العربية في خطاب عاشق لغة القرآن

Cover Image for العربية في خطاب عاشق لغة القرآن
نشر بتاريخ

الاحتفاء بلغة القرآن

لاحظ أستاذ الدراسات اللغوية بجامعة قطر، بحقّ، أن اللغة العربية أو “اللغة القرآنية” تحتل “منزلة متميزة في المعمار المعرفي لكتابات” عبد السلام ياسين، وأن “حضورها وسريانها في شرايين مؤلفاته تنظيراً وتطبيقاً، أمر ملحوظ لا تخطئه العين، فقد كان على وعي عميق بأهمية اللغة العربية، وتأثيرها في فهم الدين وإدراك أسرار العبارة القرآنية، وتوحيد الأمة على كلمة سواء”، وأنه “قد نحت قائمة من المصطلحات والعبارات، وطبعها بطابعه الخاص، إلى الحد الذي يمكن فيه الحديث عن معجم خاص باستعمالات الشيخ اللغوية، وخاصة في حقل السياسة الشرعية والروحانيات”  1 .

وبالفعل، فإن الإمام المجدد، رحمه الله، أفرد منذ زمن مبكّر من تاريخه التأليفي 2 ، وبالضبط في الفصل السابع من ثاني مؤلفاته -الإسلام غداً: العمل الإسلامي وحركية المنهاج في زمن الفتنة- 3 فقرة كاملة من إحدى عشرة صفحة تحت عنوان: «لغة القرآن» 4 ، وعاد بعد عشرين سنة ليخصص فقرة من صفحتين، وحديثاً مستفيضاً، لموضوع «لغة القرآن» في كتاب “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” 5 . وفي مجموع كتاباته، لا يتوقف خطابه عن تكرار التنويه باللغة العربية، والاحتفال بلغة القرآن؛ حتى إنه يكاد لا يخلو مؤلف من مؤلفاته من التنويه بالصنع الإلهي الذي مشج اللغة العربية وأدغمها في القرآن إدغاماً وشيجاً جعل منها جزء ماهية الوحي والدين، ومن التذكير بمناط تأهيلها لتكون وعاء كلام الخالق سبحانه ورسالته، ومن التنبيه على كفاءاتها المتجددة المفتوحة على أفق الريادة الحضارية.

العربية والقضايا المصيرية

وناهيك عن الحضور المكثَّف الطاغي للعربية، من جهة كونها لغةَ القرآن، في هذا الخطاب، فإن فيه تعويلاً استراتيجياً فريداً عليها، سواء في معالجة قضايا العصر المصيرية الكبرى، أو في نقد حاضر الحركة الإسلامية ومسارها، أو في التنظير لمستقبلها، أو في رسم مسار تغيير حاضر الأمة الإسلامية، أو في التعاطي مع المذاهب الفكرية والفلسفية الحديثة والمعاصرة.

ومن الإشكاليات التي للعربية، أو للغة القرآن، دور حاسم في الإجابة عن قضاياها: علاقة اللغة بالقومية، والموقفُ من التعدد اللغوي، والمراهنة على اللغة باعتبارها رافعة البنيان الحضاري، وقدرتُها على استيعاب العلوم وتوطينها، ووظيفتُها المركزية في شأن استعادة وحدة الأمة الإسلامية…

وقد أفادتنا الدراسة الموسَّعة للغة القرآن في خطاب عبد السلام ياسين، في غير هذا الحيّز المقالي الضيق، في التحقّق من عمق أصالة خطاب عبد السلام ياسين وخاصيته التجديدية في آن معاً، من حيث ارتباطه بلغة القرآن في دلالاتها الإيمانية المرسِّخة لتجلي الرحمة الإلهية، وأبعادها الإنسانية العاصمة من الردة عن الأكرمية ارتماءً في مهواة مادية لم تَنِ آلتُها تهدر آدميةَ الإنسان منذ عصر الأنوار والحداثة.

وأول ما يلفت انتباه دارس العربية في خطاب عبد السلام ياسين، هذا العاشقِ الولِهِ بلغة القرآن باقتدارٍ تنظيريٍّ واستحقاقٍ تأسيسيّ، هو تقديمُه مطلبَ اللغة على سائر المطالب الحيوية المصيرية في لائحة الأسبقيات وسلّم الأولويات، عند التخطيط أصالةً، والتنفيذِ تبَعاً ولزوماً، لأفق نهوض الأمة الإسلامية من كبوتها. وعليه، فإن مطلب اللغة في خطاب عاشق العربية، تسْبق، سْبقَ الأساس في البناء، مطالبَ التغيير المعاصر المنشود.

لم تعُد اللغة، في تصور عبد السلام ياسين، فقط تلك اللغةَ المرتبطةَ “ارتباطاً عضوياً بالفكر، والشعور، ومظاهر الحياة المادية، وبواطن الحياة الروحية، وبالسلوك، والأخلاق، وبالعلوم، وبالعدل، والتنمية، ونظام الحكم”  6 ، بل صارت أكبرَ وظيفةً وأشد فاعليةً؛ صارت “أُمَّ المطالب والرغائب”  7 ، و”مقوِّمَ المقومات” (ص 86)، و”مؤسَّسةً سياسية كبرى” (ص 264)، والسلاح الأهمَّ “في مُعْتَرَك القضايا المصيرية الكبرى في العالم” (ص 265-266)، و”أساسَ الصرح” (ص 110)، و”أُسَّ البناء كله” (ص 164).

العربية والاصطفاء الإلهي

لكن عبد السلام ياسين، إذْ يعلن احتفاله واغتباطه واعتزازه بالعربية، ويُشهر ولعَه بها، ويجهر بمعاداة “من اتهمها بالعقم”، ويُثْبت لها فضلاً وسموَّ قدْر و”مؤهلات فريدةً بين اللغات”  8 أهّلتها للاصطفاء الإلهي، ويقرّ أنها “حملت الوحي وأعطته خصائصها البلاغية، ومن ثم ارتفعت إلى الخلود، فألفاظها ومبانيها مراكب لأسراره ومعانيه”  9 ، وأن “في اللسان العربي لثروات، وأن له لإمكانات عزّ أن توجد في لسان غيره”  10 ، فإنه ينصّ في الآن ذاته على أن “الكنْز الْمُودَع في اللغة” إنما هو “كتاب الله وسنة رسوله”  11 ، وأنها ما حازت الشرف والكمال إلا “بحمل القرآن وصحبته”  12 . إن “اللغة العربية الشريفة” إنما هي “لغة الإسلام، لغة القرآن”  13 ، هذا هو سر عظمتها؛ “لغة عظيمة هي لغة القرآن الكاملة الواصلة بين حقائق الأرض ومعاني السماء، المضيئة بما هي وحي طريق الدنيا إلى الآخرة، الهادية بما هي هدى إلى الصراط المستقيم”  14 . و”لا يصلح لتوضيح الجادة البيضاء إلا لغة القرآن”  15 ، “الحاملة لدعوة الإيمان”  16 ، باعتبارها “اللغة الوحيدة القادرة على حمل رسالة الله إلى الإنسان”  17 .

لم يصر “اللسان العربي المبين” لساناً شريفاً إلا “باختيار الله له حاملاً لخطابه”  18 . هكذا يتحدث الإمام المجدد رحمه الله عن “العربيَّة المشرَّفَة التي أنزل بها القرآن”  19 . ما حازت هذا الشرف إلا لكونها وعاء للخطاب الإلهي من وجه، فقد “شرفها الله عز وجل أن اختارها وعاء لكلامه العزيز”  20 ، ولكونها وسيلة بيان مراده سبحانه من وجه ثان، فـ”هي مشرفة من قبل الحق سبحانه إذ هي البيان والتبيين”  21 .

“لغة العرب” التي كانت، “قبل الإسلام، لغةَ خطابة وشعر” وعاطفة رقيقة وفخر وعصبية وأمجاد، لم تكتسب «قداسة»، إلا بعد أن “تبلورت في البيان القرآني المعجز”  22 ، فما عزُّها إلا “من عز الخطاب الإلهي”  23 . “هو سبحانه المتكلم بالقرآن، وِعاءُ كلامه القدسيِّ اللفظُ العربي، والتركيبُ العربي، والبلاغةُ العربية. دخل اللفظ والبلاغة والتركيبُ في نطاق المقَدَّسِ ما دام اللفظُ لفظَ القرآن، والتركيب آيات القرآن، والبلاغةُ بيانَ القرآن”  24 .

“بصمات” الأسلوب القرآني

لقد انصبغ أسلوب عبد السلام ياسين، بفضل عشقه اللامتناهي لغة القرآن، بخصائص البلاغة العربية كما رقّاها الاستعمال القرآني الكامل. حتى إن الباحث ليفاجَأُ بقدرته الفائقة على “محاكاة” التحويل القرآني البديع للكلمة من استعمالها العربي الأصلي المحدَّد المحدود إلى مفردة قرآنية متفتحة المسامّ على استيعاب لا محدود ولا متناه لآفاق إنسانية مستجدة باستمرار.

ومن أمثلة هذه الْمَواطن التي وظّف فيها خطابُ عبد السلام ياسين هذا الانفتاح الدلالي المدهشَ للمفردة القرآنية:

أ- توسيعه لمدلول قوله تعالى: فلا اقتحم العقبة (البلد 11)، واستخلاصه من “العبارة المقتبسة من سورة البلد” «رأسَ المفاهيم» التي ابتكرها. و”أوّلُ الغيث” في هذا التوسيع هو قوله إن “العبارة حبلى بكثير من العلم”. ويستمر التوسيع الدلالي في مثل قوله: “فها هي الألفاظ تعطينا دلالة على أن الاقتحام دخول شجاع في شدائد، على أنه منابذة للخوف، بل هجوم على ما يخيف الجبناء، وعلى أن الطريق صاعدة لكن في وعورة. بعبارة أخرى فإن العبارة تصور لنا الخصال النفسية القلبية العقلية عند المدعوين للاقتحام كما تصور طبيعة المسلك الموضوعية”  25 .

يُغْني الإمام المجدد رحمه الله مدلول كلمتيْ الاقتحام والعقبة اللذيْن ظلاّ في تاريخنا مقصوريْن على حكم فقهي معيَّن، ويرقّي «العبارة المفتاح» هذه إلى معنى هو بالمحرك التاريخي عند الفلاسفة أشبه، إذا أخذنا بعين الاعتبار تركيزه على “عنصر الحركة والمغالبة الإرادية للواقع”  26 ، واستحضرْنا استمرار سيرورة هذا الاقتحام الذي “ليس عملية واحدة تنتهي ويبلغ مداها، إنما هي عملية مسترسلة دائمة”  27 ، فيصبح الإسلام “حركة لاقتحام العقبة”، ويكُون هو المعرفةَ الشاملة، و”المحرك”، و”القدرة التنفيذية في حركة الانبعاث والحياة، وفي مسار العبد من دنياه التي فيها معاشه إلى آخرته التي فيها معاده”  28 .

قال رحمه الله مسوغاً هذا التجلي الجديد للمفردة القرآنية الزائد على سياق النص: “ذاك ما تعطيه الألفاظ، وهو جدير بكل اعتبار لأن القرآن الكريم أنزل بلسان عربي مبين. أما ما يعطيه النص من معاني الاقتحام ومعاني العقبة فهو في سياق الآيات”  29 .

ب- توسيعه لمدلول التبرج في قوله تعالى: ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى (الأحزاب، 33). فإذا كان “تبرجت المرأة معناه في أصل الدلالة اللغوية: خرجت من برجها)، وغَلَب اصطلاحُ المفسرين وتخصيصُ القرآن للّفظة فانصرفت الدلالة إلى إظهار المرأة مفاتن جسمها وزينتها”، فإن عبد السلام ياسين لا يجد من حرج، خاصةً وأن “القرآن أنزله الله تعالى بلسان عربي مبين”، في الرجوع “إلى الجذر اللغوي لنعمق فهم التبرج”. وهكذا يصل الأستاذ، بعد سؤاله عن ماهية “البرج الذي خصصه القرآن للمسلمة”، والذي “إن خرجت منه دخلت في حكم الجاهلية، ووصفت بأنها متبرجة”، و”مشارِكة في نشر الجاهلية، ومساهِمةٌ في الحياة الجاهلية”، إلى أنّ “التبرج الكلي هو خروج المرأة من برجها الإسلامي مظهراً ووظيفة وأخلاقاً وديناً. هو ميلها عن الإسلام وخيانتها لمهمتها الحربية القتالية في صد الجاهلية والدفاع عن الإسلام وإرساء ركائزه وتشييد بنيانه”  30 .

بهذا التفجير الدلالي لينبوع الكلمة، يتدفق من اللفظة طرح ثرّار مغاير للخطاب الإسلامي المألوف، فتصبح «المومنات» مكلفات شرعاً وضرورةً تاريخيةً بـأن يشاركن المومنين في الجهاد لإقامة دولة الإسلام ووحدة المسلمين)، ذلك أن برجهن الدفاعي) 31 الذي خصصه القرآن وجسدته السنة للمسلمة، ليس سجناً وخنقاً وجدراناً) (ص 143) وخِدْراً للانعزال)، إنما هو موقع من مواقع الدفاع عن العقيدة لكيلا يطغى حكم الجاهلية، وعن مقومات الوَلاية بين المومنين لكيلا تغتالها حمية الجاهلية وعصبيتها وقومياتها المفرقة) (ص 143).

ج- توسيعه لمدلول الحفظ في قوله تعالى: فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله (النساء، 34). لقد أوحت كلمتا حافظة للغيب) لعبد السلام ياسين أن هناك ما يضيع إن لم تحفظه)، وأن هناك غيباً وحضوراً)، لهذا وضع للفقرة المخصصة لهذا الموضوع في كتاب “تنوير المؤمنات” عنواناً جامعاً إشارةً للمفهومين الأساسيين في المسألة)»، هو: حضرة الحافظية) (ص 88). وطفق الأستاذ يوسع دلالة الكلمتين في سبع صفحات، وقف خلالها عند كلمات قرآنية هي المفتاح والدليل إلى توزيع المهام وتكاملها وشمولها) (ص 89) في الحياة الزوجية الأسرية، موسِّعاً مجال الحافظية من الحيز الفقهي الضيق الذي يقصُره على حفظ حقوق الزوج)، ليشمل كل حقوق الله المكلفة بها الزوج).

حتى إذا أوشك الأستاذ على إيراد الحديث النبوي الشريف ذي الصلة، المختوم بقوله صلى الله عليه وسلم: “وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالِك”، قال مسوغاً هذا التوسيع الدلالي: نأخذ من حديث نبوي شريف إشارة الانطلاق. يقف المفسر والفقيه والمحدث عند نص الحديث ودلالته المباشرة. ونتخذه نحن مفتاحاً لفهم أشمل) (ص 90)، ثم عرض حافظية المرأة على مقاصد الشريعة قائلاً: وها هي المرأة دخلت على مقاصد الشريعة العليا من باب واسع) (ص91).

وبعد برهة منفتحة على لمحات ذات صلة من لمع «فقيه المقاصد الإمام الشاطبي» في شأن الضروريات الخمس والحاجيات ومقاصد الشريعة التحسينية، أبى ياسين إلا أن يضاعف من إثراء مفهوم الحافظية بما كان من الطبيعي أن يقصُر دونه عصرُ الإمام الشاطبي، فنصير في خطاب ياسين، مدعوين للالتفات إلى همومنا الحالية والمستقبلية، وحاجةِ المسلمين إلى اجتهاد يُشرك الصالحات القانتات في الجهاد العام للأمة) (ص 93).

د- توسيعه لمدلول “حمية الجاهلية”، وهي السمة الرابعة من سمات الجاهلية) 32 كما يصفها القرآن الكريم) (ص 142). قال في توسيعها وتعميمها: نفهمها واسعة بما وسع الله من البيان القرآني العربي المبين عصبية حزبية قومية ثقافية عنادية تجعل المسلم السياسي والمسلمة السياسية يناضلان ضد دين يزعمان أنهما جزء منه. نفهمها عصبية واسعة لا تُضارُّ ولا تزاحم الحمية القبلية. قبائل عرقية في الجاهلية الأولى، عشائرية لا تزال في عصرنا، قومية حزبية أثناء ذلك وبعده) (ص 146).

ومن الشواهد التي تعْرِض للباحث في مؤلفات عاشق لغة القرآن، يتاح الوقوف للمتأمل على نماذج من هذا التوسيع الدلالي للمفردة التي نحن بصددها. قال مثلاً: “حمية الجـاهلية” هي روح المعبود القومي. هي نقيصة في الدين وفتنة عظيمـة لأنها تنقُـض أساس وحدة الملة) 33 . وقال: الحمية الجاهلية) هي التي تحرك اليوم جنون العنف الحديث) 34 . وقال: “حمية الجاهلية” قبل الآن كانت تُتصور عصبية قبلية، أو تكتلاً قومياً، وهي منذ ماركس في تَطور لتصبح لها أبعاد عالمية شمولية في صيغة الصراع الطبقي) 35 .

ه- توسيعه مدلول لفظ “الأعراب” المكرَّر في القرآن الكريم عشر مرات، ستٌّ منها في سورة التوبة وحدها، واثنتان في الفتح، وواحدة في الأحزاب، ومثلها في الحجرات.

الأعراب، في خطاب عبد السلام ياسين، مفهوم قرآني أساسي لتصنيف المجتمع الإسلامي) 36 ، والأعرابية صفة للأعراب، وللكلمة مدلول لغوي، فالأعراب لغة هم العرب البدو، كما أن للكلمة معنى إسلامياً) 37 ومدلولاً قرآنياً تبين معانيه سورة التوبة) 38 . وليس الأعرابيُّ بهذا المصطلح وفي هذا التصنيف من سكن الخيمة ورعى الجمال، لكن الأعرابيَّ هو كل شخص انطبقت عليه أوصاف الأعرابية كما بينتها سورة التوبة وغيرها) 39 .

ظل الأستاذ يعتمد التصنيف القرآنيَّ للمسلمين إلى مهاجرين وأنصارٍ هم نواةُ أهل الإيمان والإحسان، ثم دائرة الأعراب وفيهم ما شاء الله من المسلمين المستورين والمنافقين والقليلي الفقه في الدين) 40 ، إلى أواخر كتاباته، لأسباب ثلاثة:

أ- لاعتقاده أن التصنيف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان داخل الجماعة كما يلي: مهاجرون -أنصار- أعراب. فكانت “جماعة المسلمين” المسؤولة المنزل عليها القرآن بالأمر والنهي، وطلب التنفيذ، وتحميل المسؤولية، هم المهاجرون والأنصار. يسميهم القرآن باسم واحد حين ينوه بهم: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾. أما الأعراب فهم في حاشية الأمة وأطرافها مسؤول عنهم لا مسؤولون) 41 .

ب- لاعتقاده أن معاني القرآن ينبغي أن تعود هي المعيار لتحليل الأنفس والآفاق كما كانت عند سلفنا الصالح قبل أن تغزونا الفلسفات) 42 .

ج- لاعتقاده أن كل مجتمع إسلامي قائم لا بد أن تكون في هوامشه أعرابية قاعدية على أصناف ما وصف الله عز وجل من صفات أعراب العهد النبوي) 43 ، وأن الأعرابية في الإسلام تبقى صفةً بعد انقراض حضارة البدو رِعاء الإبل) 44 .

التعلق بـ”معجم القرآن”

وإضافة إلى هذه الأمثلة التي سقناها نماذجَ لاستثمار عبد السلام ياسين للتوسيع الدلالي للمفردة القرآنية، نورد أخرى تتعلق بتوظيفه المتكرر لمعجم الراغب الأصفهاني في الاتجاه ذاته. وبالمناسبة، فإن معجم مفردات ألفاظ القرآن)، هذا السفر الجامعَ ما بين اللفظ اللغوي شكلاً، والمعنى القرآني محتوىً، في قاسم مشترك ركز فيه المؤلف على دراسة المفردات القرآنية دراسة معجمية رائدة) 45 ، يكاد يكون معجمَ الأستاذ الوحيد، ومصدره اللغويَّ اليتيم، سواء في ذلك عند تصريحه -وهو الأغلب- باسم الراغب 46 الذي هو إمام هذا الفن) 47 ، أو عند تلميحه إليه بقوله: قال أهل اللغة)، أو قال اللغوي)، أو قال علماء اللغة)، إلا في ما ندر جدّاً.

بل إن الأستاذ، في مطلع القرن الخامس عشر الهجري، تاريخ تأليفه المنهاج النبوي تربية وتنظيماً وزحفاً)، حين أرشد الإسلاميين في هذا الكتاب إلى أسماء كتب لتكون مرجعاً ودليلاً عاماً) 48 في مجالات متعددة، لم يوص، في «اللغة العربية» إلا بـ“مفردات ألفاظ القرآن” للراغب الأصفهاني) 49 . وبهذا أوصى الشباب في المجلس الثاني من مجالس المنهاج النبوي المنعقد يوم الجمعة العشرين من محرم الحرام 1401) 50 ، قال: “الألفاظ القرآنية” هو كتاب أساسي لكم معشر الشباب أن تقتنوه وتعتمدوه في فهم اللغة العربية لغة القرآن، لأنه بدون فهم اللغة لا تفقهون الكتاب الذي أنزل بلسان عربي مبين، والإبانة هي البيان وهي التوضيح وهي الإدراك الصافي الناصع) 51 .

وناهيك عمّا يرومه ياسين مِنْ وضْع الكلمات القرآنية في أوضاعها اللغوية) 52 ، فإن في استغنائه بهذا المصدر المعجمي، الذي تفرّد من بين سائر المعاجم بالاعتناء الحصري بما ورد في القرآن الكريم من مواد لغوية، من “التكريس” القرآني للغة العربية ما لا يخفى. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، يبدو الأستاذ منسجماً غايةً مع استماتته وصلابته في المنافحة “الشّرسة” عن لغة القرآن، بما هي لغة القرآن، وليس عن لغة الضاد ولا عن قومية ناطقة بلغة الضاد لا بلغة القرآن) 53 ؛ فليست الألفاظ العربية من كلام الله حتى تكون في التركيب القرآني) 54 .

رحم الله الإمام رحمة واسعة لإحيائه شغف الألسنة بالعربية، ولتجديده عشق الأرواح للغة القرآن.


[1] بلحبيب، رشيد لغة القرآن الكريم في كتابات الشيخ ياسين: المنزلة والوظائف، في: كتاب أعمال المؤتمر العلمي الدولي الأول في موضوع: مركزية القرآن الكريم في نظرية المنهاج النبوي عند الأستاذ عبد السلام ياسين، استانبول 17-18 محرم 1434ه / 1-2 دجنبر 2012م، تقديم: إدريس مقبول، تنسيق علمي وإشراف: محمد رفيع، عبد العظيم صغيري، عبد الصمد الرضى، بدون طبعة ولا تاريخ، ج2، ص 837-838.\
[2] باكورة تأليف عبد السلام ياسين كانت سنة 1392ه / 1972م، بعنوان: الإسلام بين الدعوة والدولة، ثم أتبعه سنة 1393ه / 1973 بكتاب: الإسلام غداً: العمل الإسلامي وحركية المنهاج في زمن الفتنة.\
[3] ياسين، عبد السلام، الإسلام غداً: العمل الإسلامي وحركية المنهاج في زمن الفتنة، الدار البيضاء، مطابع النجاح، 1393ه / 1973م.\
[4] المصدر نفسه، ص 696.\
[5] ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، الدار البيضاء، مطبوعات الأفق، ط1، 1994م، ص 130.\
[6] ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، الدار البيضاء، مطبوعات الأفق، ط1، 1997م، ص 133.\
[7] المصدر نفسه، ص 109.\
[8] المصدر نفسه، ص 232.\
[9] ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، المحمدية، مطبعة فضالة، ط1، 1989م، ص 167.\
[10] ياسين، عبد السلام، الإسلام غداً: العمل الإسلامي وحركية المنهاج في زمن الفتنة، ص 700-701.\
[11] ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ص 87.\
[12] ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، ص 22.\
[13] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، الدار البيضاء، مطبوعات الأفق، ط1، 1996م، 2/79.\
[14] ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، الدار البيضاء، مطبوعات الأفق، ط1، 1994م، ص 159-160.\
[15] ياسين، عبد السلام، القرآن والنبوة، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 2010م، ص 90.\
[16] ياسين، عبد السلام، رسالة إلى الطالب والطالبة: إلى كل مسلم ومسلمة، الدار البيضاء، مطبوعات الأفق، 1995م، ص 6.\
[17] ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، وجدة، مطبوعات الهلال، ط1، 2000م، ص 7.\
[18] ياسين، عبد السلام، الإسلام غداً: العمل الإسلامي وحركية المنهاج في زمن الفتنة، ص 696.\
[19] ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ص 88.\
[20] ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 2009م، ص 185.\
[21] ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 157-158.\
[22] ياسين، عبد السلام، الإسلام غداً: العمل الإسلامي وحركية المنهاج في زمن الفتنة، ص 702.\
[23] المصدر نفسه، ص 705.\
[24] ياسين، عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ص 97.\
[25] ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، بدون دار الطبع، ط1، 1989م، ص 54، والتشديد منا.\
[26] المصدر نفسه، ص 17، والتشديد منا.\
[27] ياسين، عبد السلام، الإسلام غداً: العمل الإسلامي وحركية المنهاج في زمن الفتنة، ص 234.\
[28] ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، ص 20، والتشديد منا.\
[29] المصدر نفسه، ص 55، والتشديد منا.\
[30] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، 1/143، والتشديد منا.\
[31] المصدر نفسه، 1/146، والتشديد منا.\
[32] المصدر والصفحة نفسهما.\
[33] ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، الدار البيضاء، مطابع أفريقيا الشرق، ط1، 2000م، ص 492.\
[34] ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص 221.\
[35] ياسين، عبد السلام، سنّة الله، الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، 2005م، ص 120.\
[36] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيماً وزحفاً، ص 374-375.\
[37] المصدر نفسه، ص 39.\
[38] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيماً وزحفاً، بلا دار الطبع، ط2، 1410ه / 1989م، ص 56.\
[39] ياسين، عبد السلام، الإحسان، الدار البيضاء، مطبوعات الأفق، ط2، 1998م، 2/509.\
[40] ياسين، عبد السلام، الإحسان، 2/594.\
[41] المصدر نفسه، ص 416.\
[42] ياسين، عبد السلام، الإحسان، 2/594.\
[43] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيماً وزحفاً، ص 374-375.\
[44] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، 2/45.\
[45] الأصفهاني، الراغب، (ت. 502ﻫ)، معجم مفردات ألفاظ القرآن، ص ز من “مقدمة المحقق”.\
[46] ذكره باسمه تسعاً وعشرين مرة عدّاً، في أربعة عشر كتاباً. وقد عدلنا عن سرد لائحة الصفحات ومصادرها حذر الحشو.\
[47] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، 1/148.\
[48] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيماً وزحفاً، ص 46.\
[49] المصدر نفسه، ص 48.\
[50] ياسين، عبد السلام، الفطرة وعلاج القلوب، سلسلة دروس المنهاج النبوي 2، مطبوعات الأفق، ط1، 1998م، ص 5.\
[51] المصدر نفسه، ص 27.\
[52] ياسين، عبد السلام، في الاقتصاد: البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، الدار البيضاء، مطبوعات الأفق، ط1، 1995م، ص 190.\
[53] ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، ص 9.\
[54] المصدر نفسه، ص 11.\