العدل والإحسان تبرز الإمام ياسين الشاعر بفقرات متنوعة في “ليلة الوفاء”

Cover Image for العدل والإحسان تبرز الإمام ياسين الشاعر بفقرات متنوعة في “ليلة الوفاء”
نشر بتاريخ

افتتحت ليلة الوفاء مساء السبت 20 دجنبر 2025، بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم بصوت القارئ محمد ياسين البقالي، أضفت على الفضاء خشوعا وجلالا يليق بالمناسبة، قبل أن تتولى مقدمة الحفل الإعلامية هاجر الكيلاني الترحيب بالحاضرين، والتأطير العام لليلة التي خصصت للاحتفاء بالإمام عبد السلام ياسين شاعرا، في ثاني أيام الذكرى الثالثة عشرة لرحيله رحمه الله.

وتعزز هذا الافتتاح بقراءة شعرية ضمَّنها المبدع المهندس مصطفى شقرون نماذج مختارة من «قطوف» و«شذرات» للإمام رحمه الله، وقد استحضر فيها روح الإمام ومعاني الدعوة والجهاد بالكلمة، قبل أن تختم الفقرة بشريط تقديمي للمجموعة الشعرية الكاملة، الصادرة عن دار إقدام سنة 2025، في نحو 500 صفحة جمعت شعر الإمام كله في إصدار واحد، بوصفه لبنة توثيقية ومعرفية وازنة.

 

ذ. منير ركراكي.. الشعر مسار تربية وصحبة

 

في مداخلة وسمت بالصدق والدفء، استهل الأستاذ منير ركراكي، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، حديثه بشكر القائمين على ليلة الوفاء، منوها باختيارهم تسليط الضوء على البعد الفني والشعري في شخصية الإمام، باعتباره بعدا أصيلا في مشروعه التربوي والدعوي. ثم سرد قصته الشخصية مع الشعر، منذ الطفولة، في كنف أسرة مولعة بالحكاية والملحون والزجل، وصولا إلى شغفه بالأناشيد الكشفية.

وتوقف الشاعر الأديب عند لحظة مفصلية في مساره، حين وجهه الإمام رحمه الله، بعد اطلاعه على بحثه الجامعي، إلى كتابة الشعر، بل اشترط عليه قصيدة موزونة لقاء زيارته، وهو ما لخصه بقوله: «نظمت الشعر لأكون زائرا لا لأكون شاعرا». وكشف كيف واصل الإمام رعايته له، حتى من داخل السجن، مقترحا عليه ملحمة شعرية بنَفَس القومة، مستلهمة من حسان بن ثابت وأحمد شوقي، موجها ومصوبا، في مسار تربية فنية ممتد.

الإبداع الفني.. الشعر حين ينشَد ويغنى

عرفت ليلة الوفاء لحظات فنية مميزة، جمعت بين الإنشاد والغناء والشريط الوثائقي، حيث قدمت مجموعة الوفاء وصلة إنشادية أدت فيها أبياتا من شعر الإمام أداء جماعيا متناغما، لامس الوجدان وربط الشعر بروحه الجماعية والرسالية. كما قدمت فرقة «قطوف» وصلة إنشادية أدت فيها القطف 113 من «قطوف» الإمام رحمه الله. 

كما شهد الحفل فقرة فردية للفنان الحبيب السلاسي في قطعة غنائية بعنوان «قم للصلاة»، من شعر الإمام، أداها بإحساس عالٍ. وتميز الحفل بعرض شريط «كلمات من نور… الإمام شاعرا» للمهندس مصطفى شقرون، الذي أبرز كيف كان الشعر عند الإمام سلاحا بالكلمة، ونورا يوقظ القلوب ويستنهض الهمم.

الشعر في المشروع.. وحدة القصد وهندسة البناء

في جلسة فكرية أدبية أدارها الدكتور عبد القادر الدحمني، اجتمع الشاعران الدكتوران عبد العلي مجذوب والصادق الرومبوق، لتفكيك التجربة الشعرية للإمام عبد السلام ياسين، وبيان موقع الشعر في مشروعه الدعوي. واعتبر مجذوب أن الإمام جمع بين النثر والمنظوم بوعي وظيفي، مؤكدا أن الشعر عنده لم يكن ترفا ولا ديدن شاعر محترف، بل أداة دعوية واضحة القصد.

ومن زاوية تحليلية، أبرز الرمبوق أن ديوان «قطوف» يقوم على هندسة بنائية محكمة، تربط بين الديباجة والخاتمة، عبر وحدة البحر والروي والإيقاع، بما يكشف عن وفاء الشاعر بميثاقه الأول. وشدد على مركزية المحور المحمدي في الديوان، الذي يبدأ بالنبي ﷺ وينتهي بالصلاة عليه، في دائرة قصد مكتملة.

معارضات شعرية… الامتداد والوفاء

خصصت ليلة الوفاء فقرة للمعارضات الشعرية، استحضر فيها شعراء معاصرون روح الإمام، ونظموا على منواله، في تفاعل إبداعي يعكس الامتداد الحي لتجربته. وشارك في هذه الفقرة كل من الشاعر حسن الوثيق، والشاعرة سهام محمد العلا، والشاعر يوسف الغزالي.

وتميز الغزالي بإلقاء «قطوف» مترجمة إلى الأمازيغية، أداها أداء لافتا، جسد تلاقي الشعر مع التعدد اللغوي والثقافي، وأبرز عالمية المعنى ووحدة الرسالة، في وفاء إبداعي لتجربة الإمام الشعرية.

فلسطين في شعر الإمام… مركزية العقيدة وأفق البشارة

وضمن فقرات هذه اليلة أدار الدكتور عبد القادر الدحمني جلسة حوارية ثانية، لكنها تركزت على حضور القضية الفلسطينية في شعر الإمام عبد السلام ياسين، وقد شارك فيها كل من الكاتبة والأديبة حسناء الدويشي، والكاتب القاص رضى نازه. وأكدت فيها الدويشي أن فلسطين في شعر الإمام لا تقدم بوصفها نكبة وبكائية مجردة، بل تحضر باعتبارها قضية مركزية متجذرة في مشروعه التربوي التغييري، ومرتبطة بعقيدة الأمة ومسجدها الأقصى. فالألم حاضر في توصيف حال الأمة وتخلفها واستبداد حكامها، غير أن أفق الشعر لا يقف عند الجرح، بل يمزج الألم بالبشارة، ويجعل من فلسطين اختبارا لصدق الأمة ومؤشرا على عودتها الحضارية.

من جهته، أوضح رضى نازه أن شعر الإمام، وهو شعر ذكر وتذكير، يلتقي مع القضية الفلسطينية ضمن رؤية شاملة تجمع بين العدل والإحسان، وتجعل الأمة كلها معنية بفلسطين بوصفها “بارومتر” عزتها أو حضيضها. فحين تكون القدس في قبضة الغزاة، يدل ذلك على عمق الانكسار، غير أن هذا الحضيض يستبطن، في سنن التاريخ، أفق الصعود. وبين أن الإمام كان دائم الرجاء، ينظر إلى شهداء فلسطين لا كمفقودين، بل كقربان لنهوض الأمة وسلم للترقي في مقامات الشهادة.

وعقب الجلسة، ألقت الأستاذة كوثر برحو أبياتا شعرية للإمام، ليسدل الستار عن ثاني أيام ذكرى الوفاء هذا العام بدعاء جامع خاشع للدكتور عمر أمكاسو، عضو مجلس إرشاد الجماعة ومسؤول مكتبها الإعلامي.