حول مفاهيم القوامة والدرجة والولاية

Cover Image for حول مفاهيم القوامة والدرجة والولاية
نشر بتاريخ
الجماعة.نت
الجماعة.نت

استطاع الأستاذ عبد السلام ياسين أن يجعل القرآن الكريم والسنة النبوية، أساس فكره التجديدي، “لابد لنا إذن من إرساء قواعدنا على مكين الكتاب والسنة.” 1 فعكف على استصلاح الجهاز المفاهيمي، ومن بين المفاهيم التي جدّد فيها النظر مفهوم القوامة ومفهوم الدرجة ومفهوم الولاية.

لأهمية هذا الموضوع، ولما يثيره من تشكيك في صلاحية شريعة الإسلام وعدالتها، ولكون هذا الموضوع يعد المركب المفضل لأهل اللمز والطعن في الإسلام، خصّص له الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله مساحة واسعة من كتاباته.

 1- حول القوامة:

قال الله عز وجل: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ 2، والذي يقرأ بقية الآية الكريمة يدرك أن القوامة المذكورة هي للرجل في بيته، وداخل أسرته، فجعل الله القوامة للرجل والحافظية للمرأة، “على الزوج القِوامة، وهي حماية الزوجة وصيانتها وجلب المصالح إليها. وعليها هي الحافظية، تحفظه في نفسها وبيتها وولده وماله.” 3 فالقوامة ليست سلطة مطلقة وفرض وصاية على المرأة، وإنما أعطى الله حق القوامة للرجل لقدرته على تحمل أعباء الحياة، ويكون في بيته كما أمره الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم. إن القوامة التي فرضها الله على الزوج هي أخت الحافظية التي فرضها الله على المرأة الزوجة، بحيث: “لا تنازع الحافظية القِوامةَ، بل يعيش بعضهما في كنَف بعض.” 4 كما أنه “إذا كان للرجل فضل القوامة وشرفها، فإن للمرأة فضل السكن وشرف الأمومة.” 5 وقد جُعلت المرأةُ الصالحة خير متاع الدنيا، ودليله رواية مسلم عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة” 6 رواه مسلم.

وأعطى الأستاذ عبد السلام ياسين لمفهوم الحافظية بعدا شموليا، فقال: “حافظية الصالحات القانتات في المجتمع المسلم لا تقتصر على شُغل بيوتهن وإرضاء أزواجهن، بل تنطلق أولا من إرضاء الله عز وجل وترجع إليه.” 7

يقول الإمام محمد عبده في المراد بـ”القيام” في قوله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ “هو الرياسة التي يتصرف بها المرؤوس بإرادته واختياره، وليس معناها أن يكون المرؤوس مقهورا مسلوب الإرادة، لا يعمل عملا إلا ما يوجهه إليه رئيسه… والمراد بتفضيل بعضهم على بعض تفضيل الرجال على النساء، ولو قال: “بما فضلهم عليهن” أو قال: “بتفضيلهم عليهن” لكان أخصر وأظهر فيما قلنا إنه المراد، وإنما الحكمة في هذا التعبير هي عين الحكمة في قوله تعالى: وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا 8 وهي إفادة أن المرأة من الرجل والرجل من المرأة بمنزلة الأعضاء من بدن الشخص الواحد، فالرجل بمنزلة الرأس، والمرأة بمنزلة البدن.9

إن تشبيه المرأة بالجسد والرجل بالرأس فيه نوع من التجحيف لحق المرأة، لأن الجسد بدون الرأس مشلول لا يقوى على فعل شيء دون إعطاء إشارات من الرأس، ولو أن الإمام محمد عبده أشار إلى أن الرجل هو ربان السفينة والمرأة طاقمها بحيث يتشاركان في اتخاذ القرار وتنفيذه لكان التشبيه أبلغ، وهذا ما أشار إليه الأستاذ عبد السلام ياسين في قوله: “البيت المسلم الذي يمارس فيه الزوج «درجة» قائد السفينة، هو هناك مع خرائطه، ومخططات الإبحار، ومواجهة أهوال الموج، وهي حافظة لما به تتغذى السفينة وتتحرك من دواليب خفية ووَقود وصيانة. تطيع الربان إذا أمرها، وتحفظ غيبه في نفسها وماله.” 10

 كما “أن الرئاسة في الأسرة ليست استبدادية، بل هي شورية، لأن الشورى خلق المسلم في كل شؤونه.” 11

إن كمال أداء مسؤولية القوامة لا بد له من التعاون بين الزوجين، والذي يتمثل في طاعة المرأة لزوجها بحيث “تكون نابعة من القلب مع الرضا والحب، وأن تكون في حدود المعروف لا تتعداه. فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف.” 12رواه مسلم “ 13، “عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود …أنها قالت لزوجها: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيجزي عني أن أنفق عليك وعلى أيتام في حجري من الصدقة؟ فقال: سلي أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم.” 14 رواه البخاري ومسلم.

وتتمثل أيضا في التشاور بين الزوجين في القضايا التي تهم الأسرة، لقوله تعالى: وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ 15 فعن أبي بكر بن عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تزوج أم سلمة وأصبحت عنده قال لها: ليس بك على أهلك هوان، إن شئت سبعتُ عندك، وإن شئت ثلثُ، ثم درتُ، قالت ثلثْ.16 رواه مسلم.

وفي نيابة المرأة عن زوجها في إدارة شؤون الأسرة حال سفره، عن عبد الله بن سلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “خير النساء من تسرك إذا أبصرت وتطيعك إذا أمرت وتحفظ غيبتك في نفسها ومالها.” 17

2- حول الدرجة:

يقول الله عز وجل: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ 18 هذه الدرجة هي الإمرة والطاعة أي القوامة، وبالتالي ينبغي للرجل “أن يتحامل على نفسه رفقا برعيته، وذلك حتى يستحق مكان القيادة وفضلها، فإذا كان للقوامة فضل وشرف، فهو فضل الرعاية الحانية وشرف تحمل المسؤولية، ولا فضل للقيّم المقصر في رعايته أو الغافل عن أعباء مسؤوليته.” 19

وأما قوله تعالى: “الدرجة” فهو “يوجب على المرأة شيئا وعلى الرجال أشياء، ذلك أن الدرجة هي درجة الرياسة والقيام على المصالح المفسرة بقوله تعالى الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ 20، فالحياة الزوجية حياة اجتماعية، ولابد لكل اجتماع من رئيس، لأن المجتمعين لا بد أن تختلف آراؤهم ورغباتهم في بعض الأمور، ولا تقوم مصلحتهم إلا إذا كان لهم رئيس يرجع إلى رأيه في الخلاف، لئلا يعمل كل ضد الآخر فتنفصم عروة الوحدة الجامعة ويختل النظام”. 21

وللمدافعين عن حقوق المرأة من جانب التغرب والإباحية حول مطلب محوري هو المساواة بين الرجل والمرأة، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “إن الإيمان بدرجة الرجال على النساء إيمان بالقرآن، والكفر بها كفر بالقرآن. فهذا فيصل ما بيننا وبين أعداء الدين. الدرجة للرجال على النساء مزية ثابتة بالكتاب والسنة.” 22 وبما أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، “فتثبت الدرجة للرجال في الشأن الخاص في الحياة الزوجية، وفي الشأن العام في الحياة السياسية الاجتماعية.

لكن ما مضمون هذه الدرجة؟ أهي براءة تمنح للرجل، وتفويض لكي يدوس المرأة تحت قدميه أم هي مسؤولية رعاية أمينة وقيادة رحيمة؟” 23.

فالدرجة ثابتة للرجل ليقود السفينة ويجنب القافلة الفوضى.

3- حول الولاية:

عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة.” 24

حاول الأستاذ أبو شقة توضيح معنى الحديث وسبب نزوله بإعطائه نظرة عميقة بقوله: “عندما كانت فارس تتهاوى تحت مطارق الفتح الإسلامي، كانت تحكمها ملكية مستبدة مشؤومة… وكان في الإمكان وقد انهزمت الجيوش الفارسية وأخذت مساحة الدولة تتقلص أن يتولى الأمر قائد عسكري يوقف سيل الهزائم، لكن الوثنية السياسية جعلت الأمة والدولة ميراثا لفتاة لا تدري شيئا، فكان ذلك إيذانا بأن الدولة كلها إلى ذهاب.” 25

وإذا تأملنا قصة ملكة سبإ، التي قادت قومها إلى الإيمان والفلاح بحكمتها وذكائها. يقول الله عز وجل: إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ 26، وبالتالي لا يمكن أن يكون الحديث مناقضا للوحي، “ولو أخذ الحديث على عمومه لعارض ظاهر القرآن، فقد قص علينا قصة امرأة قادت قومها أفضل ما تكون القيادة، وحكمتهم أعدل ما يكون الحكم، وتصرفت بحكمة ورشد أحسن ما يكون التصرف، ونجوا بحسن رأيها من التورط في معركة خاسرة… وانتهى بها المطاف إلى أن قالت: قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ 27، فقادت قومها لخيري الدنيا والآخرة.” 28

أما الدكتور مصطفى السباعي فينظر للحديث على أنه: “يقتصر المراد من الولاية فيه على الولاية العامة العليا، لأنه ورد حين أبلغ لرسول صلى الله عليه وسلم أن الفرس ولوا للرئاسة عليهم إحدى بنات كسرى بعد موته، لأن الولايةَ بإطلاقها ليست ممنوعة عن المرأة بالإجماع بدليل اتفاق الفقهاء قاطبة على جواز أن تكون المرأة وصية على الصغار وناقصي الأهلية، وأن تكون وكيلة لأية جماعة من الناس في تصريف أموالهم وإدارة مزارعهم، وأن تكون شاهدة، والشهادة ولاية كما نص الفقهاء على ذلك، ولأن أبا حنيفة يجيز أن تتولى القضاء في بعض الحالات، والقضاء ولاية. فنص الحديث كما نفهمه صريح في منع المرأة من رئاسة الدولة العليا، ويلحق بها ما كان بمعناها في خطورة المسؤولية… أما سائر الوظائف الأخرى، فليس في الإسلام ما يمنع المرأة من توليها، لكمال أهليتها، ولكن يجب أن يتم ذلك وفق مبادئ الإسلام وأخلاقه.” 29

كما حاول الأستاذ عبد السلام ياسين أن يوسع دلالات الولاية، باحثا عن متعلقاتها في الكتاب والسنة فقال: “ليست لنا سابقة في الإسلام أن تتولى النساء الإمامة العظمى، وما كان لامرأة أن تتولاها.” 30

” الإمامة العظمى إمامة صلاة قبل كل شيء وقيادة جيوش وجهاد. رب العباد جعل قوة العضل في الرجال ورَباطة الجأش. ورب العباد سبحانه خص بإمامة الصلاة الرجال. تؤم المرأة نساء ويؤم الرجل الكل. ويأتي بعد ذلك الحديث النبوي: “لن يُفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة.« تجادل فيه بعضهن مستنداتٍ إلى نزاع لفظي فارغ بين بعض الفقهاء: هل المقصود بالزجر النبوي الفرسُ الذين ورثت ملكَهم ابنةُ كِسْرَى عن كِسرى، وإذاً لا نهيَ عن تولي المرأة الإمامة. هُراءٌ. الإمامة العظمى صلاة وقوامة وقوة.” 31

هكذا “ما كان للمرأة وما يكون لها أن تتولى الإمامة العظمى.” 32


[1] عبد السلام، ياسين، نظرات في الفقه والتاريخ، ص 10.
[2] سورة النساء: الآية 34.
[3] عبد السلام ياسين، العدل ص294.
[4] عبد السلام ياسين، تنوير المومنات، ج 2ص 271.
[5] كتاب تحرير المرأة في عصر الرسالة، ج5 ص 100.
[6] مسلم: كتاب النكاح، باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة، ج4، ص178.
[7] عبد السلام ياسين، تنوير المومنات.، ج 2 ص 82.
[8] سورة النساء، الآية 32.
[9] تفسير المنار، محمد عبده، الجزء5 الصفحة 56.
[10] عبد السلام ياسين، تنوير المومنات ج2 ص83.
[11] كتاب تحرير المرأة في عصر الرسالة، ج5 ص 100.
[12] مسلم: كتاب الإمارة، باب وجوب الطاعة للأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية، ج6 ص15.
[13] كتاب تحرير المرأة في عصر الرسالة، ج5 ص 103.
[14] البخاري: كتاب الزكاة، باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر، ج4 ص71. مسلم: كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج، ج3 ص80.
[15] سورة الشورى، الآية 38.
[16] مسلم: كتاب الرضاع، باب قدر ما تستحقه البكر والثيب من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف، ج4 ص173.
[17] الطبراني، صحيح الجامع الصغير، حديث 3294.
[18] سورة البقرة، الآية 228.
[19] كتاب تحرير المرأة في عصر الرسالة، ج5 ص 100.
[20] سورة النساء: 34.
[21] الإسلام والمرأة في رأي محمد عبده، الدكتور محمد عمارة، سلسلة “في التنوير الإسلامي” العدد 79، ط1، يناير 2007، ص24.
[22] عبد السلام ياسين، تنوير المومنات ج1 ص 50.
[23] المصدر السابق نفسه.
[24] البخاري: كتاب المغازي، باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر، ج9 ص192.
[25] كتاب تحرير المرأة في عصر الرسالة، ج2 ص 370.
[26] سورة النمل، الآية 23.
[27] سورة النمل، الآية 44.
[28] من فقه الدولة الإسلامية، يوسف القرضاوي، ص174.
[29] المرأة بين الفقه والقانون، مصطفى السباعي، ص39، 40، 167.
[30] عبد السلام ياسين، تنوير المومنات ج2ص270.
[31] عبد السلام ياسين، تنوير المومنات ج2ص271.
[32] عبد السلام ياسين، تنوير المومنات ج2ص270.