تدبر القرآن الكريم

Cover Image for تدبر القرآن الكريم
نشر بتاريخ
الجماعة نت
الجماعة نت

بقلم: نور الدين هنون

1.      مقدمة 

يقول الحق سبحانه وتعالى في محكم تنزيله كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب (ص آية 28)، تبين الآية الكريمة المغزى من تنزيل القرآن الكريم انطلاقا مًن قوله تعالى “ليدبروا “ واللام للتعليل، فهذا الكتاب العظيم أنزل ليس لمجرد التلاوة والحفظ لا يجاوزهما، بل ليقوم التالي له والسامع بتدبر معانيه والوقوف على دلالات ألفاظ مصطلحاته، وتحري المقصود منها، مما يعود عليه من نفع في دنياه وأخراه علماً وعملاً. فما المقصود من تدبر القرآن الكريم؟ وما هي أصوله اللغوية والاصطلاحية؟ ثم ما هي السبل الكفيلة للتوصل إلى تدبر القرآن الكريم؟ مادام التدبر مأمور به بدليل الآية السابقة وغيرها.

2.      التأصيل اللغوي والاصطلاحي

 التدبر لغة من الدبر وهو آخر الشيء، وهو على وزن تفعل، وفيه تكلف لفعل الشيء وهنا تكلف واجتهاد لمعرفة آخر الأمر، أما اصطلاحا، فالتدبر يعني النظر في عواقب الأمور، إذا أخذنا بعين الاعتبار وزن تفعل، فالتدبر هو الاجتهاد في البحث في مغزى الآيات والكلمات القرآنية، وهذا الاجتهاد لا يتطلب تبوء درجة عالية من العلم بالقرآن، لهذا فهو واجب في كل الأحوال، وهو مدعو إليه كل الناس فضلاً عن المسلمين،  ويكفي فيه أن يعرف المرء بعض ما جاء في التفاسير المعتمدة، بل  قد عدّ بعض العلماء عدم تدبر القرآن مع القدرة عليه هجرا له والعياذ بالله.

3.      التدبر تربية للنفس

 شرع الله تعالى التدبر لكتابه توجيهاً وتربية لقارئه وسامعه، فالمتدبر للقرآن يقف عند كل آية، وأحيانا عند كل كلمة فيعرضها على حاله هو، ويطرح تساؤلات على نفسه هل هو ممن تعنيهم الآية، فإن كانت من الوعد والخير اتهم نفسه بالتقصير، وحثها على التشمير حتى يصير ممن تعنيهم الآية، إن كانت من الوعيد والشر خاف أن يكون ممن يقصد بذلك، وحمل نفسه على التوبة والابتعاد عما يوجب ذلك الوعيد، ومثال ذلك قوله تعالى: والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه (التوبة آية 100)، فالقارئ لهذه الآية ينبغي له أن يستشعر أنه مازال بعيدا عن تلمس آثار الإحسان في قلبه وسلوكه، أن عليه الإسراع حتى يكون من الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، أما في قوله تعالى: وعد الله المنافقين و المنافقات و الكفار نار جهنم خالدين فيها (التوبة آية 60)، المتدبر لهذه الآية يرى نفسه متلبسة ببعض مظاهر الكفر والنفاق، ويخاف عليها أن تجره يوماً إلى دائرة الكفار المنافقين فيؤنبها يزجرها ثم يحملها على التوبة الاجتهاد في الطاعات حتى يجنبها دخول النار و العياذ بالله. 

بهذا يكون التدبر من أسباب الخشوع في الصلاة والحضور عند تلاوة القرآن أو سماعه، وهذا من أفضل ما تربى به النفس. 

4.      مؤهلات ومساعدات على التدبر

·         الاستقامة والحظ من الله

من له حظ من الصدق مع الله ومن الذكر وله حضور في صلاته ودعائه وسائر عباداته لا جرم يتدبر آيات الله حين يقرؤها أو يسمعها، بل هو دائم التدبر التفكر في كتاب الله المقروء وكتاب الله المشهود في الكون، ومن يكون هذا حاله فالله تعالى يمده بملكة التدبر، ويفتح له في الفهم ويكشف له من الأسرار مالا يكشفه لغيره، قال تعالى: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (محمد آية 24)، فالقلب إذن مبدأ التدبر وخبره وهو منه إليه. 

·         الحظ من اللغة العربية وأساليبها

 مما يعين على التدبر في القرآن الكريم التمكن من اللغة العربية، ألفاظاً و أساليب و قواعد، أما عامة الناس، فتدبرهم للآيات المحكمات الواضحة المعنى فلا يتطلب إلماماً كبيراً باللغة، كقوله تعالى: اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم (المائدة آية 98)، وأما من يريد تدبر كل أي قرآن محکمه ومتشابهه، فلا مناص له من رصيد لغوي كبير، فكيف يتدبر قول الله تعالى: فليقاتل في سبيل الله اللذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ‘ النساء آية 74) “من لا يعلم أن معنى “يشرون” هو يبيعون و ليس يشترون و مثل هذا كثير في القرآن … 

·         معرفة قواعد التجويد وبعض مبادئ القراءات

 فلتدبر آيات القرآن الكريم لابد من فهمها، و لفهمها فلا مناص من حسن قراءتها كما قرأها الحبيب المصطفى صلى الله عليه و سلم، فإن اللحن (خصوصا الجلي منه) يمنع من فهم ألفاظ القرآن معنی وسياقا، خذ قوله تعالى: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي (الكهف آية 109)، فلو قرئت كلمة “تنفد” بالذال المعجمة لتغير المعنى وانتقل من النفاد أي الانقضاء إلى النفوذ أي الاختراق والدخول، والاختلاف في الوقف في الروايات والقراءات المنقولة عن النبي صلى الله عليه و سلم يحدد نوع ومستوى التدبر لكلام الله تعالی، كقوله عز من قائل: وما يعلم تأويله إلا الله  والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا (آل عمران آية7)، فالوقوف عند “الله” أو الوصل يعطي معنى خاصاً  وتدبراً خاصاً تبعاً للوقف. 

·         الاطلاع على تفاسير القرآن وأولها التفسير بالمأثور

 فهذا من تحصيل الحاصل، إذ لا يتصور أن يتدبر قولٌ لا يعلم المراد منه، وقد فتح الله تعالى لهذه الأمة في هذا الأمر، وقيض لها علماء أجلة، اجتهدوا فتنوعت تفاسيرهم وأحاطوا بكل جوانب هذا العلم وزواياه، ومن هذه التفاسير ما هو محض تدبر وتفکر، كتفسير الإمام القشيري “الطائف الإشارات” وتفسير “في ظلال القرآن” للشهيد سيد قطب رحمه الله، وأولى ما ينصح به للمبتدئ هو التفسير بالمأثور حتى لا تختلط عليه الأمور. 

·         الإكثار من قراءة القرآن وترديد الآيات

 من الأمور التي تساعد على التدبر كثرة الختمات للقرآن الكري، فهو قمن أن يسهل عملية التدبر على القلب والعقل، وقد تكون القراءة الأولى خالية من التدبر، وكذلك الثانية، للانشغال عنه بتحسين التلاوة وإدراك المعنى، فتأتي القراءة الثالثة والرابعة فيصير التدبر ممكناً وسهلاً، وقد ثبت في أحاديث صحيحة ترديد الرسول صلى الله عليه وسلم لآيات تدبرها كما سيأتي في الفقرات الموالية.

5.      نماذج من تدبره صلى الله عليه وسلم للقرآن 

• عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «اقرأ على القرآن». قال فقلت يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل قال «إني أشتهى أن أسمعه من غيرى». فقرأت النساء حتى إذا بلغت فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا رفعت رأسي أو غمزني رجل إلى جنبي فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل 1.

بل دعا صلى الله عليه و سلم بالويل على من قرأ: إن في خلق السماوات و الأرض واختلاف الليل و النهار لآيات لأولي الألباب(آل عمران  آية 190)” ولم يتدبرها ،كما تروي أمنا عائشة رضي الله عنها. 

6.      نماذج من تدبر الصحابة رضي الله عنهم والسلف الصالح 

فعن الله بن عمر، يحدث عن أبي بكر الصديق، قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزلت عليه هذه الآية: من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا أبا بكر ألا أقرئك آية أنزلت علي، قال: قلت: بلى، فأقرأنيها، قال: ولا أعلم إلا أني وجدت انفصاما في ظهري حتى تمطيت لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك يا أبا بكر، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، وأينا لم يفعل سوءا، وإنا لمجزون بكل سوء عملناه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنت يا أبا بكر، وأصحابك المؤمنون، فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله وليست لكم ذنوب، وأما الآخرون، فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا يوم القيامة” 2 فانظر رحمك كيف أن تدبر أبي بكر لهذه الآية جر فائدة و علماً للأمة جمعاء ! 

بل بلغ تدبر السلف الصالح للقرآن الكريم شأواً عظيماً، حتى ألّف أبو إسحاق الثعلبي كتابا سماه “قتلى القرآن”، ذكر فيه نماذج لتدبرهم لكلام الله إلى أن بلغ منهم الجهد أقصاه حتى توفاهم الله وهم على ذلك. 

7.      أمثلة من تدبر أكابر الأمة الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله نموذجا

 من قرأ المنهاج النبوي وسائر كتب الإمام ظهر له جلياً مدى تأثر الرجل بالقرآن، وتغلغل هذا الكتاب العزيز في فكره وجدانه، فكل مصطلحات ومفاهيم المنهاج النبوي مستمدة من القرآن أو الحديث، وهذه أمثلة لتدبره رحمه الله للقرآن الكريم: 

استعماله للفظ القومة عوض الثورة، والعقبة بدل التحديات، ومثل ذلك كثير، وما رسالة “الإسلام أو الطوفان” إلا نتيجة لتدبره رحمه الله لقصة نوح عليه السلام مع قومه مع الفارق بين أهل الفتنة اليوم أهل الكفر آنذاك.

تدبره لقوله تعالى فك رقبة حيث أطلقها على رقاب المسلمين الأحرار اللذين يئنون اليوم تحت نیر الظلم والاستبداد ويحتاجون لمن يفكهم من ذلك، وكذلك تدبره لقصة طالوت وجنوده وما اقتبس منها من دروس في أمراض التنظيم، كما جاء في كتاب ” المنهاج النبوي”، وفي موضع آخر اعتباره إغفال تربية الأبناء وتركهم لغوائل الفتنة والجاهلية قتلا لهم كما جاء في وصيته الأخيرة التي أسسها على ما جاء في سورة الأنعام ومنها قوله تعالى: ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم (الأنعام آية 151).

والحمد لله رب العالمين والله ولي التوفيق.

 

 


[1] الجامع الصحيح المسمى صحيح مسلم، دار الجيل بيروت، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل استماع القرآن وطلب القراءة من حافظه للاستماع والبكاء عند القراءة والتدبر.
[2] شرح السنة، أبو محمد الحسين بن الفراء البغوي الشافعي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط ومحمد زهير الشاويش، المكتب الإسلامي  دمشق، ط 2،  1403هـ  1983م، كتاب الجنائز، باب شدة المرض.