حللتم أهلا…

Cover Image for حللتم أهلا…
نشر بتاريخ
مومنات نت
مومنات نت

من أحسن ما يؤثث عطلنا الصيفية ويجملها؛ صلة الرحم ولقيا الأحباب والأخلاء، مناسبة ولا شك تذكرنا بعظم سجية الكرم وحسن الضيافة، وتجعلنا نغرف بالمكيال الأوفى من مخزون الذوق والأدب والمروءة. كيف يا ترى نكون مضيفين كرماء، لسنا بالثقلاء؟ لا أبغض من ضيف ثقيل الظل، بذيء الكلام، كثير السؤال، عظيم التدخل في ما لا يعنيه من الشؤون ولا يعنيه من الأمور، ذلك الذي يذكرنا بقول الشاعر:

إذا حـلَّ الثـقـيــل بــأرضِ قــــومٍ ** فـمـا للسـاكنين سـوى الـرحـيل

كم كنت أتجنب الجلوس إلى ضيف كان يحل مكرما في بيتنا وأنا لا زلت صبية ألعب هنا وأقفز هناك، كنت حقيقة أتجنبه وأنا لا أزال في عقدي الأول من العمر، لأني كنت كلما اقتربت من مجلسه إلا ورماني بوابل من التساؤلات التي كثيرا ما لا أجد لها جوابا، وأغرقني في سيول تدخلاته المريعة فيما لا يعنيه… من الذي نجح منكم؟ وكم كان معدله؟ وبكم اشترى أبوك البيت؟ ومن عند من؟ وبكم اشترى السيارة؟ وهل تزوجت أختك الكبرى التي في الواقع كانت لا تزال صغيرة تتابع دراستها الإعدادية… ومن؟ ومتى؟ وكيف؟ ولماذا؟ وبكم؟… أسئلة وكأنها بحر لجي تغشاه أمواج عاتية من التدخلات السافرة في شؤون الأسرة. قيل قديما: “حيثما كثر الأدب عظمت المروءة، وكلما خف الذوق خف معه القبول”.

فلنتذكر معا أحبتي، وكل الذوق لكم، بعض آداب الضيافة، ونحن في موسم تكثر فيه الضيافة.

أولها إجابة الدعوة والبدء بمن سبق إليها، ولا يمنعن أحدنا ضيق ذات اليد فيترك الواجب من أجل النافلة. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الهدية نعم ويثيب عليها، ولكن أن يكون عدمها مانعا من تلبية الدعوة فذاك أمر لا يليق. قال عليه من ربه أزكى الصلاة وأعظم التسليم: “إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها” و“إذا اجتمع الداعيان فأجب أقربهما بابا، فإن أقربهما بابا أقربهما جوارا، وإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق” أخرجه أبو داود رحمه الله.

وليس من السنة اصطحاب أحد بلا إذن؛ “من دعي ولم يجب فقد عصى الله ورسوله، ومن دخل على غير دعوة دخل سارقا وخرج مغيرا”.

لطالما نلحظ في مجتمعاتنا سريان عرف فاسد حتى صار عادة لازبة، فمن دعي ظهرا التحق عصرا، ومن دعي مغربا لا يلتحق إلا عشاء، ولا يكتوي بنار الانتظار إلا من بكر بحضوره. حقيقة إن التأخر عن وقت الضيافة ليس من الذوق في شيء حتى إنه قيل: “ثلاث تضني: سراج لا يضيء، ورسول بطيء، ومائدة يُنتظر لها من يجيء”.

لا أشد من أن يدخل الضيف والناس جلوس دون أن يكلف نفسه عناء التحية وإلقاء السلام، هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح: “يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير”.

ثم إن الجلوس حيثما طلب المضيف سنة، لأنه الأعلم بعورات بيته، ورب أمر يخصك لا تحب لأحد أن يطلع عليه. أما مد اليد إلى ممتلكات المضيف، واستعمال هاتفه بلا إذنه، والتجوال في غرفات بيته، والتطلع إلى خباياه لهي – يقينًا – من المحاذير التي لا يجمل التفكير فيها فضلا عن فعلها.

حذار من المبالغة في الطلبات والإكثار من الشروط، فلا ضير أن مثالنا المغربي جميل في بابه، لطيف في مضمونه، زاخر في مكنونه، معبر في طرحه، وهادف في توجيهه: “الضيف ما يتشرط، وصاحب الدار ما يفرط”.

وليحرص المضيف على خدمة ضيفه بيده، فذلك من تمام المروءة وكمال الاتباع، والبدء به وإيثاره ما لذ وطاب من الطعام والشراب، لأن “ساقي القوم آخرُهم”، كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يشرب بعدما تشرب أم معبد ثم أبو بكر رضي الله عنهما.

والحذر كل الحذر من أن نتتبع بأبصارنا لقمة من نجالس. عن ابن عباس رضي الله عنهما: “نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتبع الرجل ببصره لقمة أخيه”، ثم إذا أراد الضيف المغادرة فلا تغفلن عن تشييعه إلى الباب.

ومع هذا كله وقبله وبعده، يجدر بنا ألا ننسى أن “من أكرم أخاه المؤمن فكأنما أكرم الله”، وأن سلام الملائكة الكرام وصلواتهم تحل وافرة في بيت حل فيه ضيف، فليس من داع للتأفف والضجر، فبحلول الضيف تحل علينا الرحمات وتغمرنا البركات.