حواء أو ولادة من جديد

Cover Image for حواء أو ولادة من جديد
نشر بتاريخ
مومنات نت
مومنات نت

تتفتق عن ذاكرتي أحزانها وتيبس الصور الكبيرة داخل إطاراتها، وتتحلل من بين رموشيَ المتعبة دمعة صمدت منذ أجيال وأجيال.
لا أعرف كيف وصلت إلى هذه الحال، كيف تسلقت هذه الوعورة؟ واكتفيت بهذه الصخور منزلا يقيني حر الشمس وقر البرد؟
لا أعرف منذ متى وأنا هنا وحيدة، أجالس الصمت وأحادث الشجر والحجر؟
– أَتَرى هذه البحيرة الكبيرة؟ إنها تشبهني. كل صباح أنزل إلى حافتها وأراقب على صفحتها وجهي. أخشى أن أنسى ملامحي.
إنها تؤنسني، تجعل لي صورة أحفظ فيها نفسي، فلا أنسى بذلك تقاسيم وجهي.
عشت آلاف السنين كنت مرة ابنة توأد، ومرة زوجة تضطهد، ومرة جارية تُحتقر، ومرة ماجنة يرقص حولها الرجال، ومرة زاهدة في كل متاع، ومرة أختًا سلبت حق الحياة، وأخرى دمية تُعبد وتُذلُّ.. وفي كل هذه المرات لم أعثر فيها على نفسي إلا مرة واحدة فقط.
رأيت فيها جمال عيناي وصفاء خدي وإشراقة قلبي.
رأيت فيها أنثى حية، وعقلا ذكيا، وقلبا نقيا، ومشاعر تُحترم، ورأيا يُؤخذ به.. كم أفتقده!
انتشله صوتها الحزين المشتاق من خواطره التي انتشرت مع كلامها في كل الأنحاء. ليعود إلى التأمل فيها من جديد ويسأل:
– من هو الذي تبعثين إليه بنظراتك المشتاقة؟ أهو حبيب؟
أجابت وقد لمعت كل حركاتها وهمساتها:
– بل هو النور والضياء.. هو البسمة التي تُسحب إلى الشفاه المتشققة فتروي ظمأها إلى الفرح، وتُبَلّل ثناياها بالطمأنينة.
إنه الرفق الذي ليس له حد.
والأمل الذي فاق كل حد.
هو الجمال بأدق تفاصيله.. والأدب بأكمل معانيه.
ما رأيت أجمل منه ولا أحلى.. ولا أشرف منه ولا أندى.
له أخلاق جمعت أطراف أول الخلق وآخره.. سَمِيَّةٌ متعالية على الرذيلة.. صَنَّاعَة للرفعة والفضيلة.
لم أر له شبيه بين الرجال.
كان إذا تبسم أشرق الكون كله، ما بطش يوما ولا تجبر.. ولا ظلم ولا قهر.. إنه ماء عذب فرات، كلما مرَّ بجَذبٍ أحياه.
قاطعها متلهفا: من هو هذا الملاك؟
إلتفتت إليه ببطءٍ، وقالت:
– بل هو بشر أرسله إلينا المولى عز وجل ليُخرجنا من الظلمات إلى النور، من الوأد والجهل والظلم والتحقير إلى الحياة والعلم والعدل والرفعة.
إنصبغت حياتنا فيما مضى بالعبثية، والفوضى، وسيل من الرذائل التي لا حصر لها ولا عد.
ضِعتُ منذ وُلِدت، في ذلك العبث والجنون والقسوة..
ونشأت وبي عاهات جسيمة، أخطرها كان تجريدي من معناي وحقيقة وجودي.. من أنا؟ لِمَ خُلقت؟ كيف خلقت؟ لأية غاية؟
كبرت وصرت شابة جميلة، بقوام متناسق.. فتسابق الرجال من حولي كلهم يرجو نظرة أو بسمة أو همسة..
فكنت أُمسك أو أُعطي حسب مزاجي ورغبتي..
تعلمت في زمن آخر كيف أكسر قيد ضعفي، وأنطلق بفكري فارضة رأيي وباذَّة خصمي ومتفوقة عليه في كل مجال.
صنعت لنفسي ذات قوية.. متجاوزة زمن كنت منبوذة مظلومة محقرة.
أُترفت حتى تخمت..
وهنا اصفرت ملامحها وعلاها شحوب وعبست وكأنها على وشك التقيؤ.. قدّم لها كوب ماء، شربته دفعة واحدة. أخذت نفسا عميقا وتابعت:
– ولكن تناقض ما كان يصطرخ فيَّ.. شيء ما لم يتصالح مع ذاتي المصنوعة بجهد عقود طويلة.
شيء ما كان يتآكل داخلي.. يتهاوى.. وعُدت للضياع من جديد. فلم أتحمل، وجئت إلى هذا المكان المعزول أبحث عن الطمأنينة والسلام.. وصمتت.
طال صمتها وشروذها، فبادر بسؤالها:
– وهل وجدت ما تبحثين عنه؟
زفَرَت بشدة وتأوَّهَت كأنه ضغط على جرح غائر فيها أيقظ كل آلامها مرة ثانية:
– أنَّى لي ذلك.. أنّى لي بتلك الطمأنينة وداخلي مفقود. لا أعرف في أي زمن من تلك الأزمنة تركته.. وفقَدْتُه.
أمسك يدها وشد عليها حتى استدارت إليه ونظرت بعمق داخل عينيه:
– أعرف أين فقَدْتِه.
إبتسمَت بلهفة وسألته وكلماتها تتعثر في أذيال فرحتها:
– أحقا تعرف؟ أين.. أين.. أخبرني أين؟
– أنسيتِ ذلك الملاك؟ البشر الرسول الذي بعثه المولى عز وجل إلينا ليخرجنا من الظلمات إلى النور..
عادت إليها ذكرى ذلك الزمن الجميل. نظرت إليه نظرة ثابتة تؤكد أنها تتذكر وتستحثه على إكمال حديثه..
– تتذكرين أليس كذلك؟ إنه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الذي بُعث ليجمع ما تشتت فينا، ويُصلح ما تخاصم داخلنا، ويُحيي ما مات بموتنا.. أعاد إلينا إنسانيتنا وذكرنا بسبب وجودنا. إنه نور من النور وكمال بلا نقصان ولا خدوش، يده ممدودة إلينا منذ زمن، نعود لرشدنا ونعود لدورنا إن تمسكنا بها، وأخذنا منها ما تركنا.
وقف ووقفت إلى جانبه.. يدا في يد سارا نحو الأفق المشع.. مخلِّفَيْن وراءهما كل الشتات والصراع والضياع.