المؤمنات ومجتمع الاستهلاك

Cover Image for المؤمنات ومجتمع الاستهلاك
نشر بتاريخ

من أعوص العقبات التي تنتظر المؤمنات في جهادهن للتحول الإيماني الإرادي عقبة الاستهلاك والتكاثر التي هي سمة العصر، ونفخة شيطان الإشهار، وموضوع التنافس بين النساء والرجال. الجارة اقتنت، وابنة العم اشترت، والقريبة أخبرت بأثمان جيدة. وإن تنافس النساء والرجال والمباهاة وحب الظهور لهي مظاهر لما تخفي الصدور من عبادة لزينة الحياة الدنيا، وآثار لغلبة البيئة. وإن المرأة في مجتمع الانحطاط والرشوة والكذب لتدفع الزوج الموظف ليرتشي، والفقير ليستدين، والبائس ليسرق فيغرق الرجال والنساء معا.

شاق جدا أن تُفطم النساء والرجال عن عادة رسخت وعمت بها البلوى. ولعل أشق من ذلك إقناع بعض النساء والرجال المتطرفين في الجهة الأخرى الذين يظنون أن الله تعالى لا يرضى عن عباده إلا إن اتبعوا السنة حرفيا. فلا فراش إلا حصير يؤثر في الجُنوب، ولا أثاث إلا أهُبٌ ووسادة أَدَم. ومن النساء التائبات من تستمع لواعظ لا يعرف الدين إلا شدة وضيقا وحرجا، فهن يصدقن ويستقِلْنَ من واجب الاجتهاد وسؤال أهل الذكر. لذلك يضيقن على أنفسهن ويلبسن مسوحا سوداء وبراقع مخيفة.

قصدُنا من ذكر الحصير النبوي الإشارة إلى ما يمكن من التقلل ومحاربة عادات الاستهلاك والتبذير الشيطاني والتكاثر والتنافس. قصدنا الإشارة إلى أن الجري وراء «السعادة» الاستهلاكية يُرجع الإرادة القَهقَرى، ويثبّط العزائم، ويميت القلب، ويخمد الإيمان. ما يمكن من التقلل دون كسر العلاقات مع مجتمع ينفر منا إن واجهناه بتقشف يفزعه، ودون الاسترخاء إلى المحرمات والمكروهات الشرعية. وفقه هذا من آكد الفقه وأكثره أولوية. لأن الخصام بين الرجال والنساء كثيرا ما يكون سببه النفقة. وقد غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سأله نساؤه توسعة لا يريدها ولا يقبلها في بيت النبوة.

فقه صعب لأن البيئة العالمية بيئة إنتاج وإنتاج وبيع وسوق ودعاية. فثَمَّةَ حدود لا يمكن لمجهود المرأة في أسرتها ولا للدولة الإسلامية في المجتمع الدولي والسوق العالمية أن يتجاوزاها.

من الجانب الآخر هناك فقر وسوء قسمة وتفاوت طبقي. فجهاد المؤمنات والمؤمنين السياسي العام والسلوكي الخاص ينبغي أن يربط بين سوء القسمة والعادات الاستهلاكية التي تؤول بالأمة أن يعيش بعضها فوق مستوى طاقة الأمة الكسبية، بينما الأغلبية تعيش في البؤس. والقضية عالمية. في العالم شمال غني وجنوب بائس ولكل قطر شماله وجنوبه.

فقه المسألة عويص من ناحية المبدإ. فهذا سيدنا عمر يريد لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين رفاهية كرفاهية فارس والروم. وهو هو عمر بن الخطاب الذي هاجر من مكة تاركا المال والديار والأهل. رباه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا أصبح من بعد أميرا للمؤمنين وقدوة لبس ثوبا فيه ثلاث عشرة رقعة إحداهن من أَدَم. وحرم على نفسه الإدام عام الرَّمادة والمجاعة لكيلا يستأثر على المسلمين. لا أعوص من فقه المسألة إلا تحويل الإرادات والعمل بالعزائم. والحول من الله. والقوة من الله.

تُؤثر البيئة في عادات المعاش كما تؤثر في الأخلاق. وصنع البيئة الصالحة يبدأ بتكتل أهل الإيمان نساء ورجالا ليقاوموا الفاسد ويفرضوا بالضغط الأخلاقي ما يكمل ويؤسس الاستقامة التي يفرضها وازع السلطان القائم بالشريعة.

(…)

ننتقل من عصر التنزيل والخلافة الأولى لنسأل: كيف تعيش المؤمنات إيمانهن في عصر الهوائيات المقعرة، وعصر الصندوق الشيطاني الذي يعرض على الناس صباحَ مساءَ ما تعج به الدنيا من مفاتن؟

أين الـمُهاجَر، أم إلى مَن تهاجر المؤمنات والمؤمنون بدينهم؟

إن المؤمنة والمؤمن مفردَيْنِ وسط حضارة الأشياء، وبيئة الاستهلاك الصارخ في جانب، يلعنه البؤس من الجانب الآخر، أشبه شيء بالريشة في مهَب الريح العاصفة. فلابد من تكتل المؤمنات في جماعة تتألف على التقوى، وتتعاون على البر والتقوى ليمكن للمؤمنة المفردة الصمود وسط الإعصار.

وإن الدولة القطرية المسلمة وسط أساطيل الرأسمالية أشبه شيء بالفُلْكِ العتيق ناشِراً شراعه بين مدمرات نووية. فلابد للمسلمين من وحدة تمكنهم من الصمود وسط الإعصار.

إن من طبيعة هذا الدين التعاون على البر والتقوى. وإن من شروط الإيمان مجالسة المؤمنين. كان لعمر بن الخطاب جار من الأنصار يتعاون معه، فيحضر أحدهما يوما مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحضر الآخر اليوم التاليَ لينقُل أحدهما للآخر من العلم ما فاته.

اشتكى حنظلة الأنصاري إلى أبي بكر المهاجر ضَعف إيمانه، قال: «نكونُ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يُذَكّرنا بالنار والجنة حتى كأنّا رَأيَ العين فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافَسْنا (أي مارسنا) الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا». قال أبو بكر: «والله إنا لنلقى مثل هذا»! وينصرف المهاجر الكبير والأنصاري، كلاهما يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ريشة في مهب الريح، وفُلك تلعب به أمواج العالم الهَدّارة ما لم يكن تكتل وتعاون وتجالس وتآزر ووحدة تعطي الأمة وزنا، وتعطيها الكيان القوي ذا الحجم القوي الذي لا تخبِر عنه الأعداد الغثائية المنتشرة المنتثرة. وتمسك الريشة المفردة أن تَذهب بها العواصف والقواصف.
 
عبد السلام ياسين، كتاب “تنوير المومنات”، ج 1، ص 155 – 160 على موسوعة سراج.