ثالثا: الرؤية الإسلامية واتساع مفهوم السياسة
إذا كانت الفلسفة السياسية الحديثة قد انتهت إلى توسيع مفهوم السياسة وربطه بالمجال العام والتواصل الإنساني، فإن المتأمل في التراث الإسلامي يجد أن هذا المعنى لم يكن غريبا عن بنيته الفكرية، بل كان حاضرا في أصوله الكلية ومقاصده العامة. فالسياسة في التصور الإسلامي لا تُختزل في الحكم، ولا تنحصر في الدولة، ولا تُقاس فقط بمدى الاقتراب من السلطة أو الابتعاد عنها، وإنما تتصل ابتداء برعاية المصالح العامة وتحقيق مقاصد العمران الإنساني.
ولهذا ارتبطت الرسالة الإسلامية منذ نشأتها بمشروع إصلاحي تربوي شامل يتجاوز حدود التعبد الفردي إلى بناء المجتمع العادل. قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ [النحل: 90]، وقال سبحانه: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: 2]. فالعدل والتعاون ليسا مجرد فضيلتين أخلاقيتين، بل هما من الأسس التي يقوم عليها الاجتماع الإنساني السليم.
ومن هنا لم يكن الإصلاح في التصور الإسلامي وظيفة الحاكم وحده، بل مسؤولية تتوزع على الأمة كلها. ولذلك جاء قوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران: 104]، ليجعل حفظ التوازن الأخلاقي والاجتماعي مهمة جماعية، لا اختصاصا سياسيا ضيقا.
وقد عبّر علماء الإسلام عن هذا الفهم الواسع للسياسة بعبارات مختلفة، غير أن أكثرها دلالة ما قرره ابن القيم رحمه الله حين قال: “فإن السياسة العادلة جزء من أجزاء الشريعة” 1. ثم وسّع المعنى حين جعل السياسة كل ما كان الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد 2. وبذلك لم تعد السياسة عنده مجرد إدارة للسلطة، بل صارت كل عمل يحقق المصلحة العامة ويخدم مقاصد الشرع والعمران.
ويؤكد الإمام الشاطبي رحمه الله هذا المعنى حين يجعل مقاصد الشريعة قائمة على حفظ مصالح الخلق وتحقيق انتظام حياتهم 3. فالشريعة ليست مجموعة أحكام معزولة عن الواقع، وإنما مشروع حضاري متكامل يهدف إلى صيانة الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وهي المقومات التي لا يستقيم العمران الإنساني إلا بها.
ومن هذا المنظور يصبح التعليم سياسة، والإصلاح الاجتماعي سياسة، وبناء المؤسسات العلمية والثقافية سياسة، كما يصبح نشر الوعي ومقاومة الجهل وحفظ الوحدة المجتمعية من صميم العمل السياسي، لأنها جميعا تسهم في تحقيق المقاصد التي من أجلها تقوم الدولة والمجتمع.
وقد أدرك مالك بن نبي هذا البعد الحضاري حين جعل مشكلة العالم الإسلامي في جوهرها مشكلة حضارة لا مشكلة سلطة فحسب 4. فالتغيير الحقيقي عنده يبدأ من الإنسان، لأن الإنسان هو العنصر الذي يحول الأفكار إلى واقع، والقيم إلى مؤسسات، والإرادة إلى تاريخ. ولذلك لم يكن اهتمامه موجها إلى سؤال: من يحكم؟ بقدر ما كان موجها إلى سؤال: كيف نبني الإنسان القادر على النهوض؟
ومن هنا يتبين أن السياسة في الرؤية الإسلامية ليست مجرد تنافس على المواقع، بل هي مشروع إصلاح شامل يروم بناء الإنسان والعمران معا، ويجعل من كل جهد يحقق المصلحة العامة لبنة في صرح النهوض الحضاري.
رابعا: بين الفاعلية والعبث
غير أن اتساع مفهوم السياسة لا يعني أن كل انشغال بالشأن العام فاعلية حقيقية، كما أن كثرة الحركة لا تدل بالضرورة على وجود أثر. فكم من ضجيج ملأ الآفاق ولم يترك وراءه بناء، وكم من جهود استنزفت الأعمار ولم تضف إلى العمران لبنة واحدة.
إن من أخطر ما يهدد المجتمعات أن يتحول العمل العام إلى مجرد ردود أفعال متتابعة، أو إلى معارك كلامية لا تنتهي، أو إلى انشغال دائم بالخصومات على حساب المشروعات. ففي مثل هذه الحالات يختلط الفعل بالانفعال، ويضيع البناء وسط الصخب.
ولهذا تربط حنة أرندت السياسة بالفعل الخلاق والمبادرة المؤسسة، فتقول: “فأن نفعل في المعنى العام للكلمة يعني أن نبادر، أن نتولى، أن نبدأ، وأن نقود وأن نحكم” 5. فالفعل السياسي الحق ليس مجرد التكيف مع الواقع، بل القدرة على افتتاح إمكانات جديدة وإحداث أثر يتجاوز حدود اللحظة الراهنة.
ومن هنا فإن الفاعل الحقيقي ليس هو الأكثر صخبا، بل الأكثر إسهاما في بناء الشروط التي تسمح للمجتمع بالتقدم. إنه الإنسان الذي يزرع حيث لا يحصد، ويبني حيث لا يسكن، ويهيئ للأجيال القادمة أسباب النهوض وإن لم يكن هو أول المنتفعين بها.
ولعل أبلغ ما يجسد هذا المعنى الحديث النبوي الشريف: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها» [أحمد في المسند]. فهذا النص يضع الإنسان أمام فلسفة كاملة في العمران؛ إذ يجعل قيمة العمل مرتبطة بأدائه لواجبه، لا بضمان إدراك ثماره.
فالفسيلة هنا ليست مجرد شجرة، بل رمز لكل مشروع إصلاحي طويل المدى، ولكل جهد يبذله الإنسان من أجل المستقبل، حتى وإن بدا المستقبل بعيدا أو غامضا. ولذلك كان البناء الحضاري دائما عملا تراكميا تشترك فيه أجيال متعاقبة، يسلّم بعضها بعضا مشعل النهوض.
ومن هذا المنطلق لا تصبح مقاومة الشر شأنا أخلاقيا فحسب، بل تتحول إلى واجب سياسي وحضاري أيضا. ولذلك يقول بول ريكور: “أما بالنسبة للفعل، فإن الشر هو قبل كل شيء ما لا يجب أن يكون، بل يجب أن يصارع” 6. فالسياسة في أحد معانيها الكبرى هي مقاومة ما يهدد كرامة الإنسان ويعوق تقدمه ويعطل إمكاناته.
ويعزز ريكور هذا المعنى بقوله: “كل فعل أخلاقي أو سياسي يقلل كمية العنف الممارس بواسطة البشر بعضهم ضد بعض، ينقص معدلات الألم في العالم” 7. وهكذا تصبح السياسة، في جوهرها الإنساني، مشاركة في تخفيف المعاناة البشرية، وسعيا دائما نحو عالم أكثر عدلا وأقل ظلما.
وعلى هذا الأساس يمكن التمييز بين الفاعلية والعبث. فالفاعل مشغول بالبناء، والعابث مشغول بالانتصار. الفاعل يقيس نجاحه بما يتركه من أثر، والعابث يقيسه بما يحققه من ضجيج. الفاعل ينظر إلى المستقبل، والعابث أسير اللحظة. ولذلك تبقى آثار الأول بعد غيابه، بينما يتلاشى أثر الثاني بانتهاء معاركه.
خامسا: ما الأفق الذي ينبغي أن يتطلع إليه الفرد؟
إذا تبين أن السياسة أوسع من أن تُختزل في الانتخابات، وأعمق من أن تُحصر في مؤسسات الحكم، وأبقى من أن تُقاس بنتائج اللحظة العابرة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: إلى أي أفق ينبغي أن يتطلع الفرد إذا أراد أن يكون فاعلا في مجتمعه، ومشاركا في نهضته، ومساهما في بناء مستقبله؟
إن من أكبر الأخطاء التي يقع فيها الإنسان أن يجعل غايته الوصول إلى موقع أو الظفر بمنصب أو تحقيق مكسب آني، لأن المواقع تتبدل، والمناصب تزول، والانتصارات العابرة كثيرا ما تذروها رياح الأيام. أما الأعمال التي تُبنى على خدمة الإنسان وصناعة العمران، فإنها تمتد آثارها إلى ما بعد أصحابها، وتبقى شاهدة على قيمة الجهد الذي بُذل فيها.
ولهذا يوجه القرآن الكريم نظر الإنسان إلى أفق أوسع من أفق المكاسب العاجلة، حين يربط وجوده في الأرض بمهمة الاستخلاف والعمران، قال تعالى: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [هود: 61]. فالمطلوب من الإنسان ليس مجرد الإقامة في الأرض، بل الإسهام في إعمارها وإصلاحها وتنمية ما أودع الله فيها من إمكانات.
وعلى هذا الأساس تصبح الفاعلية الحقيقية مرتبطة ببناء الإنسان قبل بناء المؤسسات، لأن الإنسان هو صانع التاريخ وحامل الحضارة. فكل جهد يزيد من قدرة الإنسان على التفكير والإبداع والمشاركة، هو إسهام مباشر في صناعة المستقبل.
وفي هذا الاتجاه نفسه يشير بيير بورديو إلى أهمية “الرأسمال الثقافي” في تشكيل المكانة الاجتماعية والتأثير المجتمعي 8. فالمعرفة والقيم والمهارات ليست عناصر ثانوية في بناء الأمم، بل هي من أهم الموارد التي تحدد قدرتها على النهوض والاستمرار.
ومن هنا فإن الأفق الذي ينبغي أن يتطلع إليه الفرد ليس مجرد التأثير في نتائج الانتخابات، بل المشاركة في بناء الشروط التي تجعل المجتمع أكثر وعيا وعدلا وكفاءة. فالمعلم الذي يربي جيلا واعيا، والباحث الذي ينتج معرفة نافعة، والمفكر الذي يوسع أفق الرؤية، وصاحب المبادرة الذي يخدم الناس، كل أولئك يساهمون في صناعة التاريخ بقدر لا يقل عن مساهمة كثير من أصحاب المواقع الرسمية.
ولذلك فإن السياسة بمعناها الحضاري لا تنفصل عن الأخلاق، ولا عن المعرفة، ولا عن المسؤولية الاجتماعية. إنها حضور إيجابي في العالم، وإسهام واع في تحسين شروط الحياة الإنسانية، ومشاركة في حمل الأمانة التي كُلف بها الإنسان في الأرض.
إن هذه الرؤية تجعل العمل السياسي في أفقه الأرحب فعلا إنسانيا وأخلاقيا وحضاريا في آن واحد. فهو لا يقتصر على تدبير السلطة، بل يمتد إلى بناء المعرفة، وترسيخ العدالة، وتقوية الروابط الاجتماعية، وخدمة الصالح العام، وإيجاد الشروط التي تسمح للإنسان بأن يحقق كرامته ورسالة وجوده.
ومن هنا فإن الإنسان الفاعل لا يقيس نجاحه بعدد المناصب التي بلغها، ولا بعدد الخصومات التي انتصر فيها، بل بما أضافه إلى مجتمعه من خير، وما تركه من أثر، وما أسهم به في بناء الإنسان والعمران. لأنه يدرك أن الحضارات لا تُبنى بالضجيج، وإنما تُبنى بالأعمال المتراكمة، وأن التاريخ لا تصنعه اللحظات العابرة، وإنما تصنعه الجهود التي تتصل عبر الأجيال.
وخلاصة القول إن العمل السياسي ليس صندوقا انتخابيا يُفتح في موسم ثم يُغلق، ولا منصبا يُنال ثم يُفقد، ولا معركة تنتهي بانتهاء جولتها، وإنما هو في جوهره مشاركة في صناعة الحياة العامة، وإسهام في بناء الإنسان الذي يبني المجتمع، والمجتمع الذي يقيم الدولة، والدولة التي تحرس العمران.
والفاعلية الحقيقية لا تقاس بحجم الضجيج السياسي، ولا بكثرة الحضور في ساحات الجدل، وإنما بما يتركه الإنسان من أثر في بناء الوعي، وتوسيع دوائر الحرية، وترسيخ القيم، وخدمة الصالح العام. فهناك يبدأ البناء الحقيقي، وهناك تتجلى السياسة في أسمى معانيها.
ولعل أبلغ ما يمكن أن تختم به هذه الرحلة الفكرية قول الله تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج: 41]. فالتمكين في المنظور القرآني ليس غاية مستقلة، بل وسيلة للإصلاح وخدمة الإنسان وتحقيق الخير العام.
وعند هذا المقام يلتقي الفكر بالفعل، وتلتقي الحرية بالمسؤولية، ويلتقي الواجب الشرعي بالواجب الحضاري. فلا يعود السؤال: هل شاركت في الانتخابات أم لم تشارك؟ بل يصبح السؤال الأعمق والأبقى: ماذا أضفت إلى عالمك؟ وما الأثر الذي تركته وراءك؟ وما نصيبك من حمل أعباء الإصلاح والعمران؟
فالمناصب إلى زوال، والضجيج إلى خفوت، والخصومات إلى انقضاء، أما ما يُغرس في العقول من علم، وفي النفوس من قيم، وفي المجتمعات من مؤسسات، فهو الباقي بعد ذهاب أصحابه، وهو الشاهد الصامت على أنهم مروا من هنا، ولم يمروا عبثا.
[2] ابن القيم، علام الموقعين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1991م، ص248.
[3] الشاطبي، الموافقات.
[4] مالك بن نبي، شروط النهضة.
[5] حنة أرندت، الوضع البشري، ترجمة: هادية العرقي، 2015 م ص 199.
[6] بول ريكور، فلسفة الإرادة، الإنسان الخطاء، ترجمة: عدنان نجيب الدين، المركز الثقافي العربي، 2008م، ص 244.
[7] المرجع السابق، نفس الصفحة.
[8] Pierre Bourdieu, Forms of Capital.