فلسطين.. الموحدة الكاشفة

تصور معي أن تكون صاحب حق ويُنتزع منك بالقوة، وإن قاومت ضُربت وسُجنت، وإن طلبت من الأهل والجيران أن ينصفوك، صدوا عنك وذهبوا إلى حال سبيلهم، بل ومنعوا رعاياهم من التضامن معك، فتختار أن تنتزع حقك بالقوة، لتجد بعدها أنك أنت المعتدي.
إن وضعنا أنفسنا في هذا الموقف لثوانٍ قليلة، كيف سنشعر؟ ما حجم الألم الذي سيملأ الصدور؟ ما حجم القهر الذي سيسيطر علينا لحظتها؟ كيف سنستوعب خذلان الأهل والجيران؟ وكيف سنتصرف حينها؟
صعب أليس كذلك؟ فما بالكم كيف يعيشه شعب فلسطين بصبر وثبات أزيد من 70 سنة؟ بل وتجاوزه إلى التأثير في الشعوب وكشف الملعوب.
فلسطين.. موحدة للشعوب
لطالما كانت فلسطين الرقعة التي تهفو إليها القلوب، واعتُبرت دائما القضية التي يلتف حولها كل مناصر للإنسانية ومدافع عن الحق، فهي قضية الأمة الإسلامية جمعاء، وفيها رمز ديني مقدس عند كل المسلمين أولى القبلتين وثالث الحرمين، مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال عنه النبي ﷺ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى»1.
فلسطين عند كل اشتباك أو تصعيد بداخلها، تُذَكّر الشعوب العربية بوحدتهم، بهويتهم وبواجبهم، وكأن من حسنات هذا الابتلاء هو تذكيرنا بوحدتنا كأمة عربية إسلامية، وبواجبنا اتجاه ديننا ومقدساتنا. لهذه الأرض المباركة تأثير وجداني منفرد على القلوب ذات الفطرة السليمة، وهذا ما يؤصل له قوله سبحانه وتعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[سورة الإسراء الآية1].
هذه الشعوب رغم ضعفها واستهدافها بكل الوسائل لجعلها مسلوبة القرار، تنتفض في مثل هذه اللحظات لتدافع بكل ما تستطيع عن أهل فلسطين، تجد شعوبا باختلاف عرقهم ولونهم وثقافتهم توحدهم فلسطين، يحملون نفس الشعارات، ويرفعون أيديهم بنفس الدعاء نصرة للفلسطينيين وهزيمة للمحتلين، يتبادلون التهاني عند النصر ويتألمون عند رؤية مشاهد البطش والظلم في حق الفلسطينيين، كأنهم يعيشون داخل فلسطين وما يصيب أهل الأرض يصيبهم، لفلسطين القدرة على توجيه الشعوب وتذكيرهم بمسؤولياتهم.
فلسطين.. كاشفة للنفاق العالمي
ظلت فلسطين تحقق إنجازات تلو الأخرى على مرّ السنين، فلم تقتصر على الثبات ومقاومة الاحتلال، بل تجاوزته إلى كشف الوجه الخفي للعالم وزيف ادعاءات حقوق الإنسان، وسياسة الكيل بمكيالين وازدواج المعايير، بل انهيار المعايير في التعاطي مع قضيتها.
في الوقت الذي تُدَكُّ فيه غزة، ويُقتل الفلسطينيون بدم بارد ويُنكَّل بهم ويزج بهم في سجون الاحتلال، المجتمع الغربي يغمض عينيه لا يرى ولا يسمع، فقط حين يقاوم الفلسطينيون لاسترجاع حقهم ينهض العالم الغربي فجأة، يَعُد ويُحصي الضحايا المدنيين في صفوف المحتلين، ليدين المقاومة وينعتها بالإرهاب وقتل المدنيين، عجيب أمرهم!! كيف يسكتون عن جرائم الاحتلال في حق المدنيين الفلسطينيين؟ وينددون حين يقاوم الفلسطينيون؟ وكأن الناس درجات، منهم من له الحق في الحياة وآخرون ليس لهم الحق فيها.
وكانت للإعلام الغربي مساهمة لافتة في التسويق لرواية دولة الاحتلال لجمع المزيد من التضامن، في غياب تام للمعايير المهنية في العمل الصحفي والإعلامي، التي تلزمه بتسليط الضوء على الحقيقة الكاملة، وفي هذا الصدد يقول الدكتور والباحث بمركز الجزيرة للدراسات محمد الراجي "... يبدو اليوم أن هذا الانحياز للدعاية الإسرائيلية، والتوحد في الرؤى والخطاب بين طرفي السردية الإسرائيلية والغربية، بلغ شأوًا بعيدًا يُحوِّل وسائل الإعلام الغربية إلى مؤسسات سياسية و"أجهزة أيديولوجية" -بحسب تعبير الفيلسوف الفرنسي لويس ألتوسير- لقوى النفوذ الدولي والمالي، وهو ما ينزع عنها-أي الصحافة- ما تبقى من رداء المهنية"2
أما عن الأنظمة العربية، عند من يفترض فيها أن تحمي ظهور إخوانهم وتكون لهم السند وتقف بجانبهم وقفة رجل واحد، وباستثناء بعض الدول التي نددت بجرائم الصهاينة، فقد خرجت علينا بصيغة جديدة للتضامن يتهربون بها من موقفهم الصريح والواضح من القضية الفلسطينية، ألا وهي الحياد والتنديد بقتل المدنيين لكلا الطرفين، وبهذا يُساوون بين الجلاد والضحية، ومنهم من أعلنها مدوية نحن مع -إسرائيل- ونتضامن معها في أزمتها.
يحز في النفس أن يصل ببعض الجبناء إلى إغماض عيونهم وإسكات ضمائرهم، وقتل مبادئهم، طمعا في التودد والتوسل لكيان هش، لا لشيء إلا لأنه وعدهم بحماية مصالحهم. كيان صهيوني محتل كشفت المقاومة للجميع ضعفه على كل المستويات وكذبه وخبثه، فكيف يستقوون به؟
لكن عبر التاريخ ظلت فلسطين وستظل بداية المواجهة الحاسمة بين الحق والباطل كما قال الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله " قضية فلسطين بداية المواجهة الحاسمة بين الحق والباطل، بين الجاهلية والإسلام. مع الجاهلية تنَبؤٌ يهودي بمملكة صهيون الألفية. ومع الإسلام وعد الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بالنصر المبين، وبالخلافة على منهاج النبوة، وبظهور هذا الدين على الدين كله ولو كره المشركون، ولو كره الكافرون".3
من خلال كل ما سبق، ستظل القضية الفلسطينية القلب النابض لهذه الأمة، لتقويض كل محاولات المسخ التي تستهدف هويتها.
وكل هذه الحملات التطبيعية للكيان الصهيوني مع الأنظمة العربية سرا وجهرا في المنطقة، لطمس القضية الفلسطينية واستباحة أراضيها، وكل السرديات الإعلامية التي وزعها على الإعلام الغربي لدعمه وللتغاضي عن الحرب الوحشية التي يرتكبها في غزة وفلسطين، لن تلمع صورته الوحشية، بل ستصبح حجة عليه وعلى كل مطبع خانع، يوم يكتب الله النصر لهذه الأمة وهو آت لا محالة، ويوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
المراجع
- 1.أخرجه البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، رقم: 1189، واللفظ له. ومسلم، كتاب الحج، باب لاتشد الرحال إلا لثلاثة مساجد، رقم: 1397 ↩
- 2.محمد الراجي، "الإعلام الغربي وتسويق الدعاية الإسرائيلية لتجريم المقاومة الفلسطينية"، مركز الجزيرة للدراسات، 11 أكتوبر 2023 https://studies.aljazeera.net/ar/article/5761. ↩
- 3.عبد السلام ياسين،. سنة الله، ص .119 ↩



