لا غرو أن في جمع الأحاديث المتعلقة بموضوع واحد في سياق واحد إفادات كثيرة، فإلى جانب تقوية الحديث بتعدد الطرق، فإنه يمكن من استثمار كل ألفاظ الحديث نورا وبركة وفقها وتزكية، وتفصيل ذلك في مظانه من كتب علم المصطلح والعلل والأطراف والزيادات والمستخرجات، ومنتهى هذه المقالات هو تقريب القارئ المبتدئ، غير المتخصص، بأغلب ألفاظ الحديث الذي حفظه أو يسمعه غالبا.
أما حديت اليوم هو حديث سماع النبي عليه السلام للقرآن مِن مَن أمرنا عليه السلام أن نأخذ القرآن من فيه غضاً طرياً، وهو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أتاهم في مسجِدِ بَنِي ظفَرٍ فجلَسَ على الصخرةِ التي في مسجدِ بني ظفَرٍ ومعه عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ ومعاذُ بنُ جبلٍ وأناسٌ من أصحابِهِ.
قالَ النَّبيُّ ﷺ لعَبدِ اللهِ بنِ مَسْعودٍ وَهوَ على المنبر: اقْرَأْ، اقرَأْ عليَّ القرآنَ، (اقرَأْ علَيَّ سورةَ النِّساءِ) قالَ: أقْرأُ وعليكَ أُنزِلَ، (أليسَ عليكَ أُنْزِلَ ومنكَ تعلَّمناهُ؟)، قال: بَلى ولكنِّي أُحِبُّ أنْ أسمَعَه مِن غَيْري، قالَ: فافتتَحَ سورةَ النِّساءِ حتّى بلَغَ: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا[النساء: 41]، قال: أمسِكْ حسبك، رَفَعْتُ رَأْسِي، (أَوْ غَمَزَنِي رَجُلٌ إلى جَنْبِي فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ)، فاستَعْبَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ، وكفَّ عَبدُ اللهِ، فرأيتُ عينيْ رسولِ اللهِ، تهملانِ (تُهرقانِ تذرِفانِ) فاغرَوْرَقَتْ عيناه (ودُمُوعَهُ تَسِيلُ) فأمسَكْتُ، فقال لي سَلْ تُعْطَهْ (في رواية قال: يا ربِّ هذا شهِدتُ على مَن أنا بين ظَهريهِ فكيفَ بمن لَم أرَهُ)، (وفي رواية قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ شَهيدٌ علَيهم ما دمتُ فيهِم، أَوْ ما كُنْتُ فيهم، فإذا تَوفَّيتَني كنتَ أنتَ الرَّقيبَ علَيهم)، فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ: تكَلَّمْ، فحمِدَ اللهَ في أوَّلِ كَلامِه، وأثْنى على اللهِ، وصَلّى على النَّبيِّ ﷺ، وشهِدَ شَهادةَ الحقِّ، وقالَ: رَضِينا باللهِ رَبًّا، وبالإسْلامِ دِينًا، ورَضِيتُ لكم ما رَضيَ اللهُ ورَسولُه، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: رَضيتُ لكم ما رَضيَ لكم ابنُ أُمِّ عَبدٍ.
لطيفتان:
قال ابن بطال يحتمل أن يكون أحب أن يسمعه من غيره ليكون عرض القرآن سنة، ويحتمل أن يكون لكي يتدبره ويتفهمه، وذلك أن المستمع أقوى على التدبر ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارئ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها وهذا بخلاف قراءته هو على أبي بن كعب فإنه أراد أن يعلمه كيفية أداء القراءة 1.
قال ابن النحوي: وبكاؤه عند هذه الآية لعظم ما تضمنته من هول المطلع وشدة الأمر، إذ يؤتى بالأنبياء شهداء على أممهم بالتصديق والتكذيب. وقيل بكى فرحاً بقبول شهادة أمته وتزكيته لهم ذلك اليوم 2.
فقه الحديث:
· استحباب استماع القراءة، والإصغاء إليها، والبكاء عندها، والتدبّر فيها.
· استحباب طلب القراءة من الحافظ المجوّد لقراءته للاستماع إليه، وهي أبلغ في التفهّم والتدبّر من القراءة بنفسه.