الشباب واستقبال رمضان

مقدمة
هلّ شعبان وما هي إلا أيام معدودات وينزل بنا ضيف كريم وزائر عزيز، إنه رمضان الخير، شهر له من الفضائل الكثير، ومن الرحمة ما يُسعد القلوب ويُطمئنها.
يقول الحق سبحانه شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون (سورة البقرة، 185).
وفي الحديث النبوي الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: إذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ (1).
فالله عز وجل فضّل هذا الشهر الكريم وحباه بمكانة عظمى، ما يجعلنا نتطلّع لحسن استثماره واغتنام خيراته وثماره.
ولأن ذخر الأمة شبابها، وعزتها لن تكون إلا بهم، فمقالتي هاته ستكون عن كيفية استعدادنا - نحن الشباب - لشهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، وكيف نغنم هذا الشهر الكريم.
إعداد القلوب
يقال من خرج بدون سلاح عاد مثخنا بالجراح. فالإعداد أحبتي أمر لابد منه ونحن نستقبل هذا الشهر العظيم، فكيف لقلب أثقلته المعاصي والآثام، وجاءه عرض مميز كشهر الغفران ألا يشمِّر على ساعده ابتغاء ما عند الرحمــن؟
ويكون هذا الاستعداد بالتوبة والاستغفار حتى يستطيع القلب أن يسَع ما يتفضل به علينا الكريم الغفّار في هذا الشهر الفضيل، يقول عمرو بن قيس الملائي رحمه الله طوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان.
فحتى لا تميل النفوس إلى الشهوات وجب علينا أن نضبطها قبل أول ليلة في رمضان. عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال رَغِمَ أَنْفُ عَبْدٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ (2).
فربّ حدث بسيط بالحياة يستوجب منا الكثير من الإعدادات؛ فكيف لهذا الحدث العظيم؟ ألا يستحق أن نُعدّ له ونتعاون من أجل استقباله؟
لقد كان السلف الصالح يسألون الله ستة أشهر أن يبلِّغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم رمضان، وكأن حياتهم كلها رمضان.
أقترح عليك أختي القارئة، أخي القارئ، النظر لبرنامجك اليومي هل فيه حظ من الاستغفار؟ هل تستحضر في "روتينياتك" اليومية استعدادك لهذا الشهر المجيد؟ إن كان الجواب لا فالوقت قد حان أن تخطط وتنفذ وتسأل الله القبول والإخلاص.
معيقات استثمار رمضان
الصوم هو صوم عن المعاصي أكثر ما هو صوم عن شهوتي البطن والفرج، وصحة للقلب أكثر ما هو صحة للجسم، فكما وجب علينا إعداد القلب بالاستغفار والتوبة وجب علينا ضبط عاداتنا والابتعاد عن الفتن التي تجرفنا إلى المنحى المعاكس، فكما نحن مطالبين بترك ما أحله الله لنا خارج الصيام فمن المنطق أن نترك ما حرمه الله خارجه وداخله، فلا يصح الصوم لمن لا يردع نفسه عن الكذب والنميمة والخيانة... عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَعَرَفَ حُدُودَهُ، وَحَفِظَ مَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْفَظَ، كَفَّرَ مَا قَبْلَهُ (3).
ومما يستوجب منا الحذر أيضا، هو هدر الوقت في ارتباطنا الزائد عن حده بشبكة الأنترنت، فحتما يُضَيّع علينا أوقاتا ثمينة، إذ الأصل أن نستغلها في التقرب من الله تعالى، فلنكن شحيحين بالوقت ولنبدأ بالتحرر من هذه العادات من الآن حتى نتأهب لاستقبال خيرة الشهور.
رمضان والتحصيل العلمي
رمضان هذه السنة يتزامن مع اقتراب موعد امتحانات نهاية الموسم الدراسي، فطلبة العلم أكرمهم الله بالأجرين، أجر رمضان وأجر طلب العلم، فكما سبق وذكرت أعلاه فضل رمضان ووجوب استعدادنا له، فكذا للعلم أجر كبير يقول فيه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "منهومان لا يشبعان طالب العلم وطالب الدنيا وهما لا يستويان، أما طالب العلم فيزداد رضا من الرحمن، وأما طالب الدنيا فيزداد في الطغيان، ثم قرأ: إنما يخشى الله من عباده العلماء (سورة فاطر، الآية 28)" (4).
والجمع بين عبادتين رفيعتين يستوجب النية الصادقة والاجتهاد في العمل، فعند مراجعتك لدروسك أخي الطالب أختي الطالبة استحضر نية العبادة وابتغاء وجه الله، وسيُكتب لك التوفيق بإذنه سبحانه.
فما زاحم القرآن شيئا إلا باركه الله، فما بالك لو جمعت بين صيام رمضان إيمانا واحتسابا وطلب العلم وفقا لجدول مدروس مضبوط؟ فستكون بذلك قد حققت عبادة رمضان واجتيازك للامتحان، فرمضان للجد والعمل والنجاح وبركة الله وتوفيقه موعودنا كلما دعوناه والحمد لله.
وهذا يجعلنا نخرج من جو العادة إلى العبادة، وأن نستثمر هذا الشهر الفضيل كما أمرنا الله عز وجل، لا أن نجعل منه عادة موسمية تمر كما تمر باقي المناسبات.
فاللهم بارك لنا في شعبان وبلغنا رمضان واجعلنا من الغانمين السعداء آمين.
(1) صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب فضل شهر رمضان، حديث رقم 1870. (2) أخرجه: ابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي في الكبرى، والطبراني في الكبير والأوسط، وأبو يعلى. (3) رواه الإمام أحمد. (4) رواه الدارمي (1/ 96)، والحاكم (1/ 92).






