مقدمة
يعتبر اللعب فطرة إنسانية أصيلة ووسيلة طبيعية للتعلم، خصوصا في مرحلة الطفولة، وأثبتت الدراسات التربوية الحديثة أن اللعب ليس مضيعة للوقت، بل هو وسيلة تعليمية فعالة، تساهم في تنمية الجوانب العقلية والنفسية والاجتماعية للطفل. وإذا كان الفكر التربوي المعاصر قد اهتم باللعب باعتباره منهجا تعليميا، فإن السنة النبوية سبقت إلى ذلك وجعلت من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم النموذج الراقي في ضوء توظيف اللعب توظيفا تربويا هادفا.
مفهوم اللعب في السنة النبوية الشريفة
اللعب في السنة النبوية مفهوم شامل ومتوازن، يجمع بين الإباحة والتوجيه، وبين المتعة والغاية التربوية، ويعكس رؤية الإسلام العميقة لطبيعة الإنسان وحاجته، ومن ثم فإن استحضار هذا المفهوم في التربية المعاصرة يسهم في بناء مناهج تعليمية إنسانية فعالة، منسجمة مع القيم الإسلامية.
جاءت السنة النبوية زاخرة بالمواقف التي تؤكد مشروعية اللعب وأهميته، خاصة مع الأطفال، ومن ذلك ملاعبة النبي صلى الله عليه وسلم للحسن والحسين رضي الله عنهما.
الأبعاد التربوية للعب في السنة النبوية
البعد النفسي: يسهم اللعب في إدخال السرور والطمأنينة على نفسية الطفل، مما يشعره بالبيئة الآمنة؛ حيث ركزت السنة على الإنسان في شموليته؛ عقلا ونفسا وجسدا، وهو ما جسده النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله اللطيف مع الأطفال.
البعد التعليمي: يعتمد الرسول صلى الله عليه وسلم في أسلوب اللعب على التشبيه والتمثيل وطرح الأسئلة، مما يجعل التعلم ممتعا وسهل الاستيعاب.
البعد القيمي: من خلال اللعب تغرس قيم التعاون والصدق والتكافل والتآزر واحترام الآخرين، وقد كان صلى الله عليه وسلم يوجه الأطفال توجيها لطيفا أثناء اللعب دون قسوة أو عنف.
البعد الاجتماعي: يساعد اللعب على تنمية مهارات التواصل والعمل الجماعي، فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم لعب الأطفال مع بعضهم، كما أقر لعب الكبار أيضا، فهو تدريب على الانضباط وتقبل الخسارة والفرح بالنجاح المشترك.
توظيف اللعب كمنهج تربوي في ضوء السنة
راعى التوجيه النبوي سن الطفل وقدراته، فنوع في أساليب التعامل معه، وكان اللعب من أكثر الوسائل التعليمية ملاءمة لمراحل الطفولة الأولى، حيث يعد مدخلا تربويا يتناسب مع طبيعة النمو العقلي والانفعالي.
الأدلة الصحيحة من السنة النبوية
أقر النبي ﷺ العب التخيلي ووفر البيئة المناسبة للطفل ليمارس طفولته دون ترهيب، يظهر ذلك من خلال:
– المسابقات الحركية وبناء الروح التنافسية: روى الإمام أحمد عن عبد الله بن الحارث قال: “كان رسول الله ﷺ يَصُفُّ عبد الله وعُبيد الله وكثيراً من بني العباس، ثم يقول: مَنْ سَبَقَ إِلَيَّ فَلَهُ كَدَا وَكَذَا، قال: فَيَسْتَبِقُونَ إليه، فَيَقَعُونَ على ظهره وصدره، فَيُقَبِّلُهُمْ وَيَلْتَزِمُهُمْ”.
– مراعاة عالم الطفل التخيلي: عن عائشة رضي الله عنها قالت: “كنت ألعب بالبنات (العرائس) عند النبي ﷺ، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله ﷺ إذا دخل يتقمعن منه (يتسترن)، فيُسَرِّبُهُنَّ إليَّ (يرسلهن إلي) فيلعبن معي” (رواه البخاري ومسلم).
– إعطاء الأولوية لحاجة الطفل أثناء اللعب: عن عبد الله بن شداد عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسناً أو حسيناً… فسجد سجدة أطالها، فلما قضى الصلاة قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت سجدة أطلتها! قال: “إن ابني ارتحلني (ركب على ظهري)، فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته” (رواه النسائي).
– تقديم الإشباع النفسي للطفل حتى في أقدس الأوقات (الصلاة)، لكي لا يرتبط الدين في ذهنه بالمنع والقسوة.
– بناء الجسور: اللعب مع الأبناء يكسر حاجز الخوف، مما يجعل الطفل يلجأ لأبيه عند الوقوع في الخطأ بدلاً من الهروب، لأن العلاقة بُنيت على الحب والمشاركة لا على الأوامر فقط.
– التعلم بالمحاكاة والمزاح: كان النبي ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقاً، مثل قوله للغلام: “يا أبا عمير ما فعل النغير” (رواه البخاري ومسلم).
– العدل في التشجيع: كما كان النبي ﷺ يضم المتسابقين جميعاً ويقبلهم.
– التحفيز: النبي ﷺ هو من وضع “قواعد اللعبة”، وهو من حدد “الجائزة”، وهو من جعل جسده الشريف “نهاية السباق”، وهذا أعلى درجات التواضع والمشاركة الوجدانية.
– تقديم حاجة الطفل النفسية في اللعب على استعجال الصلاة، لئلا يرتبط في ذهنه أن العبادة تحرمه من المتعة، وهذا أصل عظيم في حب الدين من خلال اللعب.
– استخدام الحركات الجسدية (الدلع باللسان) لإثارة ضحك الطفل وبسط انشراحه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “كان رسول الله ﷺ يُدْلِعُ لسانَه للحسن بن علي، فيرى الصبيُّ حُمْرَةَ لسانِه، فَيَهَشُّ إليه (أي يضحك ويسر)“ (رواه البخاري ومسلم).
الأدلة القولية (ما أرشد إليه النبي ﷺ)
– في قصة زواج جابر بن عبد الله، قال له النبي ﷺ: “هَلَّا جَارِيَةً (أي بكراً) تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ، وَتُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ؟” (رواه البخاري ومسلم).
– اللعب والمضاحكة منهج نبوي لإشاعة المودة في البيت، والطفل الذي ينشأ في بيت فيه “لعب” بين والديه ينشأ سويا نفسيا. لهذا فالاعتراف بقيمة ألعاب الأطفال والحديث معهم عنها بجدية، يعزز تقدير الذات لدى الطفل.
– إقرار الحبشة باللعب في المسجد، عن عائشة رضي الله عنها قالت: “رأيت النبي ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد (بالحراب والدرق)” (رواه البخاري ومسلم).
خلاصة
إن اللعب كما تجلى في السنة النبوية الشريفة، ليس مجرد نشاط ترفيهي، بل منهج تربوي متكامل الأبعاد، يراعي فطرة الإنسان وحاجاته النفسية والاجتماعية والعقلية، فقد أقرت السنة النبوية مشروعية اللعب، ووجهته بضوابط أخلاقية وقيمية، وجعلته وسيلة فعالة في التربية، وبناء الشخصية المتوازنة، وتعزيز الروابط الأسرية والاجتماعية، ومن ثم فإن توظيف اللعب في الممارسة التربوية المعاصرة، يعد إحياء للسنة النبوية، واستجابة علمية لحاجات المتعلم، ومسارا تربويا فاعلا يسهم في إعداد أجيال متوازنة، قادرة على التفاعل الإيجابي مع ذاتها ومجتمعها.