بتلقائيته المعهودة.. الأستاذ عبادي يبسط جوانب من طفولته وحفظ القرآن وطلب العلم

Cover Image for بتلقائيته المعهودة.. الأستاذ عبادي يبسط جوانب من طفولته وحفظ القرآن وطلب العلم
نشر بتاريخ

في الحلقة الأولى من برنامج «رجل ومسار» الذي تبثها قناة الشاهد الإلكترونية، ويقدمه الدكتور منير الجوري، استضاف البرنامج فضيلة الأستاذ محمد عبادي، الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، في حوار تناول بدايات حياته، وظروف نشأته، ومساره الأول في حفظ القرآن والدراسة، ثم ما عايشه في محيطه من أحداث خلال فترة الاستعمار وما بعد الاستقلال.

في مستهل الحلقة، انطلق الحوار من السؤال عن مكان ولادته وزمانها وكيف كانت. فأجاب الأستاذ عبادي بأنه وُلد سنة 1945، الموافق لـ17 رجب 1366، وذك بعد العام الذي سمي بـ“عام المجاعة” أو “عام البون” سنة 1944، وهي السنة التي شهد فيها المغرب مجاعة شملت مناطق مختلفة، وكان أهل الريف من أكثر الناس تضرّرا منها، حتى إن الناس اضطروا إلى الهجرة نحو المدن، مثل تطوان وطنجة، وكذلك اضطروا إلى أكل الحشرات والكلاب والقطط والجيفة وحشائش الأرض. ثم حدد مكان ولادته في قبيلة بني ورياغل، فرع بني حذيفة، في منطقة شرقية من المغرب، بعيدة عن الحسيمة بنحو خمسة وأربعين إلى خمسين كيلومترا، وتحديدا في دوار منشر. كما تحدث عن تقسيم قبيلة بني ورياغل إلى فروع، وذكر أن بني حذيفة هم أحد هذه الفروع، وأن الاسم ارتبط بالشيخ أحمد الذي كان حافظا للقرآن ومن الصالحين، فكان اسم حذيفة تيمنا بالصحابي الجليل حذيفة بن اليمان.

وفي حديثه عن الأسرة، قال إن العائلة كانت فقيرة نوعا ما، وإن أباه تركه جده يتيما، وكان حاملا للقرآن. وأضاف أن عم والده هو من ربّى أباه، وأنه أرسله إلى المنطقة الجبلية لحفظ القرآن. كما ذكر أن والده تزوج من بنت عمه، وهي والدته المحجوبة، وأنجب منها ثلاثة أبناء هو أكبرهم، ثم أشار إلى وجود إخوة من الأب. وتحدث أيضا عن مرض والدته خلال مخاض الولادة، وعن نقلها على بغل إلى بني حذيفة ثم إلى الحسيمة، وعن بقائها مدة طويلة في المرض في غياب المستشفيات، ثم أذنت للوالد بالزواج، قبل أن تعترضها الغيرة بعد زواجه، فطلقها الوالد بعد ذلك.

وفي السياق نفسه، تحدث الأستاذ عبادي عن مهنة والده، وقال إنها كانت الإمامة وفق ما يسمى في تلك المناطق بـ“الشرط”. وشرح أن “الجّْماعة” تشترط على الإمام أن يعلّم الأطفال القرآن، وأن يؤدي بهم الصلوات الخمس، وإذا كان له نصيب من العلم يتولى صلاة الجمعة والجماعة، في مقابل أن تتولى الجماعة تمويله بمقدار من الشعير، وشراء الأضحية له، وتوفير الطعام له بنظام “النوبة”، أي أن “يأتيه الناس بما يغذيه ويعشيه”. وأضاف أن والده كان يؤم الناس في قبيلة بني طفط القريبة من منطقته، وكان ينتقل من مسجد إلى مسجد لتعليم الصبيان، وأنه كان يصحبه معه، وعلى يديه حفظ القرآن.

وفي محور حفظ القرآن، قال فضيلة الأمين العام إنه أتم حفظ القرآن الكريم وهو في حدود الحادية عشرة أو الثالثة عشرة من عمره، وإنه “خرّجه خمس سلكات”. وعندما سئل عن أثر هذه التجربة في مرحلة الطفولة، قال إن أصدقاءه وأقرانه في القرية كانوا يحفظون القرآن على إمام المسجد الذي كان يعاملهم معاملة قاسية جدا، فيها الضرب المبرح، بينما تعلم هو القرآن على يد والده الذي وصفه بأنه كان لطيفا لينا هيّنا، وقال إنه لا يتذكر أن والده ضربه إلا مرتين في حياته.

ثم تحدث عن مرحلة الدراسة بعد حفظ القرآن، وقال إن أقرانه بعد إتمام الحفظ انتقلوا إلى الحسيمة للتسجيل في المعهد الديني، لكن والده لم يتمكن من إرساله معهم لأن ذلك كان يتطلب الكراء والأكل والشرب. وأضاف أنه بعد الاستقلال فُتح أول قسم في بني حذيفة، فقضى فيه سنة، ثم دخل السنة الأولى ابتدائي، وبعد ذلك انتقل إلى أمزورن، حيث كان يوجد قسم داخلي، لكنه قال إن ظروفه لم تكن ملائمة، إذ لم يكن يجد التلميذ في النهار أين يجلس أو أين يأوي، سواء في البرد أو في الشمس، كما لم يكن هناك مكان للاغتسال، فكان هو وبعض أصدقائه يذهبون إلى المساجد ليغتسلوا فيها.

وفي الجزء المتعلق بفترة الاستعمار، سأل مقدم البرنامج الأستاذ الجوري عن كيفية عيش تلك المرحلة، وكيف كان يتمثل الاستعمار والحركة الوطنية في الريف. فأجاب الأستاذ عبادي بأنه بعد القضاء على انتفاضة محمد بن عبد الكريم الخطابي كانت الأجواء خامدة، ولم يكن هناك حراك أو مقاومة للاستعمار الإسباني داخل منطقة الريف. وأضاف أن الاستعمار الإسباني كان يعتقد أن لا قرار له في المغرب، ولذلك لم يكن يسعى، بحسب تعبيره، إلى التغلغل والتحكم في رقاب الناس، كما سمح لأهل الريف أن يعاونوا الحركة الوطنية في المنطقة الجنوبية. وقال إن الناس من منطقته كانوا يذهبون إلى منطقة تسمى بوزينب للمشاركة في الجهاد في سبيل الله، ويحملون معهم الزاد من القرى من أطعمة ووقود وغير ذلك، لتقديمه إلى المجاهدين في المناطق التي كانت تقاوم الاستعمار الفرنسي.

وعن وصول الأخبار في تلك المرحلة وتداولها بين الناس، قال إنها كانت نادرة جدا بسبب غياب وسائل الإعلام، وإن أول ما ظهر الراديو كان بعض أهل القرية يسمونه “الصندوق العجب”. وأضاف أن الأخبار كانت تصلهم أيضا عن طريق المجاهدين، خاصة ما يتعلق بما عاشه الناس بعد القضاء على ثورة الريف. وفي هذا السياق، تحدث عن مرور محمد بن عبد الكريم الخطابي بقريتهم ومبيته عند سكانها، ثم تحدث عما وقع بعد ذلك من اعتقالات وضرب وتعذيب بحثا عن السلاح. وذكر أن جده من جهة الأم، الذي كان مجاورا لمن نزل عنده الخطابي، أخذه الاستعمار وعلّقه من رجليه وأحرق حاجبيه بعود الثقاب بحثا عن السلاح، كما ذكر أن الشخص الذي بات الخطابي في داره عُذب عذابا شديدا وبقي مدة في السجن قبل أن يطلق سراحه. وأضاف أن هذه الأحداث كانت تُحكى لهم ولم يعشها هو مباشرة في وقتها، وأنهم كانوا يهتمون بأخبار الحركة الوطنية والمجاهدين ويفرحون بما يقومون به.

وفي الانتقال إلى مرحلة الاستقلال، أجاب عن سؤال وصول خبر استقلال المغرب وعودة محمد الخامس بقوله إن الناس كانوا ينتظرون قدوم محمد الخامس على أحر من الجمر، وأنهم فرحوا حين عاد إلى المغرب، وكانوا ينتظرون عهدا جديدا تسوده الحرية والطمأنينة والسكينة ورغد العيش. ثم قال إن هذه الأماني والأحلام تبخرت مباشرة بعد الاستقلال، وإن المنطقة همشت تهميشا كاملا، وفُرضت على الناس ضرائب لم يتحملوها، وجيء بمسؤولين للمنطقة من خارج الريف، وهو ما أثار الغضب. وأضاف أن ذلك تزامن مع قيام حركة محمد الحاج أمزيان، حيث بدأ الناس يثورون على الأوضاع وينادون بالعصيان المدني، وامتنعوا عن الأسواق، وصنعوا أسواقا جديدة بدائية لا يباع فيها إلا بعض ما ينتجه أهل البلد من حبوب وخضر وفواكه.

كما قال إن محمد مزيان ومن معه حرروا وثيقة تتضمن مطالب سياسية واقتصادية واجتماعية، ومن بينها رجوع الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، غير أن الدولة، بحسب ما ورد في كلامه، لم تمهلهم ولم تحاورهم، وكان “الحوار بالعصى الغليظة”. وأضاف أن الهجوم الذي أعقب ذلك دمّر البلاد، وقال إن قريته نجت من دخول الجيش إليها لأن أحد أفراد الجيش حماها من ذلك، لكنه تحدث عن تخريب وقع في أماكن أخرى، من إحراق التبن وتدمير الديار واغتصاب النساء. وذكر أيضا أنه رأى في سوق الاثنين ببني حذيفة الحوانيت والدكاكين مثقوبة، وبراميل الزيت مسكوبة حتى صارت الأزقة كالأودية، وقال إن الجيش صار بعد ذلك يبيع المواد للناس بعد أن استولى على الأرزاق والسلع.

وفي ختام الحلقة أكد الجوري تواصل بقية المسار في الحلقة المقبلة، فيما ذكّر المشاهدين بأنهم سيكونون على موعد في آخر حلقة من السلسلة مع التفاعل عن أسئلتهم التي سيجيب عنها الأستاذ محمد عبادي، داعيا إلى ترك التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بقناة الشاهد.