(1)
وُلد المفكّر والمصلحُ والسياسيُّ المغربي عبد السلام ياسين سنة 1928م، وظلّ طوال حياته، إلى غاية وفاته يوم 13 دجنبر من عام 2012م، منخرطا في جهدٍ تربوي ودعويّ وسياسيّ وبحثيٍّ ومعرفي متواصل، انصبّ أوّلا على تزكية الذاتِ وبناء الإنسان، ثم اتّسع ليشملَ دراسةَ واقع مجتمعه وتحليل تحوّلاته وإشكالاته الكبرى وتقديم وجهة نظره حول الكثير من أسئلة السياسة والاجتماع في بلده والعالم.
قضى ياسينُ عمرَه كلّه في متابعة قضايا الإصلاح الفكري والتربوي والاجتماعي والسياسي؛ فكان حضورُه في الساحة المغربية حضورا متعدّد المستويات. من أبرز مداخل هذا الحضور مبادراتُه المباشرة تجاه السلطة الحاكمة ـ وعلى رأسها رسالتاه الشهيرتان لملكي المغرب: “الإسلام أو الطوفان (1974) و”مذكّرة إلى من يهمّه الأمر” (2000) ـ اللتان شكّلتا علامة فارقة في تاريخ المعارضة المغربية المعاصرة. كما أسّس حركةً اجتماعية أصبحت لاحقًا أكبر الحركات ذات الامتداد الشعبي في المغرب، مُقدّما من خلالها رؤيةً شاملة للتغيير، قائمةً على الإصلاح التربوي والتجديد الفكري والانخراط السياسي السلمي.
إلى جانب ذلك، ترك ياسينُ رصيدا معرفيا غنيا؛ حيث نشر عددا كبيرا من المؤلفات تجاوز الثلاثين كتابا، تضمّنت اجتهاداتِه التصوريَّةَ ومنظومتَه الفكريّةَ في مجالاتٍ شتّى. وقد أسهم كذلك في توثيق رؤيته عبر تسجيلات واسعة لدروسه ومحاضراته ومواعظه وحواراته، التي شكّلت، مع كتبه، إطارا مرجعيا لفهم مشروعه الإصلاحي المتكامل.
في مقالنا هذا نتوقّف باختصار شديد لننظُرَ في مميّزات الكتابة عند الأستاذ ياسين لأنّ المطّلع عليها سيكتشف أنّها ـ بالفعل ـ مختلفة عن كتابات كلّ المفكّرين الإسلاميين، في المغرب كما في المشرق، ولذلك تستحقّ أن يُنظر في أصولها ومنهجيّتها ووظائفها.
(2)
تَظهرُ الكتابةُ في تجربة عبد السلام ياسين باعتبارها مدخلا لفهم مشروعِه الفكريّ والتربويّ، ووسيطا مركزيا في صياغة رؤيتِه لله والإنسان والعالم. فهي عنده ليست نشاطا تعبيريا عاديا، ولا امتدادا لمَلكة الشفهي التي تميّز كثيرا من المُصلحين والدُّعاة، بل هي ـ في وعيه العميق ـ فضاءُ إنتاج للمعنى وأداةٌ لصياغة الموقف وتوجيه النظر، حتى إنّ أكثر المقرّبين إليه ـ وابنته الأستاذة نادية أوّلهم ـ يؤكّدون أن أثرَه الحقيقي يمرّ عبر المكتوب أكثر من المنطوق. ربّما بسبب إدراكه أنّ الكلمة المكتوبة أقدر على البقاء والتأثير.
لقد تعامل ياسين مع الكتابة تعاملا خاصا يتجاوز الوظيفة الأدبية والعلمية إلى مستوى الالتزام التعبّدي؛ فقد ارتبطَ فعلُ الكتابة عندَه بأوقاتٍ مخصوصةٍ ذات دلالة روحية، ولاسيما ساعات الليل حين ينقطعُ الناس إلى نومهم. وكان يعتبر لحظاتِ السّحَر مما تَمْنَحُ القلمَ صفاءً لا يتحقّق في غيرها، وأن الكتابةَ وقتَها تُمكّنه من الجمع بين صفاءِ القلب وتركيز الفكر. هذا التداخلُ بين البعد الروحي والبعد المعرفي يدفع إلى سؤالٍ منهجي: إلى أيّ حدّ يمكن لعملية إنتاج المعرفة أن تُبنى على سياقات تعبّدية؟ وهل يؤثّر حضور الأفق الإيماني في صياغة المفاهيم والرؤى، أم أنّه مجرّدَ شرطٍ شخصيٍّ لا يترك أثرا مباشرا في بنية الخطاب؟ هذا السؤال أجاب عنه طه عبد الرحمن باستفاضة، وإبداعية عالية، في الجزء الأوّل من كتابه “المفاهيم الأخلاقية بين الائتمانية والعلمانية”، ضمن عنوان: “كيف تكون المعاني الإيمانية أدوات تحليلية؟”.
وعلى المستوى الوظيفي، شكّلت الكتابة عنده إحدى أهم الوسائل التي اعتمدها ياسين في أداء أدواره التربوية والدعوية والسياسية؛ فهي تمثّل التَّعبيرَ الأكثر كثافةً عن مشروعه الإصلاحي، وتنهض بمثابة “البيان” الذي يحمل رؤيتَه ومواقفَه وخلاصاتِه النظريةَ. وما يُعزّز هذا التوجّه إيمانه بأنّ الكلمةَ المكتوبة تمتلك قدرةً على الصُّمود أمام الزمن، وقدرةً على حفظ التجربةِ ونقلها إلى أجيالٍ لم تَعِش سياقاتِها الأصليةَ. يطرح هذا التصورُّ إشكالا مُتعدّد الاتّجاهات: هل يضمن النصُّ فعلا استمرارَ التجربةِ التربوية والدعوية؟ أم أنّه يختزلُها بالضرورة ولا ينقل منها إلا جزءا مرتبطا بالتمثّل الذهني لا بالفعل الحيّ؟ ثم ما حدود الاعتماد على الكتابة في مشروع يقوم أساسا على التربية والصّحبة والعمل الجماعي؟
وعلى خلاف ما قد يتوقعه القارئ، فإنّ كتاباتِه لم تكن مؤطرةً بالأعراف الأكاديمية المألوفة، بل كانت تخرج عنها بوعي مقصود؛ فقد كان يرفض التقيُّدَ الصّارمَ بالإحالات العلمية، ولا يرى ضرورةً في الفصل بين الذاتي والموضوعي، أو في تجنّب خطابَ الوعظ والتوجيه. بل اعتبر هذه الخصائص جزءا من هويته الكتابية، وأعلن صراحة أن الكتابة الأكاديمية “ليست منه، وهو ليس منها”. وهنا يبرز سؤال: كيف يمكن تقييم نصّ لا يلتزم بالمنهج الأكاديمي وفي الوقت نفسه يطمح إلى تقديم معرفة تفسيرية وتحليلية؟ وهل يضع هذا الخروج عن القوالب العلمية حدودا لتلقي أعماله في الوسط الجامعي؟ أم أنّه يفتح الباب أمام نمط مغاير من الكتابة الفكرية يتجذّر في التجربة الروحية والاجتماعية والسياسية؟
ورغم هذا الانفصال الجزئي عن الكتابة الأكاديمية المعياريَّة، فإنّ ياسين كان حريصا على بناء أسلوب خاص، يعبّر عن شخصيته المعرفية والوجدانية. وقد تأثّر في هذا المسار ـ من بين آخرين ـ بالعلّامة المختار السوسي تأثرا واضحا، يكشفه القارئ من خلال أمور كثيرة، من بينها: حضور اللغة غير المحايدة، والذّاتية، وبناء الفكرة، وطريقة الربط بين التاريخ والواقع. غير أنّ هذا التأثر لم يمنعْه من الإصرار على ضرورة استقلال الكاتب عن أساتذته، حتّى إنّه كان يُوصي تلامذتَه بأن يحذروا الوقوع في التقليد، وأن يتعاملوا مع أفكاره باعتبارها مادة يجب أن تُستوعَب ثم يُعاد إنتاجها في صياغات جديدة. ويثير هذا الموقف سؤالا خطيرا: إلى أيّ حدّ يمكن للمدرسة الفكرية أن تتأسّس على مبدأ تَحَرّرٍ ـ من نوع ما ـ من النص المؤسِّس؟
ومن الجوانب التي تميّز مشروعه الكتابي أيضا رفضه تحويل الكتابة إلى مصدر للرزق؛ فلم يُعرف عنه أنه تلقّى مُقابلا ماليا عن مؤلفاته التي تجاوزت ثلاثين عملا. وإذا كان هذا الخيار يعكس توجها أخلاقيا في المقام الأول، فإنّه يثير أسئلة تتصل بعلاقة الفكر بـ”السوق”، وإن كانت هذه المسألة، في الحقيقة، بعيدة عن “الحِمَى الأخلاقي” للأستاذ ياسين، وإنّما طرحناها هنا من باب توسيع النّقاش: هل يجب عزل المعرفة عن القيمة المادية لضمان نقائها؟ أم أنّ تحييد البعد الاقتصادي موقفٌ مثالي قد يحدّ من انتشار الفكر ذاته؟
أما البعد الأكثر حضورا في كتابته فهو ذلك المرتبط بـ”عالَم الغيب”؛ إذ يُنتج ياسين خطابا يمزج بين التحليل الواقعي والانطلاق من أفقٍ إيمانيٍّ يتجاوز المعطيات الملموسة؛ فالغيب ليس عنده مجالا منفصلا عن التاريخ، بل هو أفقٌ مُوَجّهٌ يربط الماضي بالمستقبل، ويُسهم في رسم تصوّرٍ لمسار الأمة. وهذا المكوّن يطرح إشكالا معرفيا حساسا: كيف يمكن لمفكّر “معاصر” أن يُدخل الغيب ـ بما هو مجال غير قابل للملاحظة والقياس والتجريب ـ في بناء قراءة سياسية واجتماعية؟ وهل يؤدي ذلك إلى تعزيز القدرة التفسيرية لخطابه أم إلى تقليصها بسبب إسناد جزء من التحليل إلى ما لا يمكن التحقق منه علمياً؟
في المحصلة، تعكس الكتابة عند عبد السلام ياسين نموذجا مركّبا يجمع بين الرُّوحي والسياسي، وبين الشخصي والعمومي، وبين التجربة الذاتية والرؤية الشمولية للمجتمع. وهي كتابة تستدعي إعادة النظر في حدود الكتابة الأكاديمية، وفي أشكال إنتاج المعرفة، وفي العلاقة بين المعنى وصاحبه. ويبقى السؤال مفتوحا: هل تمثّل هذه التجربة نموذجا قابلا للتعميم في تجربة الكتابة المعاصرة، أم أنها تُعدّ حالة خاصة تنفرد بظروفها وأصولها ورهاناتها؟