الطهور شطر الإيمان

Cover Image for الطهور شطر الإيمان
نشر بتاريخ
الجماعة نت
الجماعة نت

بقلم: طيبة إدريسي القيطوني

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [1] (المائدة، 6).

وقال عز من قائل: لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (التوبة، 108). 

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: “إِذَا تَوَضَّأَ العَبْدُ المُسْلِمُ، أَوِ المُؤْمِنُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِن وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بعَيْنَيْهِ مع المَاءِ، أَوْ مع آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِن يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مع المَاءِ، أَوْ مع آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مع المَاءِ، أَوْ مع آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، حتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوب” [2].

عن أمنا عائشة رضي الله عنها، أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كانَ إذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كما يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أصَابِعَهُ في المَاءِ، فيُخَلِّلُ بهَا أُصُولَ شَعَرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ علَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ بيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ المَاءَ علَى جِلْدِهِ كُلِّهِ [3].

تعريف الطهارة

الطَّهارة لُغةً: النَّزاهةُ والنَّظافةُ مِنَ الأدناسِ والأوساخ [4].

الطَّهارةُ اصطلاحًا: رفْعُ الحدَثِ وما في معناه، وزوالُ الخَبَث ((مواهب الجليل)) للحطَّاب (1/60، 61)، ((المجموع)) للنووي (1/79).

الطهارة شرعًا: رفع الحدث، وإزالة النجاسة.

أنواع الطهارة

1- طهارة معنوية

وهي طهارة القلب من الشرك والمعاصي وكل ما ران عليه، ولا يمكن أن تتحقق الطهارة مع وجود نجس الشرك في القلب، كما قال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة: 28].

عن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ، قال رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم: “إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ” [5].

2- طهارة حسية

وهي طهارة البدن من الأحداث والنجاسات.

وتنقسم إلى قسمين:

أ- الطهارة من الحدث

والحدث: هو ما يحدث للبدن فيمنع المسلم من العبادات التي يشترط لها الطهارة؛ كالصلاة، والطواف بالبيت الحرام، وغير ذلك. وينقسم الحدث إلى قسمين: حدث أصغر، هو ما يُوجِب الوضوء كالبول، والغائط والمذي والودي وسائر نواقض الوضوء، وطهارته تكون بالوضوء. وحدث أكبر وهو ما يوجب الاغتسال كالجنابة والحيض والاحتلام، وغير ذلك، وطهارته تكون بالاغتسال، قال عز وجل: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا (المائدة: 6).

والطهارة عند تعذر الوضوء والغسل تكون بالتيمم؛ لقوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا (المائدة: 6).

ب- الطهارة من الخبث

وتكون بإزالة النجاسة من البدن، والثوب، والمكان.

وإزالة النجاسة واجبة؛ لقول الله عز وجل: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (المدَّثر: 4)، وقول النبيِّ -صلى الله عليه وسلم، فيما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه: “أَكْثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنَ الْبَوْلِ” [6].

وتتم الطهارة من الخبث بالغسل أو المسح أو النضح.

كيفية الطهارة

أولاً: طهارة الحدث

أ/ الوضوء

1. النية: ومحلها القلب، ولا يصح الوضوء بغيرها، ثم البسملة.

2. غسل الكفين ثلاث مرات.

3. المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة ثلاث مرات، وتجزئ واحدة كما سلف، وإن فصل بين المضمضة والاستنشاق فلا بأس.

والسنة المبالغة في الاستنشاق لمن لم يكن صائماً لحديث لقيط بن صبرة مرفوعاً: “وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً”.

4.  غسل الوجه: وحدُّه من منابت شعر الرأس إلى الذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً. ثلاث مرات، والواجب من ذلك مرة مستوعبة.

5-  غسل اليدين إلى المرفقين ثلاثاً من رؤوس الأصابع إلى المرفق. والمرفق داخل في الغسل. والواجب مرة واحدة، والأحب أن يبدأ باليمنى أولاً، وإن قدّم اليسرى صحّ وضوؤه بلا خلاف بين أهل العلم.

6-  مسح الرأس: يبدأ بمقدمه ويذهب بيديه إلى قفاه ثم يعود إلى ناصيته. واختلف أهل العلم في القدر المجزئ من الرأس، والصواب أنه واجب كله ولا يجزئ البعض إلا مع العمامة أو غطاء الرأس..

7- مسح الأذنين مرة واحدة.

8- غسل الرجلين إلى الكعبين: والكعبان داخلان في الغسل، ويجوز المسح على الملبوس على القدمين كالجوارب مثلا، بشروط:

أ / أن يلبسهما على طهارة.

ب/ أن يكون ذلك في الحدث الأصغر.

ج/ أن يكون يوماً وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر.

9. الترتيب: يجب الترتيب في الوضوء بين الواجبات، فيبدأ بالمضمضة والاستنشاق ثم الوجه ثم اليدين ثم الرأس ثم القدمين، ولا يضر عدم الترتيب بين اليد اليمنى واليد اليسرى، وكذا بين القدم اليمنى واليسرى، وإن كان الأفضل الترتيب.

10. الموالاة:  تجب الموالاة بين أعضاء الوضوء فلا يفصل بينها بعمل أجنبي عن الطهارة.

يستحب  في  الوضوء بالإضافة إلى ما سبق: السواك عنده، تخليل اللحية والأصابع، وإن كانت اللحية خفيفة وجب غسلها مع الوجه، وإن كان ما بين الأصابع لا يصله الماء وجب التخليل وإلا لم يجب.

إذا كان على أحد أعضاء الوضوء جبيرة أو نحوها يغسل غيرها ويمسح عليها إلى أن يستغنى عنها.

وبالنسبة لطلاء الأظافر يعتبر حائلًا يمنع وصول الماء للأظافر ولا يجزئ الوضوء مع وجوده، عكس الخضاب (الحناء)، فجائز.

ب/ الغسل

الغسل بفتح الغين وضمها لغتان، والفتح أفصح وأشهر عند أهل اللغة، والضم هو الذي يستعمله الفقهاء.

والغسل منه ما هو واجب بالاتفاق؛ كغسل الجنابة، والغسل من دم الحيض والنفاس والميت. ومنه ما هو مستحب كغسل العيد والإحرام ونحو ذلك. ومنه ما فيه خلاف بين أهل العلم كغسل الجمعة.

موجبات الغسل

يجب الغسل بأحد الأمور التالية:

1. الجماع ولو من غير إنزال..

2. خروج المني ولو من غير جماع؛ كالاحتلام..

3. الحيض والنفاس.

دليله من السنة حديث عائشة الذي رواه البخاري ومسلم بألفاظ عديدة منها: “إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل” وفي لفظ “ومسّ الختان الختان فقد وجب الغسل أنزل أو لم ينزل”.

ودليل وجوب الغسل بخروج المني حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً: “إنما الماء من الماء” أخرجه مسلم. وحديث أم سلمة المتفق عليه “هل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: نعم إذا رأت الماء”.

وأجمع العلماء على وجوب الغسل بخروج المني في الجملة، وقيّده بعضهم بما إذا خرج بشهوة ودفق.

إذا احتلم المرء فلا يخلو حاله من ثلاث:

1- إما أن يرى في المنام أنه يجامع ثم يجد الماء إذا استيقظ، وهذا يجب عليه الغسل إجماعاً.

2- وإما أن يرى ذلك ولا يجد أثراً، فهذا لا غسل عليه.

3- وإما أن يجد أثراً من غير أن يرى رؤيا، وهذا يجب عليه الغسل.

صفة الغسل

للغسل صفتان: صفة إجزاء، وصفة كمال بشرط النية طبعا..

أما صفة الإجزاء: فتحصل بتعميم الجسد بالماء من غير ترتيب مع الدلك عند المالكية، وتحصل بها الطهارة الكاملة.

وأما صفة الكمال: فقد قال الشيخ عبدالرحمن السعدي في منهج السالكين: “وأمَّا صفةُ غسل النبيِّ صلى الله عليه وسلم من الجنابة، فكان يغسلُ فرجه أوَّلاً، ثُمَّ يتوضَّأُ وُضُوءًا كاملاً، ثُمَّ يحثي الماءَ على رأسه ثلاثًا، يرويه بذلك، ثم يفيض الماءَ على سائر جسده، ثُمَّ يغسلُ رجليه بمحلٍّ آخر، والفرضُ من هذا: غَسلُ جميع البدن، وما تحت الشُّعُور الخفيفة والكثيفة”.

كيفية إزالة النجاسة

لإزالة النجاسة في الإسلام أهمية بالغة، تنبع من أهمية الطهارة في قيام المرء بعدد من العبادات، والتي لا تصح بوجود نجاسة. وبالمثل، لتنوع النجاسات وتنوع الأمور المتنجسة، فلإزالة النجاسة أحكام مختلفة متنوعة، وذلك لتنوع العبادات واختلاف شروطها، مما يستدعي تفصيلاً:

المشهور هو أنَّ الماء وحده هو المطهر الذي يمكن باستخدامه إزالة النجاسة، وهذا ما ذهب إليه الأئمة الأربعة.

ودليلهم على ذلك حديث عن أسماء رضي الله عنها أنها قالت: “جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب، كيف تصنع؟ قال: “تحته ثم تقرصه بالماء وتنضحه وتصلي فيه” [7].

أما النجاسة اليسيرة التي يعفى عنها لقلتها أو حصول مشقة في غسلها، فلا يجب غسلها، وهذه النجاسة هي قدر الدرهم من الدم أو القيح أو الصديد.

قال المواق في “التاج والإكليل”: من رأى في صلاته دما يسيرا في ثوبه، دم حيض أو غيره، تمادى، ولو نزعه لم أر به بأسا، وإن كثر قطع ونزعه وابتدأ الفريضة بإقامة، وإن كان نافلة قطع ولا قضاء عليه… إلى أن قال: من المدونة: القيح والصديد عند مالك بمنزلة الدم. انتهى.

وعليه، فطريقة تطهير المتنجس الذي ثبتت نجاسته غسله بالماء الطهور حتى ينفصل الماء طهورا غير متغير بالنجاسة، ولا بد من زوال طعم النجاسة ولونها وريحها، إلا إذا عسر زوال اللون والريح، فيعفى عنهما للمشقة.

من أنواع النجاسات

الودي:

وهو ماء أبيض ثخين يخرج بعد البول وهو نجس من غير خلاف.

ويخرج في ثلاث حالات: عند الغضب والانفعال، وعند حمل شيء ثقيل، وعقب البول. تقول عائشة: ”وأما الودي فإنه يكون بعد البول فيغسل ذكره وأنثييه (الخصيتين) ويتوضأ ولا يغتسل” (رواه ابن المنذر).

المذي:
وهو ماء أبيض لزج يخرج عند التفكير في الجماع أو عند الملاعبة، وقد لا يشعر الإنسان بخروجه، ويكون من الرجل والمرأة إلا أنه من المرأة أكثر، وهو نجس باتفاق العلماء، إلا أنه إذا أصاب البدن وجب غسله وإذا أصاب الثوب اكتفي فيه بالرش بالماء، لأن هذه نجاسة يشق الاحتراز عنها، لكثرة ما يصيب ثياب الشاب العزب.

وهنا يجدر الإشارة إلى حكم إفرازات المهبل عند المرأة:  ما يخرج من المرأة عند الشهوة مذي، أما ما سوى ذلك مما يسميه الفقهاء (رطوبات الفرج)، ويطلق عليه حديثا (إفرازات المهبل)، والتي تخرج من فرج المرأة في غالب الأوقات وتزداد أثناء الحمل وعند بذل المجهود أو المشي الكثير، فهذه طاهرة لعدم الدليل على نجاستها، ومثل هذه الإفرازات لاشك أنها كانت تصيب النساء زمن الوحي، ولم يرد فيها شيء عن النبي، بالإضافة أن مخرجها غير مخرج البول النجس فدل على طهارتها.

المني:

والجمهور على طهارته، واستدلوا بما يلي:

– أنَّ الأصل في الأشياء الطَّهارة، فَمَن ادَّعى نجاسة شيء فَعَلَيْه الدَّليل.

– أن عائشة رضي الله عنها كانت تَفرُك اليابس من مَنِيِّ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وتَغْسِل الرَّطب منه، ولو كان نَجِساً ما اكتفت فيه بالفَرْكِ، فقد قال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ في دَمِ الحيض يُصيب الثَّوب، قال: «تَحُتُّه، ثمَّ تَقْرُصُه بالماء، ثمَّ تَنْضِحُه، ثمَّ تصلِّي فيه» فلا بُدَّ من الغَسْل بعد الحتِّ، ولو كان المنيُّ نجساً كان لا بُدَّ من غَسْله، ولم يُجْزِئ فَرْكُ يابِسِه كدَمِ الحيض.

– أن هذا الماء أصل عِبَاد الله المخلصين من النَّبيين، والصِّدِّيقين، والشُّهداء، والصَّالحين، وتأبى حكمة الله تعالى، أن يكون أصل هؤلاء البَررة نَجِساً، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: “كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يابسا، وأغسله إذا كان رطبا” (رواه الدار قطني).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن المني يصيب الثوب؟ فقال: “إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة” (رواه الدار قطني والحديث قد اختلف في رفعه ووقفه).

بول وروث ما يؤكل لحمه:

مذهب مالك وأحمد وبعض الحنفية وغيرهم أن بول وروث ما يؤكل لحمه ليس بنجس.

البول والبراز

نجاسة هذه الأشياء متفق عليها، إلا أنه يخفف في بول الصبي الذي لم يأكل الطعام فيكتفى في تطهيره بالرش لحديث أم قيس رضي الله عنها “أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم بابن لها لم يبلغ أن يأكل الطعام، وأن ابنها ذاك بال في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فنضحه على ثوبه ولم يغسله غسلا” (متفق عليه). والنضح: رش الماء.

دم الحيض والنفاس والاستحاضة:

دم الحيض نجس باتفاق العلماء، والأدلة على نجاسته كثيرة، وحكم دم النفاس ودم الاستحاضة كحكم دم الحيض، وكذا الدم الخارج من أحد السبيلين (القبل أو الدبر).

تأثير الطهارة على الجانب الروحي

من روائع الإسلام أنّه جعل الطهارة من الحدث والخبث فرضاً ليصل المسلم إلى طهارة الجوهر مع طهارة المظهر، ولذا يقول الغزالي: إنّ أهم الأمور تطهير السرائر إذ يبعد أن يكون المراد بقوله صلى الله عليه و سلم: “الطهور شطر الإيمان” عمارة الظاهر بالتنظيف بإفاضة الماء وإلقائه، وتخريب الباطن، وإبقائه مشحوناً بالأخباث والأقذار..”. وذكر أنّ للطهارة مراتب أربع هي: تطهير الظاهر عن الأحداث والأخباث، ثمّ تطهير الجوارح عن الجرائم والآثام، ثمّ تطهير القلب عن الأخلاق المذمومة والرذائل الممقوتة، ثمّ تطهير السر عما سوى الله تعالى وهي طهارة الأنبياء والصديقين.

ومن أجل هذه الطهارة الظاهرة والباطنة يستحق هؤلاء المتطهرون حب الله جلّ وعلا. يقول سبحانه: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (التوبة، 108)، وهذا الحب من الله تعالى لعبده يجلب للروح نقاء وشفافية تشرح الصدر وترضي النفس وتُسعد القلب.

كما أن الوضوء يعيد للنفس نقاءها من الذنوب والمعاصي التي يرتكبها كما جاء في حديث فضل الوضوء، روى البخاري ومسلم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا يتوضأ رجل مسلم فيحسن الوضوء فيصلي صلاة إلّا غُفر له ما بينه وبين الصلاة التي تليها”، بهذا يكون الوضوء سبباً في عودة الروح إلى صفائها مثلما يعود الثوب الأبيض الملوث إلى نقائه بعد غسله وتنظيفه.

فالطهارة من علامات الإيمان التي يعرف بها المؤمنون يوم القيامة، فلولاها لكان المؤمنون والكافرون في الهيئة يوم القيامة سواء، ولكن الغُسل والوضوء والطهارة والنقاء يبعث في الوجه نوراً، وفي اليدين والرجلين ضياءً يعرف به الصالحون من الكالحين، وفي ذلك يروي البخاري ومسلم أنّ النبي صلى الله عليه و سلم قال: “أنتم الغرُّ المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غرّته وتحجيله”، فإطالة الغرة في الوجه والتحجيل في اليدين والرجلين هما من العلامات المضيئة التي تشع النور يوم القيامة، وبهذا ينال شفاعة النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم القيامة.


[1] الصعيد: هو كل ما صعد على وجه الأرض من تراب وحجر ورمل وصخر.
[2] الراِوي: أبو هريرة، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الجزء أو الصفحة: 244، حكم المحدث: صحيح.
[3] صحيح البخاري، حديث رقم: 248.
[4] لسان العرب، لابن منظور (4/506).
[5] صحيح مسلم، حديث رقم: 371.
[6] الراوي: أبو هريرة صحيح ابن ماجه – الصفحة أو الرقم: 283 – خلاصة حكم المحدث: صحيح.
[7] صحيح البخاري، حديث رقم: 227.