استهل الأستاذ منير ركراكي، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، مداخلته في ليلة الوفاء، ثاني فعاليات إحياء الذكرى الثالثة عشر لرحيل الإمام عبد السلام ياسين التي نظمتها جماعة العدل والإحسان ليل السبت 20 دجنبر 2025، بشكر الهيئة المشرفة على إحياء هذه الذكرى على تسليطها الضوء على جانب أساس من شخصية الإمام المرشد الموسوعية؛ هو الجانب الفني عموما والشعري على وجه الخصوص.

وكشف في معرض حديثه عن قصته مع الإمام، أنها “قصة طفل نشأ في أسرة دين وشرف، وفي كنف أب مولع بالحكايات والمقامات الشعبية، وله بالملحون والمولوديات وبالزجل شغف”، وأنه كان مولعا بأنشطة الكشفية حيث كانت تستهويه أناشيد مؤداة من معلمين مدربين كشافة أكفاء، فكان هذا مبتدأ خبر اهتمامه بالشعر.
ثم بعد انقطاع دام ثماني سنوات من الدراسة الابتدائية والإعدادية عاد إلى الإبداع في المجال الأدبي والقصص بوجه خاص، لكن محاولاته النظمية وانضباطه بقواعد العروض كانت خجولة، حتى انتقل إلى المرحلة الجامعية الطلابية، حيث أصبح له ولاء للإمام المجدد صحبة، وانتماء إلى أسرة الجماعة قبل أن تسمى العدل والإحسان، وقدم بحثه للإجازة في الدراسات الإسلامية شعبة اللغة العربية وآدابها، فكان أن وجه له الإمام، بعد إطلاعه عليه، ملاحظات تخص الأسلوب البلاغي، ووجهه لكتابة الشعر. ورغم خوف الأستاذ ركراكي من الغوص في بحاره إلا أنه مضى في النظم، ذلك أن الإمام رحمه الله تعالى اشترط عليه لزيارته المقبلة، تحفيزا، أن يأتي بقصيدة شعرية موزونة، وإلا فلا أمل في الزيارة، وفي ذلك يقول الأستاذ ركراكي: “نظمت الشعر لأكون زائرا لا لأكون شاعرا”.
بعد شهر ونيف، أخبر أحد أحباب الأستاذ ركراكي برؤيا رأى فيها أنه نظم قصيدة موزونة تذكر منها أبياتا ثلاثة:
أخي من تناسى حقوق الإخاء
أخي من جفا واستطاب الجفاء
ترى أي سم سرى في دمانا
فشا بعده في إخانا البلاء
ترى أي سحب جرت في سمانا
فغاب الثناء وزال الصفاء
فكانت الرؤيا محفزة لإتمام القصيدة نسجا على المنوال لتصبح التأشيرة لزيارة الإمام.
واستمر اهتمام الإمام المرشد رحمه الله تعالى بصاحبه الأستاذ ركراكي كشاعر، فراسله حينما أدخل سجن لعلو – سنتين نافذتين جورا – مقترحا نظم ملحمة شعرية بنفَس القومة؛ تستعرض تاريخ الإسلام وما كاده الأعداء للدعوة والدعاة، مستلهما من الشاعر حسان بن ثابت رضي الله عنه ومن صناعة أحمد شوقي أمير الشعراء الشعرية ما يسعف في إنجاز الملحمة، وهو ما انبرى لتطبيقه بعد عقود، فنظم القصائد تحت عين الإمام الذي كان يسأل ويصوب ويوجه ويختار له من شعر الفحول ما يصقل موهبته.
وفي زيارة له رحمه الله تعالى، وهو ما يزال في سجنه، أشار بعبارة رأى الأستاذ ركراكي نفسه معنيا بها: “هل من بلبل صداح من قفصه يغرد ويثبت زائريه ويدعوهم لمواصلة مشوار الصمود أمام كيد الأعداء”، فجاء نظمه كما يلي:
بلبل يوصي أخاه
فاسمعوا يا غافلين
من فناء السجن نادى
من هنا نبني اليقين
صنم كل إله
قد من ماء وطين
فدعونا من سكوت
وانشروا قول السجين
يا رفاق الدرب زوروا
ها هنا يحلو النشيد
أتظن أن عيشا
في الدنا حلو رغيد
أو تخال الطير
يحيا في السجون كالعبيد
فلئن مات قهرا
هل ترى يفنى الشهيد
هذه القضبان أوهى
من بيوت العنكبوت
فاكسروها بأياد
ترفعوها للقنوت
لن ينال العز عبد
يشتهي ذل السكوت
لا ولا يرجو حياة
من يخاف أن يموت
ومضى الأستاذ ركراكي ساردا قصة احتضانه شاعرا من طرف الإمام، وكيف أنه رحمه الله سر بالقصيدة المذكورة، وكيف أكمل طريق الشعر وهو يعود في كل مناسبة إليه حاملا معه شعرا، فيتذاكران فيه، وكيف كان رحمه الله يطلب منه نظم الشعر، بل وأنابه عنه في حضور الملتقى الشعري الأول الذي نظمه نادي الفكر الإسلامي لمؤسسه مولاي الكتاني، فشارك بقصيدتين، وشارك بعدها في ملتقيات عدة، حتى تحول من منبر المنافسة إلى منصة التحكيم، بل وكرم ضمن شعراء كبار، ونال الجوائز، ثم استمر يتجول من قصيد إلى قصيد في حياة الإمام ثم بعد رحيله رحمه الله تعالى.
وقد زين عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان مداخلته، بإلقاء نصوص شعرية عديدة، أرخ بها لمحطات مسيرته الشعرية الغناء، أنهاها بشعر نظمه بمناسبة الذكرى 13 لرحيل الإمام، جاء فيه:
أتت ذكرى الوفاء فهاج نظمي
ببوح الروح يفشي سر يتمي
وحزن القلب يكويني التياعا
ودمعي من مآقي العين يهمي
أتت والمسجد الأقصى سليب
وغزة دمرت بجنون رجمِ
من الأعداء والحلفاء قصفا
بما يخزي ويردي ويدمي
تذكرني بمبعوث رحيم
لتجديد الخلافة رشد حكمِ
بديلا عن عضوض مستبد
وجبر غاشم أزرى بقومي
ومحتل غزانا بعد وهن
وأسلمنا لعميان وصمِّ
عن الشورى اختيارا لا انصياعا
لمن ساموا الورى قهرا بظلم
تذكر بالإمام بشير سعد
يجير الخلق من لؤم وشؤم
لفرض العدل والاحسان أمرا
شراعا لا شعارا ضغث حلم
بصحبة مرشد راع مرب
لسرب جماعة بالذكر تنمي
رجالا أو نساء زرع حب
وبذر للغوالي صدق سهم
وعلم نافع بالفعل يربي
وسمت حسن هندام ووسم
وصبر واتئاد من حليم
وقصد واقتصاد نبل شهم
جهادا لا قعودا حلس وهن
صريع اليأس رهن ظنا ووهم
تذكرني الوفاء بعهد خل
قضى حرا عزيزا بعد صوم
عن الدنيا اشتهاء وابتذالا
ومن أغراه منها لغم طعم
فقام تبتلا في جنح ليل
وقام مجاهدا في سبح يوم
سبوحا راضيا بالله ربا
وبالإسلام دينا لا كزعم
ولكن عن يقين واقتناع
بأن النصر آت بعد ضيم
صلاتي وأن الصبح موعده قريب
وقرب النور من عينيك يعمي
صلاتي والسلام عليك طه
صلاة متيم في سجن جسمي
صلاة المبتلى يرجو شفاء
وبرءا من ضنا سقم وهَمِّ