المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (1)

Cover Image for المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (1)
نشر بتاريخ

المقدمة

الكلمة حين تقتحم العقبة

1-      مداد الصدق وصخب الثورة على الذات والمجتمع

لم تكن كتابات الإمام عبد السلام ياسين، منذ أن خطّ أول حرف في مشروعه التجديدي، مجرد حبرٍ يرقُمُ الورق في محاولةٍ لرصف الكلمات أو تزيين العبارات، ولا هي كانت ترفاً فكرياً يلهو بالعقل في صوامع الفكر المهجورة بعيداً عن ضجيج الواقع وأوجاعه؛ بل كانت صرخةً مدوية ومزلزلة في وادِ الغفلة السحيق، ونوراً كاشفاً اقتحم ليل “الفتنة” الضاربة أطنابه على صدر الأمة منذ انكسار عروة الحكم الأولى.

لقد كان الإمام صاحب مشروعٍ حضاري جُبلت طينته من هموم الأمة المكلومة وآلام المستضعفين في الأرض، آمن يقيناً بأن الكلمة التي لا تتحول إلى حركة نابضة، والفكر الذي لا يمتلك الشجاعة لاقتحام عقبات الواقع المرير، يبقى جسداً بلا روح وهيكلاً يفتقر إلى الحياة. لهذا السبب الجوهري، لم تكن أوراقه مجرد تراكم معرفي بارد أو استعراض لثقافة موسوعية، بل كانت خارطة طريق دقيقة رسمها بمداد الصدق والمكابدة، لتمتد في وحدةٍ شعورية وعضوية من محاريب التربية والذكر والتبتل، إلى ميادين التغيير والمدافعة والبناء، محولاً بذلك صمت المداد إلى جلبة في واقع الناس، وسكون الفكرة المجردة إلى صخب الثورة الإيجابية على الذات والمجتمع.

إن هذا الكتاب الذي نضعه بين يدي القارئ، ليس مجرد توثيق لسيرة رجل أو سرد لتاريخ جماعة، بل هو رحلة لاستكشاف “الخيط المفقود” الذي انفرط من عقد الأمة يوم أن انكسرت في تاريخها عروة الحكم، فتبعه بالضرورة انكسار في القلوب وانطفاء في وهج اليقين. يبدأ مشروع الشيخ من “دمعة” حرة تذرف على تاريخٍ تمزق أشلاءً يوم أن تحولت الخلافة الراشدة بنورها وشوراها وعدلها الراسخ إلى “ملكٍ عاضٍّ وجبريّ” يورث السيف ويستعبد الرقاب ويقصي الأمة عن صناعة مصيرها.

في تلك اللحظة التاريخية القاسية، لم يسقط الحكم الراشد وحده، بل انشطرت الشخصية المسلمة إلى شطرين متنافرين؛ روحٌ هامت في ملكوت الذكر واعتزلت الناس لتسلم خلاصها الفردي، وقوةٌ صالَت في ميادين السياسة بغير ورعٍ زاجر ولا زادٍ إيماني رادع، ومنذ ذلك الحين والأمة تمشي على “ساقٍ واحدة”، تائهةً في دروب التيه بين عجز “الصالحين” الذين اعتزلوا الميدان وفجور “الأقوياء” الذين استبدوا بالمقدرات، وجاء المنهاج ليعيد وصل هذا الانقطاع النكد.

2-      ​استثناء في القراءة.. وتجاوز للحلول التقليدية الفوقية

إن المتأمل في مسارات الفكر الإسلامي الحديث يجد محاولات شتى لملامسة جرح الأمة، لكن الإمام عبد السلام ياسين كان استثناءً باهراً في النفاذ إلى عمق الجرح وتشخيص مكمن الداء؛ فبينما توقف الكثير من المفكرين عند وصف أعراض السقوط السياسي أو الاكتفاء بالحلول الترقيعية، نفذ هو ببصيرته النافذة إلى “جذر الداء” واصفاً إياه بأنه “زلزال كياني” أصاب العقل الفقهي والقلب الإيماني في آن واحد. إن قراءته “المجهرية” للتاريخ والواقع لم تكتفِ بنقد الحاكم المتسلط، بل امتدت لتنتقد “الفقيه” الذي شرعن الاستبداد بليّ أعناق النصوص، و”العالم” الذي آثر السلامة واعتزل الميدان، و”المتصوف” الذي غرق في بحار فرديته ناسياً هموم الجماعة. ومع التقدير العالي الذي يكنه الإمام للحركات التجديدية الكبرى التي سبقت، إلا أنه رأى بوضوح أن كثيراً من الحلول المطروحة ظلت “فوقية” في مقاربتها، تركز على الآلية التنظيمية والتمكين السياسي قبل تحقيق “الجوهر الإحساني” الذي هو وقود أي تغيير حقيقي.

 فبينما ركزت بعض المدارس على “العدل” كأولوية سياسية صرفة، خشي الإمام من ضياع “الإحسان” وسؤال المصير في زحمة الصراع المحموم على السلطة. ومن هنا تكمن فرادة الشيخ في تقديم “مدرسة منهاجية” متكاملة تسترد نموذج “الصحبة والجماعة” الذي صنع الجيل النبوي الأول؛ ليكون جواباً تاريخياً وقَدَرِياً يجمع بين حكمة الشيوخ وقوة الشباب، وبين صفاء الذكر في جوف الليل وضجيج المدافعة في رابعة النهار. إننا في هذا الكتاب نفصل القول في هذه “الكلية المنهاجية”، مبرزين كيف شيد الإمام نظريته لتكون جسراً يعبر فوقه جند الله من “الغثائية” إلى “الجماعة”، ومن “القعود” الانعزالي إلى “الزحف” الحضاري الواعي، في هندسة ربانية لا تغفل عن أدق تفاصيل التربية الفردية ولا تنحبس في الوقت نفسه داخل حدود المثاليات الخيالية، بل تقتحم “عقبة النفس” لتطهرها من رواسب الجاهلية، و”عقبة الواقع” لتقومه بميزان القسط والعدل.