تعتبر الطفولة مرحلة حاسمة في حياة الإنسان، إذ تشكل الأساس الذي تبنى عليه شخصيته وعقيدته وسلوكه الاجتماعي والأخلاقي. ومن هذا المنطلق، احتل موضوع الطفولة مكانة مركزية في الفكر المنهاجي لجماعة العدل والاحسان، حيث رأى الإمام المجدد رحمه الله أن إعداد الطفل المؤمن هو المدخل الأول لبناء الفرد الصالح، والجماعة الملتزمة، ثم الأمة القادرة على مواجهة تحديات العصر. ويتجلى هذا الاهتمام في رؤية شاملة تشمل أبعادا تربوية ومعرفية وخلقية وعلمية، تجعل من الطفولة مرحلة حيوية في مسار التغيير الشامل.
إن دراسة موضوع الطفولة في الفكر المنهاجي، تمثل محاولة لفهم كيفية تداخل التربية القرآنية النبوية مع بناء الإنسان في أبعاده الروحية والفكرية والأخلاقية، وكيف تتكامل المؤسسات التعليمية والاجتماعية في صياغة شخصية الطفل المؤمنة والمواطن الصالح. ومن هنا تبرز أهمية هذا الموضوع في تسليط الضوء على الطفولة كمرحلة أساسية في المشروع التربوي التجديدي، مع التأكيد على أن بناء الإنسان يبدأ من صغره ويمتد أثره إلى الأمة بأسرها.
أولا: الأسس المنهجية لاحتضان الطفولة
إن الطفولة هي المرحلة التي يتم فيها إرساء الأسس لمجمل حياة الإنسان، وهي فترة تتميز بحدوث تحولات سريعة في مجال النمو الجسدي والتطور العاطفي. لهذا وجب بناء شخصية الطفل على عدة أسس:
1. الأساس الفطري
يعد موضوع تنشئة الطفل على الفطرة السليمة من أهم القضايا التربوية في الإسلام، إذ تمثل الفطرة موطن الإيمان وغرس الثقة بالله منذ الميلاد. وقد أكدت النصوص القرآنية والحديثية على أن كل إنسان يولد على هذه الفطرة، وأن مسؤولية الأسرة والمجتمع تتمثل في رعاية هذه الفطرة وحمايتها لضمان تكوين شخصية متوازنة أخلاقيا وروحيا. وتستدعي هذه المسؤولية تبني استراتيجيات تربوية متكاملة تشمل:
التربية القرآنية: ومعناها تنشئة الطفل على القيم الإيمانية منذ الصغر، إذ تشكل السنوات الأولى من حياته الأساس النفسي والسلوكي لتبني المبادئ والقيم. ويشمل ذلك تعليم الطفل العقيدة الصحيحة، وغرس الولاء لله ورسوله ﷺ، وإدماجه في أنشطة تربوية وروحية تعزز ارتباطه بالمنهج القرآني.
الاقتداء بالمنهج النبوي: الذي يمثل الإطار العملي لتفعيل المبادئ الإيمانية وغرسها في نفوس الأطفال، إذ لا تكتمل التربية الإسلامية إلا بالربط بين الفطرة السليمة والمنهج النبوي الذي يوجه السلوك وينمي الأخلاق العملية، مما يضمن تكامل نموه الروحي والأخلاقي والاجتماعي والعقلي.
حوْط عملية إحياء الفطرة وحمايتها من المؤثرات السلبية التي قد تعرقل نمو قيم الطفل الإيمانية. وتشمل هذه الحماية دور الأسرة في اختيار البيئة المناسبة، ومراقبة وسائل الإعلام، وتنظيم علاقاته الاجتماعية، إلى جانب دور المجتمع في توفير برامج تربوية ومؤسسات داعمة، تهدف إلى تعزيز القيم الإيجابية.
2. الأساس الخلقي
يعتمد الأساس الخلقي على تنمية الفضائل والسلوكيات النبيلة لدى الطفل وفق مرجعية دينية متكاملة، بحيث يصبح السلوك الأخلاقي جزءا من شخصية الطفل ونمط حياته اليومي. ويشمل هذا الأساس عدة محاور مترابطة:
البرامج الدينية العملية: وهي منظومة من الأنشطة التعليمية والتربوية المصممة لغرس القيم الروحية والأخلاقية في نفس الطفل، من خلال تعليمه الشعائر الدينية المرتبطة بالعقيدة الإسلامية، مثل الصلاة، والصوم، والأذكار، بما يتجاوز مجرد المعرفة النظرية، ليصبح التطبيق العملي لهذه الشعائر وسيلة لتنمية الانضباط الذاتي.
المثال والقدوة: إذ يلعب المعلمون والمربون وأفراد الأسرة دور القدوة الحسنة، فيتعلم الطفل السلوكيات النبيلة بالاقتداء بالبالغين الذين يمثلون نموذجا عمليا للأخلاق والفضائل، ما يسهل تحويل القيم إلى سلوكيات قابلة للتطبيق في حياته اليومية.
الممارسة والتطبيق المستمر: حيث يكتسب الطفل الفضائل الأخلاقية من خلال الأنشطة اليومية المتكررة، مثل التعاون والمشاركة، حتى تتحول هذه الفضائل إلى عادات راسخة تثبت في شخصيته، وتصبح قاعدة أساسية للتصرفات الصحيحة في مختلف المواقف الحياتية.
3. الأساس المعرفي
يرتكز الأساس المعرفي على تنمية قدرات الطفل العقلية وتعزيز التفكير النقدي لديه، باعتباره عنصرا محوريا في تكوين الشخصية المتكاملة. ويشمل هذا الأساس عدة محاور أساسية:
تربية الحكم: التي تهدف إلى تعليم الطفل إدراك النظام والترابط في الكون، وفهم أن الحرية مقترنة بالمسؤولية والقوانين، مما يمكنه من إصدار أحكام صحيحة وواعية في حياته اليومية.
تربية الذاكرة: التي تتضمن تنظيم المعرفة وتثبيتها في الذاكرة من خلال أساليب الربط والتكرار والمراجعة، بحيث يصبح الطفل قادرا على استرجاع المعلومات وتوظيفها بشكل منطقي في التفكير وحل المشكلات.
تربية المخيلة: من خلال توجيه الخيال نحو البناء العلمي والفكري، دون الانغماس في الوهم أو الخرافة، مما يتيح للطفل تطوير قدراته الإبداعية مع الحفاظ على ربطها بالواقع والمعرفة الدقيقة.
4. الأساس العلمي
يركز الأساس العلمي على توظيف التعليم كوسيلة متكاملة لبناء شخصية الطفل، ويهدف إلى تكوين الفرد المتوازن القادر على التفكير الواعي والممارسة الصالحة. ويشمل ذلك:
القرآن الكريم: الذي يمثل محور عملية التعليم ومورد العلم وجامع العلوم، إذ يوفر للطفل مرجعية روحية ومعرفية متكاملة، تساعده على استيعاب المبادئ الدينية والأخلاقية، وفهم العلاقات بين القيم والواقع، وتوجيه سلوكه في الحياة اليومية.
اللغة العربية: التي تشكل وسيلة أساسية لتقريب الطفل من مصدر الوحي، بما يمكّنه من فهم النصوص القرآنية والحديثية بعمق، ويطور قدراته اللغوية والمعرفية، ويعزز ثقته في التعبير عن أفكاره وآرائه بطريقة سليمة ودقيقة.
التعليم المسجدي: الذي يهدف إلى استعادة دور المسجد كمحضن تربوي وروحي متكامل، حيث يجمع بين التعليم الديني، والأنشطة الأخلاقية، والتفاعل الاجتماعي، ويتيح للطفل ممارسة القيم الإسلامية في بيئة جماعية داعمة، مما يسهم في تكامل نموه الروحي والأخلاقي والمعرفي.
ثانيا: المحاضن المؤثرة في التربية
تتكامل أدوار المؤسسات المختلفة في تشكيل شخصية الطفل وتنمية قدراته الروحية، والأخلاقية، والمعرفية، بحيث يشكل كل محضن بيئة داعمة تساهم في بناء الإنسان المتوازن. وتشمل هذه المحاضن:
1. الأسرة والمحيط العائلي
تعد الأسرة والمحيط العائلي المحضن الأول للتربية، فهي البيئة الأساسية التي يتشكل فيها الطفل نفسيا واجتماعيا وروحيا منذ الولادة. ومن خلال التفاعل اليومي مع أفراد الأسرة -الوالدين، الأشقاء، والأقارب المباشرين- يتعلم الطفل قيم الحب والاحترام والانضباط، ويكتسب السلوكيات الأساسية التي تشكل قاعدة شخصيته.
2. المدرسة والأقران
تؤدي المدرسة دورا تكميليا للأسرة من خلال تقديم التعليم التربوي المنظم. فهي تسهم في توسيع آفاق الطفل المعرفية، وتعليمه الانضباط والمشاركة، وتعزيز مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات، ما يعزز قدرته على اتخاذ القرارات السليمة ويعده لمواجهة تحديات الحياة. ويشكل الأقران جزءا مهما من البيئة المدرسية، حيث يتعلم الطفل مهارات التفاعل الاجتماعي، والاحترام المتبادل، وحل النزاعات بالطرق السليمة.
3. المسجد والفضاءات الجمعوية
يستعيد المسجد والفضاءات الجمعوية دورهما كبيئة تربوية وروحية متكاملة، تربط الطفل بالقيم الإسلامية، وتتيح له ممارسة الفضائل والسلوكيات النبيلة في إطار جماعي. كما يساهمان في تعزيز الانتماء الديني والاجتماعي، وصقل مهارات التفاعل الجماعي، والانضباط، والقدرة على تطبيق القيم الأخلاقية عمليا، بما يكمل دور الأسرة والمدرسة في بناء شخصية الطفل المتوازنة.
4. الإعلام ووسائل التكنولوجيا
يمثل الإعلام ووسائل التكنولوجيا أداة مؤثرة في تشكيل وعي الطفل وسلوكياته، ويمكن توظيفها بشكل إيجابي عند الالتزام بالمعايير التربوية والإسلامية، مع ضرورة تجنب المؤثرات السلبية التي قد تشوه الفطرة أو القيم، ما يجعل الإعلام وسيلة مساندة للأسرة والمدرسة والمسجد في بناء شخصية الطفل المتزنة والمتكاملة.
وعليه، إن بناء الإنسان المؤهل لحمل الأمانة الإلهية يتطلب تربية شاملة تبدأ منذ الطفولة وفق مناهج قرآنية ونبوية، تجمع بين تنمية الفطرة، والمعرفة، والخلق، والعلم. ويشكل الطفل المؤمن حجر الأساس لبناء جماعة صالحة وأمة قوية قادرة على مواجهة التحديات وتحقيق التنمية الشاملة في ظل قيم إسلامية راسخة، ما يجعل الطفولة مرحلة مركزية في المشروع التجديدي للجماعة المباركة.
ومن هذا المنطلق، لا يقتصر تعليم الطفل على غرس القيم النظرية فحسب، بل يشمل “تدريب الأطفال، وتربية عقول الأطفال، يصلحها الحرمة والروحانية، ويصلحها المبنى الصحي، والمجال الحيوي للرياضة، والمشغل للتداريب العملية، ووسائل التعليم التي أصبح الحاسوب آلة مهمة من آلاتها” 1.