مقدمة
أفتتح مقالي هذا الذي أحرّره بمناسبة إحياء الذكرى الثالثة عشرة من رحيل الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، بهذه الآيات من سورة الإسراء المبشّرة بمستقبل فلسطيني واعد مهما طال الزمان أو قصر، وبدخول المؤمنين المسجد الأقصى المبارك، وبانهزام اليهود الصهاينة، يقول الله تعالى: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا [الإسراء: 7].
كثيرة هي المسارات المحْتَملة للقضية الفلسطينية بعد طوفان الأقصى، وكثيرة هي الرؤى والتحليلات المصاحبة لها والمعبّرة عنها إما تأكيدا للبشرى أو استبعادا لها.
من هذه المسارات المحتملة نجد المسار الميداني (العسكري والأمني)، السياسي، الإقليمي، الدولي، الداخلي الفلسطيني، القومي العربي، الإسلامي… وقليلة هي المسارات المكتملة من هذه المسارات المحتملة التي تعطي للقضية حقّها وعدالتها، وتمنحها مستقبلها الذي تستحقه من حيث الأمن والسلام، والكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية.
في هذا المقال سأقوم بعرض مسارين مهمّين من بين هذه المسارات التي قد يغفل عنهما الكثير من الناس، وهما: المسار الإيماني والمسار السُّنني، وذلك من خلال الاعتماد أو الاستناد إلى ما كتبه الإمام رحمه الله حول القضية الفلسطينية التي كانت مركز اهتماماته دائما في كل ما يطرحه من أفكار ويتناوله من قضايا.
أولاً: المسار الإيماني عند الإمام عبد السلام ياسين
الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله يرى أن القضية الفلسطينية ليست قضية سياسية فقط، بل هي أولاً وقبل كل شيء قضية إيمانية تربوية، وأن تحرير القدس لا يمكن أن يتمّ إلا بإحياء الأمة وإعادة بناء الإنسان المؤمن.
ويتمثل هذا المسار الإيماني في عدة أمور منها:
1) أن القدس مركزية في الإيمان: القدس عنده ليست أرضًا فحسب، بل هي موعد الأمة مع وعد الله. وأن نهاية الظلم على أرض الإسراء والمعراج مرتبطة بنهضة الأمة كلها. يقول رحمه الله: “ليست “قضية فلسطين” قضية محلية، بل هي قضية مصيرية” 1.
2) أن التربية مفتاح الجهاد: يربط الإمام ياسين رحمه الله دائمًا بين: التربية كمنطلق، والجهاد بكل أنواعه كأسباب ووسائل، والنصر كنتيجةٍ لاتخاذ الأسباب والتوكل على الله. ويرى أن فلسطين لن تُحرَّر بمجرد حماس عسكري أو غضب سياسي، بل عبر: تربية إيمانية تُنشئ رجالاً قرآنيين، وجهاد منضبط بمنهاج النبوة، وبناء جماعة قوية متماسكة تستمد قوتها من الله أولا قبل القوة المادية.
3) أن الجهاد فريضة: لكنه مشروط بالاستقامة، ويؤكد الإمام رحمه الله أن الجهاد لا يؤتي ثماره إلا إذا سبقه الإحسان: جهاد النفس قبل جهاد العدو، والارتباط بالله ذكرا ودعاء وتوبة شرط في نصر فلسطين. فالتحرير يبدأ من القلوب قبل الأرض. يقول رحمه الله: “إن كان للتنظير أهميته في الحُدَاء المشجع للصحوة المباركة المهيِّئ للفهم الواسع فإن تغيير ما بنا مسألة عملية، مسألة تعميق الإيمان في القلوب، وتعبئة أهل الإيمان بدافع إحساني عميق، وتربية جند الله في خندق الجهاد تربية عملية بدل “التربية” المعلبة الثقافية” 2.
4) أن فلسطين معيار لنهضة الأمة: يعتبر الإمام رحمه الله تعالى فلسطينَ مرآةً لحال الأمة، فإذا ضعف الإيمان في القلوب ضاعت الأمة، وإذا عاد الإيمان وتمكن في القلوب عاد التمكين لها.
5) أن التجزئة مرفوضة: فلأن فلسطين قضية الأمة كلها، لا يؤمن الإمام رحمه الله بتقسيم القضية إلى “دولتين” أو حلول سياسية ترقيعية. بل يرى أن تحرير فلسطين مشروع أمة وليس مشروع فصيل معيّن أو طائفة معينة.
ثانياً: المسار السُّنني الكوني عند الإمام عبد السلام ياسين
الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله من أبرز المفكرين الذين تحدثوا عن سنن الله في التغيير والنصر. وخص لذلك مؤلفا خاصا هو كتاب “سنة الله”. فهو يرى أن القضية الفلسطينية تدخل في إطار سننٍ ثابتة لا تتغير. يقول رحمه الله: “من خصوصيات تاريخ هذه الأمة المباركة أنها وُعدت بالنصر والاستخلاف في الأرض متى تحققت لها شروط سنة الله” 3. ومن هذه السنن:
1) سنة التدافع: يقول الله تعالى: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج: 40]. يعتبر الإمام رحمه الله فلسطينَ ساحة التدافع بين الحق والباطل، وأن الباطل لن يزول إلا إذا استجمعت الأمة ما تؤهِّلها سُنن الله. التدافع عنده ليس عسكريًا فقط، بل: إيماني، أخلاقي، حضاري، سياسي، اقتصادي واجتماعي.
2) سنة إعداد القوة: يقول الله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ [الأنفال: 60]. القوة عند الإمام رحمه الله تشمل: القوة الإيمانية (وهي الأولى)، القوة التنظيمية، القوة العلمية، القوة العسكرية. ولا يكون وعد النصر إلا بعد تحقق “الإعداد الكامل” بكل شروطه. يقول الإمام رحمه الله بعد حديثه عن تلك المواجهة الحاسمة في وعد الآخرة بين الحق والباطل: “لا بد من فقه كل ذلك ووعيه سياسيا واقتصاديا وعلميا وصناعيا وثقافيا وعسكريا استراتيجيا ليمكننا إعداد القوة الملائمة وإعداد الخطة ليوم المواجهة”.
3) سنة التمحيص والابتلاء: يرى الإمام رحمه الله أن طول أمد الصراع في فلسطين هو تمحيص للأمة، وغربلة للصف، وامتحان لصدق الدعوى. ولهذا فإن ما نراه من ظلم شديد هو جزء من السُّنن التي تسبق النصر والتمكين. يقول رحمه الله تعالى: “ستظل إسرائيل ابتلاء مؤقتا، ريثما يدرك المليار ونصف المليار مسلم المتشرذمون هويتهم الحقيقية، لأن الابتلاء مفهوم مركزي في الإسلام يميز الله به الذين آمنوا من الكافرين. وعد الله جلي في كتاب الله، لكن تحقيقه رهين ببضعة شروط؛ بالإيمان، بالمؤهلات السياسية والاجتماعية، بالمقاومة والاستشهاد، وبالإعداد الطويل المتأنِي إلى أن يحل يوم «التداول»، فالنصر رهين بالاستحقاق!” 4.
4) سنة التّداول الحضاري: يقول الله تعالى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [آل عمران: 140]. الإمام المجدد رحمه الله يذهب إلى أن زمن الحضارة الغربية إلى زوال، وأن: “القرن القادم قرن الصحوة الإسلامية”. وبالتالي انهيار المشروع الصهيوني جزء من انهيار الهيمنة الغربية بكاملها.
5) سنة تغيير ما بالنفوس: مصداقا لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [الرعد: 11]. وعليه فإن الإمام رحمه الله يركز على أن تحرير فلسطين مرتبط بتغيّر أخلاق الأمة: من ظلم واستبداد وفساد وتفرقة وكراهية إلى عدل وشورى ووحدة وأخوّة وحكم بما أنزل الله. فإن لم يتغير ما بالنفوس، لن يتغير ما بواقع الناس وأرضهم. يقول رحمه الله تعالى: “وسنة الله أن يرجع مكر الماكرين المستكبرين عليهم متى تحقق في الممكور بهم من المستضعفين شرط الإيمان والعبودية الخالصة لله تعالى، وقوامها السلوكي أن يغيروا ما بأنفسهم” 5.
خاتمة
المسار الإيماني للقضية الفلسطينية عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله أن تبدأ القضية من التربية على الإيمان القوي، ثم بناء الإنسان القرآني، ثم الجماعة المؤمنة المجاهدة. ويربط تحرير القدس بوعد الخلافة على منهاج النبوة. فهو بذلك يُميز رحمه الله بين ثلاث مراحل:
مرحلة الاستضعاف: ما قبل بناء القوة.
مرحلة التدافع: مرحلة الجهاد والمقاومة.
مرحلة التمكين: تحرير القدس وعودة الخلافة الراشدة الثانية.
أما المسار السُّنني الكوني فأن يخضع تحرير فلسطين لسنن ثابتة: سنة الإعداد المادي والمعنوي، سنة التدافع بين الحق والباطل، سنة الصبر على اقتحام العقبات وتحمل الأذى، سنة التمحيص والابتلاء، سنة التداول الحضاري.
وفي الأخير يؤكد الإمام رحمه الله أن فلسطين ليست قضية أرض فقط، بل مشروع حضاري لإحياء الأمة كلها. يقول رحمه الله: “قضية فلسطين بداية المواجهة الحاسمة بين الحق والباطل، بين الجاهلية والإسلام. مع الجاهلية تنَبؤٌ يهودي بمملكة صهيون الألفية. ومع الإسلام وعد الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بالنصر المبين، وبالخلافة على منهاج النبوة، وبظهور هذا الدين على الدين كله ولو كره المشركون، ولو كره الكافرون” 6.