقل من تشخيص العلّة إلى بيان شروط الانتفاع بالقرآن، وربط الهداية به بحياة الإيمان في القلوب وبالصحبة التي تجعل القرآن أعظم الذكر وأوثق مصادره.
يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: “يجب أن نقرأ أحاديث رسول الله ﷺ في توجيهه إيانا للقرآن ووصيته من بعده على ضوء أن الإيمان في قلوب الرجال هو الذي يهيِّئ السامع للاهتداء بالقرآن. كان القرآن كلمة الله التي ينطق بها رسول الله ﷺ، وكان بلاغه وبيانه وخطابه الدائم لمن يدعوهم من الناس. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه. لم يكن سماعُهم للقرآن سواء. هداية الله وسابقة المدعوين عند الله تحدّد النتيجة، فيؤمن بعض ويحصلون على أصل الإيمان بهداية الله وهداية رسوله، ويزدادون إيمانا إذا تليت عليهم آيات الله. ويكفر آخرون ويصمون ويستهزئون. ثم كان الصحابة يقتبسون الإيمان، بعضهم من بعض. يجلس بعضهم إلى بعض ليذكروا الله جميعا، ومن جملة الذكر، بل أعظم الذكر القرآن. لا إله إلا الله من القرآن، فبذلك كانت أعلى شعب الإيمان، وكان تَردادُها وتكرارها في صحبة المؤمنين أوثقَ مصدر للإيمان وأقربه” 3.
وهكذا تتكامل الاستعارة الشعرية مع البيان المنهاجي: فالقرآن نورٌ بذاته، لكن القلوب هي أوعية النور، والإيمان شرط انفتاحها، والصحبة مجال إشعاعه، والذكر آليّة تفعيله في الفرد والجماعة. ومن ثمّ لا يكون هجر القرآن الكريم ترك تلاوته فحسب، بل فصل الذكر عن الوحي، والوحي عن السنة، والسنة عن الجماعة. فإذا التأم هذا النسق، عاد القرآن قائدا للسير، لا كتابا على الرفوف، وعاد الذكر حياة فاعلة، لا عادة صوتية، واندمجت المعرفة بالهداية، والبلاغة بالفعل، في أفق نبويّ جامع.
خامسا: الاستعارة الأخلاقية – الذكر أمانة والغفلة خيانة
جاءك الذكرُ، خُنتَه ونسيته
فبأيّ اعتذارٍ يومَ لقيتَه؟
يُحوّل النص الغفلة إلى خيانة للأمانة، والذكر إلى عهد لا يجوز انتهاكه. هذه استعارة أخلاقية ثقيلة الدلالة، تجعل الذكر محمولا على المسؤولية الفردية والجماعية، متجاوزا الطابع الشخصي أو الشكلي.
وفي الحديث: قال رسول الله ﷺ: «من أصبح وهمه غير الله فليس من الله، ومن أصبح لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن أعطى الدنيا من نفسه غير مكره فليس مني» 4.
خامسا: الاستعارة الوجودية – الإنسان طائر أكمه
طائرٌ أنتَ، يا فلانُ، غريبٌ
أكمهٌ في فضاءِ الضلالاتِ تِهتَه
في هذين البيتين تُبنى صورة استعاريّة كثيفة تعيد تعريف الإنسان من منظور وجودي لا جسدي. الإمام رحمه الله لا يقدّم الإنسان ككائن عاقل فقط، بل كطائر، والطائر في الوعي الإنساني رمز التحليق والرفعة والقصد. غير أن هذا الطائر أكمه، أي فاقد للبصر، يحلّق في فضاء لا يُهتدى فيه، هو فضاء الضلالات. فالصورة تجمع بين أعلى إمكاناته (التحليق) وأعمق عجزه (العمى)، وبين الشعور بالغربة والخطر الوجودي للتيه.
إِنه تشبيه يستدعي فطرة تتجه نحو العلوّ، فالطائر مخلوق لسماء، والإنسان كذلك خُلق لغاية، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(الذاريات: 56)
فالتحليق هنا رمز للبحث عن المعنى والرجوع إلى الله. وهذا المعنى يؤكده الإمام في نثره حين يعتبر الإنسان سائرا إلى الله لا واقفا في الأرض. وصف الطائر بأنه أكمه ليس وصفا جسديا، بل استعارة للبصيرة، كما في قوله تعالى: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ(الحج: 46)
فالمشكلة ليست في أدوات الإدراك، بل في فقدان النور الذي يهدي الإدراك. لذلك يستعمل الإمام وصف العمى لتصوير انقطاع الإنسان عن مصدر الهداية.
سادسًا: الاستعارة المصيرية – كشف الحقيقة عند الموت
ذاتَ يومٍ يُجاءُ بالطيرِ يُدعى
لاحتفالٍ… في حفرةِ الدودِ بغتة
الموت يُقدّم هنا كمفارقة صادمة: جنازة تُرى احتفالا، وهو كشف مرير عن زيف الدنيا. والذكر يجعل الإنسان مستعدا لمواجهة الحقيقة الكبرى، فلا يُفاجأ بها، ويظل مستنيرا بالوعي والمجاهدة. قال الله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ[آل عمران: 185]
سابعا: الاستعارة الحسابية – الذكر معيار النجاة
يومَ توتَى كتاب أعمالك السـ
ـود شِمالاً جزاء ما قد عَصَيْتَه
هل ظَنَنْتَ الفِرار مِنْ مَلَكِ المـ
ـوت ببُرْجٍ الجحود بالخَرْص شِدْته ؟
هل حَسِبْتَ الإفلات من قبْضة المَـ
ـوت يسيراً أم هل تُراكَ حسَبْته؟
في هذه الأبيات ينتقل الإمام من الاستعارات الوجودية إلى الاستعارات الحسابية التي تُصوّر الذكر معيارا يُقاس به المصير الأخروي. فالقصيدة تتحرك هنا من أسئلة المعنى إلى أسئلة الحساب. يستعير الشاعر الكتاب ليشير إلى كتاب الأعمال الذي أخبر الله عنه في قوله تعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ…(الكهف: 49)
ثم يحدد إحدى مصائر هذا الكتاب: الأعمال السود التي تُؤتى بالشمال، في إشارة إلى قوله تعالى: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ(الحاقة: 25)
فالبيت الأول يبني حالة مشهدية ليوم من أيام الله لا يتكرر، حيث تتحول الغفلة السابقة إلى وقائع مكتوبة لا تُنسى. وهنا تظهر وظيفة الاستعارة الحسابية: إثبات أن الزمن لا يمضي، بل يُسجّل. أمّا البيتان التاليان فيستعملان أسلوب السؤال الإنكاري لتكوين معنى تربوي دقيق:
فالإنسان قد يظن أنه يفلت من الموت بالتحصّن أو بالمراوغة أو بالإنكار، لكن الشاعر يواجهه بسؤال وجودي:
هل ظننت الفِرار؟ هل حسبت الإفلات يسيرًا؟
وهذا يتناسق مع قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ(الجمعة: 8) فالاستعارة الحسابية هنا تقوم على ميزانين:
كتاب الأعمال يسجل الغفلة والمعصية، وقبضة الموت تُنهي زمن التعويض.
وبذلك يصبح الذكر ضمنيا هو المعوّل الأخير قبل انغلاق السجل، لأن الذكر في وعي الإمام ليس مجرد تحميد وتسبيح، بل انتباه إلى المصير. فالغافل تُكتب أعماله بلا نور وبلا قصد، أما الذاكر فعمله موزون بالصدق والثبات.
خاتمة
في نهاية هذا المسار الشعري نلاحظ أن الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله لا يستعمل الاستعارة لغايات جمالية فقط، بل لبناء منطق تربوي متكامل يسمّيه أهل السلوك اليقظة.
فالقصيدة تجعل من الذكر؛ بصيرة للطائر الأكمه في فضاء الضلال، وزادا للغريب في طريق المعنى، ونورا للقلب السراج حتى لا ينطفئ، وميزانا للحساب يوم تتطاير الكتب.
هذا التكامل يجعل «قطف الذكر» ليس تجربة وجدانية فقط، بل فعلا وجوديا يعيد للإنسان:
جهته نحو الله لا نحو العدم، وبصيرته نور يهدي بين الفتن، ووزنه عملٌ يُكتب يوم لا ينفع مال ولا بنون.
وبذلك يصبح الذكر شرطا للحياة لا نافلة لها، ويصدق فيه الحديث الشريف: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت» 5.
هذا هو حاصل الحيوية التي أراد الإمام أن ينقلها بالشعر كما نقلها بالنثر، عنوانها؛ ذكر يُثمر حياة، وحياةٌ تُثمر نجاة.
بهذا المعنى، تصبح الاستعارة جسرا بين النص القرآني، والسنة النبوية، والحياة الواقعية، ووسيلة تجعل الذكر مفهوما حيّا، وفعلا ناطقا، وسلوكا وجوديا، يحرّر الإنسان من قيود الغفلة، ويُعيده إلى موضعه الطبيعي في موكب الجهاد والذكر المستمر مع رسول الله ﷺ والمجاهدين الذاكرين.
دعاء
اللهم اجز الإمام عبد السلام ياسين عنا خير الجزاء، عن علمه الذي أنار به القلوب، وهدايته التي أضاءت بها الدروب، وعن جهده في بسط التربية بالكلمة والموعظة، بالنثر والشعر، وبكل وسيلة عرفها في سبيل هداية عبادك.
اللهم اجعل ما بذله في الدنيا ذخرا له في الآخرة، وارفع درجته مع أنبيائك وصالح عبادك.
اللهم اجعل سيرته نورا يهتدي به كل من تاقت نفسه إلى الحق، واهدنا جميعا إلى طريق العلم والعمل الصالح الذي عاش لأجله، واملأ قلوبنا شوقا إلى نبيك، واجعلنا من المقتدين به في القول والعمل، صادقين في الاقتداء وعاملين بجد واجتهاد.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.