الكتابة الأدبية والحس النقدي في الخطاب النثري للأستاذ عبد السلام ياسين

Cover Image for الكتابة الأدبية والحس النقدي في الخطاب النثري للأستاذ عبد السلام ياسين
نشر بتاريخ

تقديم

يحتل الأستاذ عبد السلام ياسين مكانة وازنة في المشهد الفكري الراهن، باعتباره مفكرا ومربيا وصاحب مشروع تغييري متكامل، تبلور عبر مؤلفات غزيرة أسست لخطاب ذي أبعاد روحية ومجتمعية عميقة، جمعت بين البناء الفكري والتوجيه التربوي، وبين وضوح الفكرة وصدق التعبير. وقد حظي هذا المشروع باهتمام بحثي ملحوظ، انصب في معظمه على أبعاده الفكرية والمنهجية والسياسية، بينما ظل الجانب الأدبي في الغالب خارج دائرة الاهتمام الأكاديمي، على الرغم من حضوره الكثيف ووظيفته المركزية داخل مشروعه المنهاجي، إذ لم تكن اللغة عند الإمام مجرد أداة لنقل الأفكار، بل شكلت بعدا تعبيريا فاعلا، استثمر فيه النثر الأدبي والنظم الشعري وسيلتين للتبليغ واستنهاض الهمم.

انطلاقا من هذا المعطى، تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها؛ أن الكتابة الأدبية في خطاب الأستاذ عبد السلام ياسين تشكل إطارا تعبيريا متكاملا يخدم مشروعه التغييري، وأن الحس النقدي يمثل عنصرا ناظما لهذا الإطار، وعليه نسعى إلى مساءلة هذا البعد من خلال محاولة الإجابة عن الأسئلة الآتية:

إلى أي حد تتيح الكتابة النثرية الأدبية في خطاب الأستاذ عبد السلام ياسين بناء حس نقدي فاعل؟ وما ملامح هذا الحس ودلالته الوظيفية في تشكيل الأبعاد المعرفية والتربوية للخطاب؟

أولا: الأسس الأدبية والمنهجية للحس النقدي في الخطاب النثري للأستاذ عبد السلام ياسين

إن استكناه أغوار الكتابة الأدبية في خطاب الإمام عبد السلام ياسين، يقتضي دراسات موسعة وأبحاثا معمقة، يصعب الإحاطة بجوانبها كافة في ورقة واحدة، غير أن محدودية المقام لا تمنع من مقاربة بعض ملامحها الأساسية، عملا بالقاعدة المنهجية القائلة: “إن ما لا يدرك كله لا يترك جله”، فالكتابة الأدبية بوصفها فنا قائما بذاته، تستحق عناية خاصة لما لها من دور في تشكيل المعنى وبناء الخطاب.

وانطلاقا من أن مقاربة ملامح الكتابة الأدبية والحس النقدي في النصوص النثرية للأستاذ عبد السلام ياسين تقتضي قدرا من الدقة الاصطلاحية والمنهجية، يصبح من الضرورة قبل الشروع في التحليل تحديد الإطار المفاهيمي، من قبيل الخطاب والكتابة النثرية والحس النقدي، باعتبارها تستعمل في حقول معرفية متعددة، وتكتسب دلالات متفاوتة باختلاف السياقات النظرية التي تستثمر فيها، وعليه فإن ضبط هذه المفاهيم في حدودها الإجرائية المعتمدة هنا؛ يعد مدخلا أساسيا لتفادي الالتباس المفاهيمي، وضمان انسجام التحليل ودقته.

1- منطلقات منهجية ومفاهيمية

يعرَف الخطاب في المنظور البلاغي، بأنه مجموعة من الجمل منطوقة كانت أم مكتوبة تنتظم في سياق تداولي معين، وتسعى إلى التأثير في المتلقي عبر ما تحمله من رؤى وأفكار وأحاسيس، الأمر الذي يفترض تماسكا داخليا وتدليلا حجاجيا، فضلا عن اللغة الواضحة والصور التعبيرية الفاعلة 1. وفي هذا الإطار، يعد الخطاب النثري مصطلحا متداولا في النقد العربي القديم، حيث استُعمل بوصفه مرادفا للنثر في مقابل الخطاب الشعري 2، يجمع بينهما ما يسمى بالخطاب الأدبي، وقد عبر مسكويه عن هذا التقسيم حين اعتبر النظم والنثر نوعين قسيمين يندرجان تحت الكلام، مميزا بينهما بالوزن الذي به يصير المنظوم منظوما 3.

وفي السياق ذاته، أشار الجرجاني إلى أن الكلام يجمع بين النظم والنثر 4، وهو ما أكده ابن خلدون حين قسم كلام العرب إلى فنّين؛ الشعر المنظوم والنثر غير الموزون، مع اعتبار كل فن منهما مجالا تتفرع عنه فنون وأساليب متعددة 5.

ومع تطور الدراسات اللسانية الحديثة، نال الخطاب حظه من التحليل ضمن نظريات تواصلية ووظيفية، سعت إلى ربط بنية اللسان بوظيفته التداولية داخل المجتمع، مما وسع من دلالة مفهوم الخطاب ليشمل مجالات متعددة؛ من مثيل الدين والسياسة والفلسفة إلى جانب الأدب، وبهذا المعنى يصبح الخطاب قدرة على بناء الأفكار وصياغة الرؤى، وهو ما عبر عنه محمد عابد الجابري حين ساوى بين النص والرسالة، معتبرا النص خطابا موجها من الكاتب إلى القارئ، يعكس في الآن نفسه فكر صاحبه وقدرته على البناء 6.

أما “النثر”، فجدره اللغوي جاء من؛ إذا نثر الشيء نثرا، أي إذا رماه متفرقا 7، ومدلوله المعنوي كثير الكلام، وقد استعمل اصطلاحا للدلالة على الكلام غير الموزون، مقابل الشعر. ويرى عدد من النقاد قديما وحديثا، أن الشعر والنثر جنسان يندرجان تحت مسمى الكلام الأدبي، وهو تصور يسمح بدراسة الكتابة الأدبية عند الإمام في إطار يجمع بين النثر والنظم، دون الفصل التعسفي بينهما.

وانطلاقا من هذه الإطلالة المفهومية، التي لا تروم الحسم في التعدد الاصطلاحي بقدر ما تسعى إلى انتقاء ما يخدم المقاربة المعتمدة، يتبين أن اختلاف تعريفات الخطاب والنثر يعود إلى تباين المرجعيات المعرفية وتنوع الحقول التي تستثمر هذه المفاهيم. وعليه، وفي سبيل سبر أغوار الجانب الأدبي في خطاب الإمام خاصة في بعده النقدي، ستتبنى هذه الورقة تصور النقاد الأوائل الذين اعتبروا الكتابة نثرا والنظم شعرا، وعدوهما صناعتين متكاملتين في بناء الخطاب الأدبي.

2- تجليات الحس النقدي في اللغة النثرية للأستاذ عبد السلام ياسين

يمكن استجلاء الحس النقدي في الخطاب النثري للأستاذ عبد السلام ياسين من خلال البنية اللغوية المعقدة التي تتجاوز العرض الفكري المباشر، لتشكل خطابا مشبعا بالدلالات المتعددة. في هذا السياق يتعين الإشارة إلى مفهوم “المعنى” أو ما يفهم من الدال اللغوي 8، باعتباره عنصرا محوريا في استثمار الإمكانيات البلاغية المتاحة، من مثيل الصورة والإيقاع الداخلي والتكرار الدلالي. يضاف إلى ذلك قدرة الخطاب على استثمار أسلوب المقابلة، الذي نلحظه بشكل خاص بين القيم والمواقف، وهو توظيف بلاغي يسهم فضلا عن إعادة تشكيل المعنى، إلى تحويل اللغة من أداة شرح بسيطة إلى وسيلة نقدية تسائل الواقع، ومن خطاب إخباري إلى خطاب توجيهي تحفيزي ينوه إلى إعادة النظر في المسلمات.

يبرز هذا البعد النقدي بوضوح في عدد من نصوصه الفكرية والتربوية، حيث يعمد الإمام إلى تشخيص أزمة الواقع الإسلامي عبر لغة تقويمية تفكك جذور الخلل بدل الاكتفاء بوصف مظاهره، “ففي المنهاج النبوي” يربط أزمة الأمة بحالة الغفلة عن الغاية والوظيفة، معتبرا أن الخلل الأساس يكمن في الوجهة قبل الوسائل، أي في الغاية والقيم التي تحدد الفعل الإصلاحي، بما يشمله من تصور للإنسان والمقصد النهائي للتغيير 9، وتتكرر هذه الفكرة في نصوص عدة، حيث يؤكد على أن إصلاح الأمة لا يتحقق إلا بالتمسك بـ”الغاية والمطمح الأعلى” 10، وليس بمشاريع شخصية أو شعارات جوفاء.

وهكذا يتحول النقد في خطاب الأستاذ عبد السلام ياسين من تقييم للأدوات إلى مساءلة شاملة للمنظومة القيمية والمرجعية، بما يضمن انسجام الوسائل مع الغاية العليا للإصلاح 11، وعليه فإن تقديم الوجهة على الوسائل يعكس نقدا جذريا يستهدف منظومة القيم والمرجعيات المؤسسة للفعل، ولا يحصره في أدواته وآلياته فقط، وهو ما يجعل من اللغة وسيلة لتقويم الوعي وإعادة توجيهه.

وبالمثل يتجلى الحس النقدي بشكل أوضح في كتاب “العدل” 12، حيث يصوغ الإمام نقده للاستبداد بلغة تقريرية مشحونة بالحجاج، مؤكدا أن الاستبداد ليس ظاهرة سياسية معزولة، بل بنية شاملة تنتج الفساد في مختلف المستويات، وتكشف هذه المعالجة عن توظيف واع للغة النثرية بوصفها أداة تفكيك؛ تقوم على الربط السببي والتوكيد، وبناء الجمل القطعية التي تمنح الخطاب قوة إلزامية واضحة.

علاوة على ذلك يمكن استجلاء الحس النقدي في اعتماد التكرار الدلالي 13، وهو ما يبرز في كتاب “الإسلام غدا” 14 – على سبيل المثال لا الحصر – حيث تتردد مفاهيم من قبيل (الغفلة والفتنة والعدل والإحسان)، باعتبارها مفاتيح تحليلية لفهم الواقع واستشراف مآلاته، ولا ريب يؤدي هذا التكرار وظيفة نقدية مزدوجة، تتمثل في زعزعة المسلمات علاوة على إعادة ترتيب سلم الأولويات في وعي المتلقي.

على أننا إذا أبحرنا في كتاب “نظرات في الفقه والتاريخ” 15، يبرز الجانب النقدي بشكل بيّن، حيث يؤسس الأستاذ عبد السلام ياسين موقفه من التاريخ من خلال مساءلة زاوية النظر قبل مساءلة الوقائع ذاتها، مؤكدا أن التاريخ لا ينبغي أن يقرأ قراءة تجزيئية أو تبريرية، بل ينبغي أن يقرأ من أعاليه، يقول رحمه الله: “إننا عندما ننظر إلى ما يحدث في تاريخنا المعاصر، علينا أن ننظر إليه من أعلى، يعني من حيث كان رسول الله يبشر وينذر ويخبر بأنها ستكون خلافة على منهاج النبوة ثم تتدهور الأمور حتى تصبح في يد غِلمة من قريش، لأننا إن لم ننظر من أعالي التاريخ يوشِك أن ننسى الوجهةَ التي ننحدر فيها” 16.

ويبدو أن هذه العبارة على الرغم من أنها في غاية الإيجاز، إلا أنها تحمل دلالات قوية؛ بنيت على استعارة مكانية، تؤسس لموقف نقدي من طبيعة الرؤية التاريخية.

فمفهوم “الأعالي” يحيل لغويا إلى الشمول والهيمنة البصرية، في مقابل القراءة الأفقية التي تنغلق داخل الحدث المعزول عن سياقاته وتداعياته، لذلك تتحول اللغة إلى أداة لتقويم المنهج، ليعيد توجيه الوعي والانتقال به من تتبع الجزئيات، إلى استحضار المقاصد والسنن الحاكمة لمسار التاريخ.

والظاهر إذن من خلال هذا البناء اللغوي؛ أن الحس النقدي عند الإمام لا يقوم على إطلاق الأحكام الجاهزة أو التقرير المباشر، بل يتأسس على صياغة تعبيرية واعية تدفع القارئ إلى مراجعة المسلّمات السائدة، وتنبهه إلى محدودية أنماط القراءة الشائعة وآثارها.

وعليه، تمثل الأدبية في خطابه أداة نقدية فاعلة، تعيد توجيه زاوية النظر وتؤسس الفهم قبل الانتقال إلى إصدار الأحكام.

ولا يظل هذا التصور النقدي للتاريخ حبيس التنظير، بل يتجسد بوضوح في جل كتاباته التي توظف اللغة الأدبية في تفكيك الوعي التاريخي والتمثلات السائدة، فضلا عن مساءلة المفاهيم التي حكمت قراءة الماضي والحاضر معا، فتنهض بدور نقدي واضح من خلال مساءلة جذرية لمسار الأمة، ولا أدل على ذلك مما يمكن استجلاؤه من كتابه “القرآن والنبوة” 17، حيث يقارن بين نموذج تاريخي معياري، تجسدت فيه وحدة الإيمان والفعل وتآلف القلوب بروح القرآن، وبين واقع معاصر موسوم بالتفكك والعلمنة في قوله: “إن عرض حاضرنا على السنة المطهرة كفيل أن يكشف لنا بالمقارنة فداحة الخراب. كما أن استعراضنا لتاريخنا كفيل أن يدلنا على مراحل النقض والتدمير” 18، وهو نقد يتجاوز فيه توصيف الانهيار إلى تفكيك اللغة والمفاهيم التي يقرأ بها التاريخ، حيث يحمّل “الفكر المترجم” مسؤولية الفصل بين منطق القدر ومنطق الشرع، مستثمرا المقابلة والاستفهام الإنكاري لتعرية الجاهلية التي أقصيت فيها القيم الدينية، وأفرغت من وظيفتها المجتمعية الشاملة، ليطغى الحس النقدي في النص من خلال نقده للمنظومة القيمية والمرجعية الحاكمة، متفوقا بذلك في تجاوزه سقف التشخيص للواقع كما عودنا خطابه النثري، المائز في تكامل أدبيته مع الوظيفة التقويمية  لإعادة توجيه الوعي وبناء سؤال التغيير.

ثانيا: وظائف الكتابة الأدبية في الخطاب النثري للأستاذ عبد السلام ياسين

تتوزع وظائف الكتابة الأدبية في الخطاب النثري للأستاذ عبد السلام ياسين ضمن بعدين متكاملين لا يقوم أحدهما دون الآخر؛ بعد معرفي تأصيلي وآخر تربوي قيمي، وهو توزيع ينم عن وعي منهجي بوظيفة اللغة؛ التي يجعلها أداة لبناء التصور وصياغة الرؤية وتوجيه الفعل، قبل أن تكون وسيلة لنقل المعلومة.

1- الوظيفة المعرفية

في بعدها المعرفي، تسهم الكتابة الأدبية في تأصيل المفاهيم الكبرى التي يقوم عليها المشروع المنهاجي، من خلال لغة قادرة على تبسيط الأفكار المركبة دون تفريغها من عمقها الدلالي، إذ المفاهيم المركزية من قبيل؛ (المنهاج والإحسان والعدل والخلافة والسنن)، لا تقدم عند الأستاذ عبد السلام ياسين في صيغة تعريفات جامدة، بل تبنى داخل نسيج لغوي دلالي، يستثمر الرمز والصورة والاستعارة بما يجعل المفهوم منفتحا على أفق تأويلي وتربوي في نفس الآن.

ويتجلى ذلك بوضوح في كتاب “المنهاج النبوي”، حيث يطرح المنهاج باعتباره “وجهة” كلية تضبط الفعل التغييري وتمنحه معناه القيمي، لذلك نجد اللغة هنا لم تكتف بشرح المنهاج، بل تجاوزته لإنشاء أفق دلالي تنقل من خلاله القارئ من منطق الأدوات والآليات إلى منطق الرؤية، وقد فصلنا فيه آنفا.

ويتأكد هذا المنحى في كتاب “سنة الله”، حيث تقدم السنن الإلهية بلغة تقابلية تربط بين الثبات والتحول، وبين الوعد الإلهي وسلوك الإنسان؛ بما يحوّل هذه السنن من معطيات نظرية إلى مفاتيح تفسيرية لفهم التاريخ والواقع، ويؤدي هذا البناء اللغوي وظيفة معرفية دقيقة، تتمثل في إعادة ترتيب العلاقة بين النص والواقع، وبين الفهم النظري ومجالات تنزيله العملي.

وبناء على ذلك يمكن القول؛ إن الخطاب النثري الأدبي في بعده المعرفي عند الأستاذ عبد السلام ياسين، لا يقتصر على نقل التصور أو شرحه، وإنما ينهض بدور تأسيسي في بناء الرؤية المنهاجية وضبط أفقها المرجعي.

2- الوظيفة التربوية

تنهض الكتابة الأدبية عند الأستاذ عبد السلام ياسين إلى جانب بعدها المعرفي؛ بوظيفة تربوية مركزية تستهدف تجديد الإيمان وبعث الإرادة وشحذ الهمم، بما يجعل اللغة أداة فاعلة في الوعظ والتوجيه، فالنص النثري فوق أنه يخاطب العقل، يتوجه أيضا إلى القلب؛ بوصفه مركز الفعل والتحول ومنطلق التغيير الفردي والجماعي 19.

ويتجلى البعد التربوي ضمن لغة مشحونة بالدلالة الروحية التي تخاطب القلب، وتدعو إلى تربية توصل العبد السالك إلى محبة الله سبحانه، نسوق في هذا الصدد اقتباسا تعبيريا كثيف الدلالة، من حيث بلوغ الإنسان درجة من التزكية ليصبح فيها كما قال: “سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها” 20، فالخطاب في بعده الأدبي لا يقتصر على مخاطبة العقل وحده، وإنما يتوجه إلى القلب باعتباره مركز الفعل والتغيير، وهي بنية تعبيرية تكشف عن وعي تداولي بوظيفة اللغة 21، حيث تحمل المفاهيم التربوية شحنة تحفيزية تخاطب الوجدان وتستنهض الهمة بما يعيه المتلقي من لغته، فيتحول الخطاب من توجيه نظري إلى فعل تعبوي مقصود.

لذلك فإن اللغة الأدبية في هذا السياق تضطلع بدور تربوي بنيوي، يتمثل في إعادة تشكيل العلاقة بين الإيمان والعمل، وبين الفهم والالتزام. وبذلك، يغدو الحس النقدي في بعده التربوي متجذرا في صلب البناء اللغوي، حيث تمارس التربية بوصفها نقدا ضمنيا لحالة الفتور، وإعادة توجيه الوجدان نحو مقاصد المنهاج وغايته.

ويتأكد هذا التداخل بين الوظيفة التربوية والحس النقدي في كتاب “نظرات في الفقه والتاريخ”، حيث تتحول اللغة إلى وسيلة تنبيه وتحريض وجداني، تدعو القارئ إلى مراجعة موقعه من التاريخ، فالدعوة إلى “قراءة التاريخ من أعاليه” تبنى ضمن سياق لغوي يوقظ الشعور بالمسؤولية ويستنهض الوعي الجماعي، ويجعل من الفهم التاريخي فعلا أخلاقيا قبل أن يكون فعلا معرفيا.

نستشف بناء على ما سبق؛ أن اللغة الأدبية في خطاب الأستاذ عبد السلام ياسين، لا تنفصل عن مشروعه التغييري، فالصورة البلاغية تتحول إلى أداة تربوية، والإيقاع الداخلي يصبح وسيلة شحن وجداني تهيئ المتلقي لتقبّل الخطاب النقدي دون معارضة، وعليه فإن النقد يقدم في قالب لغوي يشرك القارئ في عملية الفهم والتأمل، ويجعله طرفا في بناء المعنى وليس متلقيا سلبيا له.

خلاصة واستنتاجات

يتضح من خلال هذا التحليل أن الكتابة النثرية عند الأستاذ عبد السلام ياسين، تقوم على تداخل بنيوي بين البعد الأدبي والحس النقدي، حيث لا تنفصل الوظيفة النقدية عن الممارسة اللغوية، بل تتجسد داخل بنيتها التعبيرية وآليات اشتغالها.

وانطلاقا من إشكالية العلاقة بين الكتابة الأدبية والخطاب النقدي في نصوصه النثرية، تؤكد النتائج المتوصل إليها أن الأدبية تشكل عنصرا ناظما في بناء الخطاب الإصلاحي، تتجلى من خلالها وحدة المشروع في تلاحم الفكرة واللغة، والمعرفة والمقصد التربوي، أي أنها تجاوزت نمطيتها الجمالية والتزيينية.

وإلى جانب ذلك يقوم الخطاب الإصلاحي للإمام على وحدة داخلية متماسكة، تتداخل فيها الفكرة مع لغتها، والمعرفة مع وظيفتها التربوية، بحيث يغدو الخطاب الأدبي ذاته مجالا لإنجاز الرؤية النقدية والتغييرية، وليس مجرد وسيلة للتعبير عنها، ويظهر ذلك بجلاء من خلال تحليل آليات التعبير النثري، حيث يتشكل الحس النقدي داخل اللغة، ويتجلى في بنية الخطاب وأساليبه قبل أن يعلن في المواقف الصريحة، مما يجعل النقد ممارسة لغوية وتربوية في آن واحد.

كما تؤكد هذه الورقة؛ نجاعة المقاربة الأدبية التداولية في الكشف عن الوظائف المعرفية والتربوية للغة النثرية، وإبراز قدرتها على مساءلة الوعي النقدي من داخل البنية التعبيرية ذاتها، وهو ما يفتح أفقا لدراسات مستقبلية حول النظم الشعري في خطاب الإمام، بوصفه امتدادا للوعي النقدي ولتجليات الأدبية في خدمة المشروع التغييري، واستكشاف مدى تضافر النثر والشعر لتقوية الرؤية المنهاجية، وتفعيل الحس النقدي في بناء خطاب متكامل.


[1] رشيد بنحدو، النص الأدبي من الإنتاج إلى التلقي، أطروحة مرقونة بكلية الآداب ظهر المهراز بفاس، إشراف حسن المنيعي، 1991، ص 249.
[2] ابن المعتز، البديع، شرحه وحققه عرفان مطوجي، مؤسسة الكتب الثقافية، ط1، 2001، بيروت، ص48. والقاضي الجرجاني، الوساطة بين المتنبي وخصومه، تحقيق محمد أبو الفصل إبراهيم وعلي محمد البجاوي، مطبعـة عيسى البابي الحلبي وشركاه، ط4، 1966، القاهرة، ص 18-24-80-98-177 والآمدي، الموازنة بين أبي تمام والبحتري، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة التجارية، ط3، 1959، القاهرة، ص46.
[3] حوله يقول مسكويه: “النظم والشعر نوعان قسيمان تحت الكلام، والكلام جنس لهما … ثم ينفصل النظم عن النثر بفضل الوزن الذي بِهِ صار المنظوم منظوما”، ينظر التوحيدي ومسكويه، الهوامل والشوامل، تحقيق أحمد أمين والسيد أحمد صقر، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1951، القاهرة،  ص 309.
[4] القاضي الجرجاني، الوساطة بين المتنبي وخصومه، تحقيق محمد أبو الفصل إبراهيم وعلي محمد البجاوي، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، ط1999، القاهرة، ص18-24-80-98-177.
[5] يقول ابن خلدون في هذا السياق: “اعلم أن لسان العرب وكلامهم على فنين في الشعر المنظوم وهو الكلام الموزون المقفى، ومعناه الذي تكون أوزانه كلها على رويّ واحد وهو القافية، وفي النثر وهو الكلام غير الموزون، وكل واحد من الفنين يشتمل على فنون ومذاهب في الكلام”، أنظر: عبد الرحمن بن بن خلدون، العِبَر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، ضبط المتن ووضع الحواشي والفهارس خليل شحادة، دار الفكر، الطبعة: الأولى، 1401 هـ – 1981 م، بيروت، ج1، ص781.
[6] محمد عابد الجابري، تحليل الخطاب العربي المعاصر، دار الطليعة، ط 1، 1985، بيروت، ص60.
[7] القاموس المحيط ، دار الكتب العلمية،ط1، 1999، بيروت، مادة (نثر)، ج2، ص229.
[8] حسن الأمين، دائرة المعارف الإسلامية، دار التعارف للمطبوعات، ط 6، 200، بيروت، مجلد2.
[9] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، دار إقدام، إستانبول، 1981. عبد السلام ياسين، الإسلام غدا، دار إقدام، إستانبول، 1973، ص589- 602-604.
[10] عبد السلام ياسين، سنة الله، مطبعة الخليج العربي، 2005، تطوان، ص55.
[11] عبد السلام ياسين مجلة الجماعة ،ط 1979،  العدد الثاني، ص31.
[12] عبد السلام ياسين، العدل: الإسلاميون والحكم، دار لبنان للطباعة والنشر، ط 2018، بيروت.
[13] التكرار الدلالي أو “التكرار النصي هو إعادة العنصر المعجمي بلفظه أو ورود مرادف أو شبه مرادف، أو عنصر مطلق أو اسم عام أو غير ذلك”، ينظر شيرين خيري عبد النبي، التكرار الدلالي وأثره في التماسك النصي في منطق الطير لفريد الدين العطار، حوليات أداب عين شمس،السنة 2015، المجلد 43، ص355.
[14] الإسلام غدا، م س.
[15] عبد السلام ياسين، نظرات في الفقه والتاريخ، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 1989، بيروت، ص45.
[16] حوارات مع الإمام عبد السلام ياسين، حوار في موضوع: الخلافة على منهاج النبوة، ط 2013/1، دار إقدام للطباعة والنشر والتوزيع، إستانبول، ص 217.
[17] يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “أين تلك الجماعة التي سرت فيها روح القرآن، وتآلفت قلوبها بفضل الله ورحمته ؟ بناء قوضته ظروف التاريخ، بل قدر الله ! أستغفر الله من تعابير ومصطلحات فرضتها علينا ضرورة مخاطبة الناس على قدر عقولهم. ويجد المرء حَرَجا، منذ لوَّثَ لغتَنا الشريفة أصحابُ الفكر المترجم، أن يجمع بين لسانَيْ القدَر والشرع كما يجمع القرآن وتجمع السنة. وهذا من التقويض التاريخي”، ينظر القرآن والنبوة، دار لبنان للطباعة والنشر، ط 2012، بيروت، ص 35.
[18] المرجع نفسه.
[19] حول كنه التجديد يقول الإمام: “المطلوب للأمة هو تجديد بواعثها لتقوم، أفرادا تجدد إيمانهم بالتربية، وجماعة تجددت قوتها بتجدد بواعث أعضائها الإيمانية، بواجب الجهاد واقتحام العقبة”، ينظر المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، م س، ص35.
[20] عبد السلام ياسيين، الإحسان، ار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ج2، ص37.
[21] التداولية هي دراسة المعنى الذي يقصده المتكلم، وهي “تختص بدراسة المعنى كما يوصله المتكلم (أو الكاتب ويفسره المستمع (أو القارئ)، لذا فإنها مرتبطة بتحليل ما يعنيه الناس بألفاظهم أكثر من ارتباطها بما يمكن أن تعنيه كلمات أو عبارات هذه الألفاظ منفصلة”، ينظر:  جورج يول، التداولية، ترجمة قصى العتابي، دار الأمان، الرباط، ط1 ،2010م، ص19. و”تعد التداولية من أبرز مدارس اللغويات على مستوى الدلالي، فهي لا تكتفي بالمعاجم وإنما تستعين بقرائن كثيرة لتأويل الكلمات والجمل واستبطان الظاهر للكشف عن المعنى الخفي، وغير المباشر والغير الحرفي، مثلما تستعين بمعطيات علم الاجتماع وعلم  الدلالة البنيوي وغير ذلك من معارف تتداخل فيما بينها الصوت في المعنى والمضمون في المعنى”، ينظر إبراهيم خليل، مدخل إلى علم اللغة، دار المسيرة للنشر والتوزيع، ط1، 2016م، ص332.