المرجعية النبوية والتحولات المعاصرة.. موضوع الجلسة الثالثة من ندوة فقه التزكية

Cover Image for المرجعية النبوية والتحولات المعاصرة.. موضوع الجلسة الثالثة من ندوة فقه التزكية
نشر بتاريخ

شهدت الجلسة العلمية الثالثة من الندوة التي نظمتها مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين بالتعاون مع الهيئة العامة للتربية والدعوة لجماعة العدل والإحسان يوم الأحد 19 أبريل 2026 بمدينة سلا، والتي ناقشت موضوع: “فقه التزكية: أعلام وتحديات واستشراف”، تقديم ست مداخلات، التأمت حول سؤال مركزي يتعلق بواقع فقه التزكية بين المرحلة المرجعية النبوية والراشدة، والتحولات التي عرفها في التاريخ الإسلامي، والإشكالات التي يواجهها في الحاضر، ومتطلبات إحيائه في المستقبل.

وقد توزعت مداخلات، التي سيرها الدكتور سمير زردة، بين التأصيل لمفهوم التزكية الإيمانية على منهاج النبوة، وبيان صلتها ببناء الإيمان وتطهير النفس، والجمع بين الإحسان والاستخلاف، وبين إبراز وظائفها في بناء المرأة المؤمنة، واستحضار معانيها في تراث الإمام أبي حامد الغزالي، ثم مقارنتها بمشروع الإمام عبد السلام ياسين من حيث المنطلقات والمنهج والمقاصد، وصولا إلى تقييم حضور التزكية في مشاريع التغيير الإسلامي المعاصر، واستجلاء التحديات التي تفرضها الحداثة المتقدمة في الغرب، بما فيها تفكيك الأسرة، وهيمنة المنصات الرقمية.

د. الرضى: إعادة بناء فقه التزكية الإيمانية على منهاج النبوة

انطلقت مداخلة الدكتور عبد الصمد الرضى من سؤال مركزي يتعلق بإمكان إعادة بناء مسار فقه التزكية الإيمانية انطلاقا من المرحلة المرجعية، أي مرحلة النبوة والخلافة الراشدة، مع استحضار ما وقع بعد ذلك من تحولات تاريخية، وما يطرحه الواقع الراهن من إشكالات، وما يقتضيه المستقبل من تجديد. وقد عرّف المتدخل فقه التزكية الإيمانية على منهاج النبوة بأنه علم مؤصل وعمل قاصد يُعنى ببناء الإيمان وتطهير النفس على هدي القرآن والسنة وتجليهما في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، مؤكدا أن هذا الفقه شرط وجودي للأمة. كما أبرز خصائصه الأساسية في أربع: متمحض الغاية توحيدي المقصد، وشمولي البناء، وعملي واقعي، ومقتحم بتدرج وتؤدة.

ثم انتقل إلى بيان التحولات التي أصابت فقه التزكية عبر التاريخ، وعلى رأسها انفصال التزكية عن الحكم، وانتقالها من مشروع جماعي يقود الأمة إلى ملاذ فردي يحفظ الدين في حدود ضيقة، ثم تباعدت العلوم الإسلامية عن مقصد التزكية بسبب التخصص والتجزيء، فضلا عن محاولات احتواء مشاريع التزكية أو تدجينها أو إقصائها من طرف الأنظمة الحاكمة. وفي مقابل ذلك، دعا إلى استعادة فقه التزكية باعتباره مشروعا قرآنيا تكامليا لبناء الإنسان الرسالي، قائما على الجمع بين الغاية الإحسانية والغاية الاستخلافية، وتحديد المرجعية العليا بالارتباط بالنموذج النبوي الصحابي الذي يرتكز على دعائم الصحبة والجماعة، والعبادة، والصدق، مع الحفاظ على البعد الجماعي للتزكية، وردّ العلوم كلها إلى وظيفتها الإيمانية والتحريرية.

دة. الرامضي: المرأة حافظة الفطرة وناقلة القيم

من جهتها، الأستاذة سعيدة الرامضي ركزت في مداخلتها على موقع المرأة في مشروع التزكية الإيمانية عند الأستاذ عبد السلام ياسين، حيث حظيت بعناية بالغة خاصة في كتابه “تنوير المؤمنات”، مبرزة أن المرأة ليست عنصرا هامشيا في نهضة الأمة، بل هي حافظة للفطرة، وناقلة للقيم، وركن في بناء الأسرة والمجتمع معا. ومن هذا المنطلق، اعتبرت المتدخلة أن التزكية الإيمانية تمثل مدخلا أساسيا لإعادة بناء شخصية المرأة المؤمنة، وتحرير إرادتها، وتمكينها من اكتساب الكمالات الروحية والخلقية والعلمية، بما يؤهلها للارتقاء في مراتب الدين والاقتداء بجيل الصحابيات. كما ربطت أهمية الموضوع بالسياقات المعاصرة التي تعيش فيها المرأة بين ضغط التقليد من جهة وضغط التغريب من جهة أخرى.

وفي تفصيلها للمحاور، أوضحت أن التزكية تسهم في تحصيل المرأة للكمالات المختلفة: من طلب الإحسان، إلى التخلق بالحلم والصبر والتواضع، إلى التزود بالعلم الشرعي والنافع، وصولا إلى الكمال الوظيفي الذي يربط بين دورها الأسري وفاعليتها المجتمعية. ثم بيّنت أن هذه الكمالات لا تقف عند حدود التهذيب الفردي، بل تؤسس لمشاركة المرأة في الشأن السياسي والاجتماعي والاقتصادي انطلاقا من مبدأ الولاية الإيمانية والمسؤولية العامة. وختمت بذكر مداخل التزكية الخاصة بالمرأة، التي تتمثل في مدخل الانتظام التربوي بالخصال العشر وشعب الإيمان، والانتظام التربوي في المحاضن الإيمانية، ومدخل السلوك الجهادي الجماعي، والاستفادة من البرامج التربوية المناسبة لخصوصيتها ووظيفتها الأسرية.

د. السيود: التزكية عند الإمام الغزالي لا تنفصل عن الانسجام بين القلب والعقل والجوارح

أما الدكتور البشير السيود الذي شارك عن بعد من تونس القيروان، فقد تناول في مداخلته مفهوم التزكية الإيمانية من خلال كتاب “أيها الولد” للإمام أبي حامد الغزالي، انطلاقا من السؤال الذي طرحه أحد تلامذته حول العلم النافع يوم القيامة. وقد أبرز المتدخل أن هذا السؤال يتجاوز مجرد طلب المعرفة إلى مساءلة غاية العلم ووظيفته الوجودية، أي علاقته بالنجاة والمعنى والمصير. ومن هنا اعتبر الرسالة الغزالية خارطة حياتية روحية لشاب يريد أن ينجو من ضياع الدنيا ويستعد للآخرة، وأنها تمثل نموذجا تربويا يجمع بين التوجيه المعرفي والهداية السلوكية.

وتناول المتدخل مفاهيم مركزية في الكتاب، وفي مقدمتها الهمة باعتبارها قوة روحية دافعة تتجاوز الوهم والحلم إلى الارتقاء الأخلاقي والعبادي. كما استحضر الآيات التي تربط بين الإيمان والعمل والعبادة، ليؤكد أن التزكية عند الغزالي لا تنفصل عن الانسجام بين القلب والعقل والجوارح. وفي خاتمته، خلص إلى أن الرسالة تقدم وصايا موجزة في العبارة عظيمة في المعنى، ترشد الإنسان إلى مراقبة نفسه، وتنظيم عبادته ووقته وعلاقاته، وتخرجه من التشتت والنفاق والمجاملة، بحيث تصبح التزكية عنده قريبة مما يسمى اليوم بعلم السلوك.

د. السماحي: الإمامان الغزالي وياسين يجمعان على أن التزكية سبيل إلى معرفة الله ومحبته

من جهته سعى الدكتور مصطفى السماحي في مداخلته إلى إجراء مقارنة بين فقه التزكية عند الإمام أبي حامد الغزالي والإمام عبد السلام ياسين، من حيث المنطلقات والمنهج والمقاصد. وانطلق من اعتبار التزكية جوهرا في الدين ومقصدا أساسيا للرسالات، ثم صاغ سؤال المداخلة في البحث عن معالم هذا الفقه في المشروعين، وأوجه الاتفاق والتمايز بينهما. وقد أظهر أن هناك أرضية مشتركة واسعة بين الإمامين، تتمثل في جعل التزكية سبيلا إلى معرفة الله ومحبته، وكمال النفس، والفلاح الأخروي، مع تأكيد أهمية المربي في سلوك هذا الطريق.

غير أن المداخلة أبرزت أيضا تمايزا واضحا بين المشروعين، فالغزالي يستخدم مصطلح التصوف، بينما آثر ياسين العودة للمصطلحات القرآنية كالإحسان والتزكية، وبينما يعتمد الغزالي وسائل مثل المجاهدة والرياضة، ويركز على الزهد والخلوة، ويغلب على مشروعه البعد الفردي والخلاص الشخصي، وسع عبد السلام ياسين أفق التزكية لتصبح جزءا من مشروع جماعي تغييري يقوم على الصحبة في الله، والجماعة، ومجالس الإيمان، والرباطات التربوية، وذكر الجلوة لا ذكر الخلوة. كما نبه المتدخل إلى اختلاف المصطلحات والسياقات؛ فالغزالي اشتغل في سياق أزمة القلوب والنيات، أما ياسين فاشتغل في سياق الاستبداد وتفكك الأمة وغياب المشروع الجامع، ولذلك جاءت تزكيته أكثر ارتباطا بإقامة العدل وإحياء الأمة. وأوصى الباحث في خاتمة مداخلته بضرورة إدماج فقه التزكية ضمن مناهج التعليم والاستفادة من التكامل بين البعد السلوكي الفردي والبعد الجماعي التغييري.

د. القصري يشخص موقع التزكية في مشاريع التغيير الإسلامي المعاصر

وعالجت مداخلة الدكتور البشير القصري موقع التزكية في مشاريع التغيير الإسلامي المعاصر، من خلال مساءلة طبيعتها وأفقها الإصلاحي: هل هي تزكية قرآنية نبوية شاملة، أم مجرد تزكية جزئية؟ وهل تنتهي عند تهذيب الفرد، أم تمتد إلى بناء المجتمع وإصلاح الحكم؟ وقد وصف المتحدث التزكية بأنها عملية ثقيلة واستراتيجية لأن موضوعها هو الإنسان في تعقيده وتعدد أبعاده، مؤكدا أن التربية لا تكفي فيها المعرفة المجردة، بل تحتاج إلى نموذج حي وصحبة مؤثرة ومشاهدة عملية.

وانطلاقا من هذا التصور، صنف المشاريع الإسلامية المعاصرة إلى ثلاثة تيارات كبرى: تيار التزكية الفردية الذي يركز على خلاص الفرد الروحي وعلى إصلاح حياه الأفراد والزهد في الدنيا والهروب من الواقع أحيانا، وتيار التزكية المجتمعية الذي يهتم بتأطير المجتمع شرعيا مع جعل التزكية شأنا شخصيا، وتيار التزكية الجهادية الذي يربط بين التربية والتغيير الاجتماعي والسياسي.  وفي تقويمه، أقر المتدخل في نهاية المداخلة بأن الصحوة الإسلامية حققت آثارا إيجابية في هداية كثير من الناس وإحياء اهتمامهم بقضايا الأمة، لكنه نبه إلى أسئلة ما تزال مطروحة، مثل كيفية الارتقاء بالتزكية من مجرد إثارة وجدانية إلى تربية روحية عميقة، وكيفية الانتقال من التعبئة الدينية إلى المشروع السياسي دون الإضرار بالأخلاق والتربية.

د. حميمصة: مستقبل التزكية رهين بقدرتها على استيعاب التحولات الحديثة دون التفريط في جوهرها

وتناول الدكتور عز الدين حميمصة في مداخلته تحديات التزكية الإيمانية في المجتمعات الغربية الخاضعة للحداثة المتقدمة، حيث لا يظهر التحدي فقط في التوظيف السياسي للدين، بل كذلك في أنماط أعمق من السيطرة المرتبطة بالرأسمالية الرقمية، والرقمنة الشاملة، والاقتصاد ما بعد الصناعي. وقد صاغ المتدخل إشكاله في كيفية ضمان استدامة التزكية الإيمانية في بيئة تهدد استقلال الإنسان الذهني والروحي، وعالج ذلك على ضوء التصور الإسلامي العام، وبخاصة المشروع التربوي للأستاذ عبد السلام ياسين بما فيه من خصال وشعب إيمان. وركزت المداخلة على ثلاثة ميادين أساسية للتحدي: تفتيت وتفكيك الأسرة في سياق الرأسمالية المتقدمة، وهيمنة المنصات الرقمية وخوارزمياتها التي تؤدي إلى “قرصنة وتسطيح” الجانب الروحي والتي تستعمر الوقت والانتباه وتنتج علاقات افتراضية مسطحة، مع ما ترسخه من إدمان رقمي يسلب الإرادة ويضعف حساسية “المكافأة الدوبامينية”، ثم بروز الذكاء الاصطناعي بما قد يخلقه من ارتباك حين بدأ يناوش القضايا الروحية، مما يطرح خطرا في انتحال دور “الدليل الروحي” وقيامه محل المرجعية الروحية الحية، وتحويل العلاقة مع الله إلى مجرد معلومات بدون قلب.

ونبه المتدخل إلى خطر التوظيف الاقتصادي للتزكية، حيث يسهل على بعض الروحانيات أن تُستوعب داخل المنطق الاستهلاكي، بينما تواجه التزكية الإسلامية صعوبة لأنها تستبطن قيم العدل والأخوة والحرية. وانتهى إلى أن مستقبل التزكية رهين بقدرتها على استيعاب التحولات الحديثة دون التفريط في جوهرها، وعلى استعادة مركزية الإرادة وضبط علاقة الإنسان بالوقت وتحصين مرجعيته العقدية.