حسب فيديوهات رائجة، يظهر مجموعة من اليهود بلباسهم الديني التقليدي، وهم يؤدون طقوسا تعبدية بشكل جماعي أمام حائط باب دكالة بمدينة مراكش.
بالتأكيد لا يتعلق الأمر بمجرد أداء “شعائر” اعتيادية في بلد “التسامح”، لا أحد سيتجرأ ليعطي دروسا للمغاربة حوله، وقد عاش اليهود بينهم لآلاف السنين، دون مشاكل، قبل أن يقرر أغلبهم الالتحاق بكيان الشر، وطرد الشعب الفلسطيني من أرضه، والإغارة على شعوب المنطقة المحيطة، التي لم يسلم منها شعب واحد، من الاحتلال والهجوم والغطرسة والاستنزاف.
رمزية مراكش في تاريخ المغاربة، ورمزيتها في التمثّل العالمي الحالي للمغرب، ورمزية باب دكالة في الذاكرة الجمعية للمغاربة، تقول بأن الأمر ليس صدفة، ولا مجرد انفلات، أو تصرف طائش، من (سائحين) يجب التغافل عنه، وعدم تحميله أكثر مما يحتمل.
إن القوم لا يعبثون، ولا يتركون شيئا للصدفة، ولا يستحيون أبدا، أن يقفزوا إلى مرحلة أكثر جرأة ووقاحة، كلما ظنوا أنهم قد تخطوا المرحلة السابقة، واستحكموا لوازمها، خاصة وأن “مجتمعهم” كيان عسكري، متورط في الإبــادة وضالع في الإرهاب، ولا يوجد فرد واحد غير مدرّب على القتل، وغير معبّأ بالفكر الإجرامي الذي يجيز الاستمتاع بقتل الأطفال الرضّع.
ولذلك، يبدو أن الأمر يتعلق بهندسة محكمة لمراحل التمظهر في الفضاء المغربي العام، وفق مبدأ التدرج، لتخفيف الصدمة المثيرة للرأي العام، واعتماد رفع الوتيرة تدريجيا، كمّا ونوعا.
فعلى المستوى السيميائي يحرص الصهـايـنة القادمون من كيان الشر أن يتسلحوا بلباسهم الرمزي كاملا، بما يحمله من شعارات ورموز، وإكسسوارات دينية وتراثية موغلة في التفاصيل، ليس حرصا على البعد الإثني أو الهوياتي العام، بل بقصدية إيديولوجية وسياسية معلنة، تثبت الإصرار على رسم صورة “أيقونية” محددة بعناية، تريد أن تستهدف تطبيع العين “الغريبة” مع الصورة الرمزية حتى تألف ظل الصورة، وهو الوجود الماثل المفروض واقعا، بقدر ما تعطي كذلك إشارة واضحة لاستشعار التفوّق وإظهار العلو والتمكّن، بإشهاريتها العلنية، واستعراضيتها المبالغ فيها.
إن الأمر يتعدّى بكثير حدود حرية اللباس، أو سمات الاحترام المطلوب لبعض مظاهر التديّن على المستوى الشخصي، لأنه الآن يتخذ صبغة جماعية منظمة، تخرج في أوقات مدروسة، وأمكنة مختارة بدقة، كي تصنع الحدث، وتُعِدَّ النفوس، وتمسح الأرض بالمعنى الطوبوغرافي، قبل بلوغ مراحل تمكين متقدمة.
فمن السباحة العارية المتفضّحة حسبما راج في بعض وسائل التواصل الاجتماعي بالناظور، إلى بعض الصور المتسربة لأفراد في رؤوس الجبال، وما يبرز فيها من دراسة الأمكنة، واختيار المناطق الاستراتيجية العميقة، إلى التغلغل الصامت ثقافيا وفنيا، باستضافة رموز مناصرة للإبادة، وغيرها من الأمور الظاهرة والمخفية المخاتلة، تمضي الخطة بسرعة مطّردة، وبأحداث تبدو متفرقة لا رابط بينها، غير أنها في العمق، مترابطة الخيوط، متناسقة الجهود، متظافرة المراحل.
لقد أحسّت فئات واسعة من الكيان الغاشم بأن المستقبل بات مهددا، وأفق الهناء و”التفوق الصاعق” قد بدأ في التصدّع منذ صباح السابع من أكتوبر المجيد، فعقلاؤهم هناك يقرعون أجراس الإنذار ويفكرون في المغادرة قبل فوات الأوان، وقد شرع الآلاف فعلا في مغادرة سفينة القرصنة قبل أن تبتلعها قيعان المحيط المظلمة بما جنت أيدي مجرميها من سفك للدم وإحراق لكل القيم والأعراف.
فهم ها هنا، بعد أن شرعت لهم اتفاقيات العار أبواب الانتشار السرطاني في مفاصل البلاد، يسارعون الخطى، ويستحثون الانسلال إلى كل القطاعات الحساسة، ويستعدّون لمضاعفة الجهود، وإحكام الوجود.
ويعلم الله إلى أي حدّ بلغ اختراقهم، حتى يتجرأوا على الظهور في الفضاء العام بتلك الصيغ المستفزة لمشاعر المغاربة ولهويتهم وتاريخهم المجيد.
فهل من وقفة قبل فوات الأوان؟!